الخميس، 27 مايو 2021

تربية الجيل على إطلاق لفظ الردة والتساهل فيه

تربية الناس على إطلاق لفظ الردة والتساهل فيه

إن المقصود بالردة: أن يصير الرجل كافرا بعد إسلامه, والردة أغلظ من الكفر الأصلي, ولهذا كان المرتد شرا من الكافر الأصلي.

وتربية الجيل على إطلاق لفظ الردة والتساهل فيه كما نراه في مواقع التواصل الاجتماعي وبعض القنوات الفضائية: مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم وتعليمه أمته الحذر من رمي المسلم بالكفر, فقد جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء به أحدهما )

والتجاسر على وصف الآخرين بالردة وكونهم مرتدين من غير بينة شرعية طريق الخوارج, فقد قال ابن عبد البر رحمه الله: « ... سئل مالك عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قال لرجل يا كافر فقد باء بها أحدهما ) قال: « أرى ذلك في الحرورية » فقلت له: أفتراهم بذلك كفارا، فقال: « ما أدري ما هذا »

ومما يشهد لمسارعة الخوارج في التكفير: ما جاء عن مولى لبني هاشم أنه قال لنافع بن الأزرق: إن أطفال المشركين في النار، وإن من خالفنا مشرك، فدماء هؤلاء الأطفال لنا حلال، قال له نافع: « كفرتَ، وأحللتَ بنفسك ... »

ثم إن المطلوب من العبد عدم رمي الآخرين بالردة؛ لما في ذلك من ضرر على المسلم بيقين, وما وجد فيه ضرر على المسلم فيطلب عدمه, فكما يطلب عدم القتل لحفظ النسل يطلب أيضا عدم رمي الآخرين بما ليس فيهم لبقاء الأخوة الإيمانية.

ومن مفاسد هذه التربية: إنشاء قوم يكفرون المسلمين ويستحلون دماءهم وأموالهم وأعراضهم.

فالحذر من التساهل في هذا الباب

كتبه ناصحا: أحمد محمد الصادق النجار


كيف وصلت #القاعدة و #داعش إلى تكفير المجتمعات المسلمة؟

 

كيف تدرجت #القاعدة و #داعش إلى تكفير المجتمعات المسلمة؟

إن الإجابة على هذا السؤال المقلق يتوجب على الدعاة والعلماء بيانه؛ حفاظا على الشبيبة المتدين من الإنزالق إلى هوة التكفير.

فقد انطلق هؤلاء من تكفير أنظمة المجتمعات الإسلامية وحكامهم؛ بحجة تحكيمهم غير ما أنزل وتبديلهم الشريعة بغيرها, فجعلوا من مطلق الحكم بغير ما أنزل الله والاستبدال كفرا أكبر مخرجا من الملة...

ثم تسلسلوا, فكفروا الجيوش والشرطة والقضاة ونحوها؛ لكونها تابعة للحكومات الطاغوتية المرتدة كما عبروا، ولكونها تنصر وتؤيد وتنفذ قوانينهم ...

وعليه فكل من انتسب إلى هذه الجيوش فهو كافر مرتد أيّا كان عمله فيها.

وأما العلماء فقد وصفوهم بـ: أدعياء السلفية ومرجئة العصر وجهمية الزمان وحزب الولاة, وبغلة السلطان, وعلماء السلاطين, كما يصرح بذلك مفتيهم: أبو محمد المقدسي.

وهؤلاء العلماء عندهم إن ظهر منهم دفاع عن الحكام فهم كفار مرتدون, وإلا فهم مبتدعة..

ولما كانت الديار الإسلامية عندهم ديار كفر؛ لما وقع فيها من تبديل الشريعة جوزوا فيها التفجير والقتل...

وأخيرا: إنك لتعجب ممن ينكر الفرع ويقر بالأصل ...

فالحذر الحذر من سلوك طريقهم, وعلى الشباب المستقيم أن يبتعد عن نهج هؤلاء

وليست الإشكالية مع هؤلاء المكفرة في تنزيل الأحكام على المعينين فقط؛ لأنهم يرون التنزيل مما يسع فيه الخلاف, كما في الرسالة الثلاثينية في التحذير من الغلو في التكفير" لأبي محمد المقدسي.

وإنما الإشكالية الأولى في حكمهم على نوع المسألة وإطلاق الكفر عليها بإطلاق.

 

 

كتبه: أحمد محمد الصادق النجار

 

 

الثلاثاء، 25 مايو 2021

حكم مظاهرة الكفار ومعاونتهم على المسلمين

 

حكم مظاهرة الكفار ومعاونتهم على المسلمين

د. أحمد بن محمّد النّجار

محاضر في مادة العقيدة بقسم أصول الدين

كليّـة علوم الشّريعة

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده

أما بعد, فهذه المسألة من المسائل التي استغل إطلاقها مَن كفر أعيان المسلمين وأنزل عليهم حكم الردة, بعد أن حكوا إجماع العلماء على أن مظاهرة الكفار على المسلمين بكل صورها كفر أكبر, وناقض من نواقض الإسلام.

ولا يصح فيما كان له صور منها ما هو كفر أكبر ومنها ما ليس كفرا أكبر إطلاق الكفر الأكبر عليها, ولو كان من باب التخويف والزجر؛ للإيهام والإلباس, وسد ذريعة التكفير بما ليس بمكفر, فإطلاق الكفر الأكبر على ما ليس كفرا أكبر بكل صوره يقود إلى تكفير المسلمين, وأخطرُ ما يربى عليه الشباب إطلاقات الكفر والردة؛ مما يجعلهم يستسهلون التكفير بغير حق.

وكما ننكر هذا ننكر أيضا جَعْل المظاهرة ليست كفرا أكبر بكل صورها.

والتحقيق في مسألة مظاهرة الكفار على المسلمين: التفريق بين صور المظاهرة في الحكم؛ بناء على أمرين:

1-    التفريق بين التولي التام والتولي الناقص.

قال أبو حيان في البحر المحيط (3/ 519): (ومن تولاهم بأفعاله دون معتقده ولا إخلال بإيمان فهو منهم في المقت والمذمّة ، ومن تولاهم في المعتقد فهو منهم في الكفر )

وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي، في ‏تفسير قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ ‏فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}: "وذلك الظلم ‏يكون بحسب التولي، فإن كان توليا ‏تاما، كان ذلك كفرا مخرجا عن دائرة ‏الإسلام، وتحت ذلك من المراتب ما ‏هو غليظ، وما هو دون ذلك".

وقال ‏أيضا في تفسير قوله تعالى: {وَمَنْ ‏يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}: "إن التولي ‏التام، يوجب الانتقال إلى دينهم، ‏والتولي القليل يدعو إلى الكثير، ثم ‏يتدرج شيئا فشيئا حتى يكون العبد ‏منهم".

2- اختلاف صور المظاهرة, فليس كل صورة من صور المظاهرة تحقق فيها المناط الكفري, وهذا يستدعي بيان الصور؛ للتعرف على ما كان كفريا منها وما لم يكن كفريا.

وإليك هذه الصور:

1-الجاسوسية بأن يكون المسلم جاسوسا للكفار على المسلمين لرحم أو لحاجة.

فهذه صورة من صوار المظاهرة وهي محرمة وكبيرة من كبائر الذنوب, ولا تصل إلى الكفر الأكبر, وقد نقل الطحاوي الإجماع على أن الجاسوس المسلم لا يباح دمه. انظر: فتح الباري لابن حجر (12/ 310)

وإباحة الدم وعدمها وإن وقع فيها خلاف بين الفقهاء إلا أنهم متفقون على عدم كفره

وقد قال ابن العربي في أحكام القرآن (4/ 225): (من كثر تطلعه على عورات المسلمين، وينبه عليهم، ويعرف عدوهم بأخبارهم لم يكن بذلك كافرا إذا كان فعله لغرض دنيوي، واعتقاده على ذلك سليم، كما فعل حاطب بن أبي بلتعة حين قصد بذلك اتخاذ اليد ولم ينو الردة عن الدين).

وهو عين ما حصل مع حاطب بن أبي بلتعة, وقد اعتذر بأنه لم يفعله ردة ولا كفرا ولا رضا بالكفر بعد الإسلام, فدل ذلك على أن هذا القيد هو مناط الموالاة الكفرية.

قال الشافعي في الأم للشافعي (4/ 264): (وليس الدلالة على عورة مسلم ولا تأييد كافر بأن يحذر أن المسلمين يريدون منه غرة ليحذرها أو يتقدم في نكاية المسلمين بكفر بين)

وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (7/ 522): (وقد تحصل للرجل موادتهم لرحم أو حاجة فتكون ذنبا ينقص به إيمانه ولا يكون به كافرا كما حصل من حاطب بن أبي بلتعة لما كاتب المشركين ببعض أخبار النبي صلى الله عليه وسلم وأنزل الله فيه {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة} . وكما حصل لسعد بن عبادة لما انتصر لابن أبي في قصة الإفك. فقال: لسعد بن معاذ: كذبت والله؛ لا تقتله ولا تقدر على قتله؛ قالت عائشة: وكان قبل ذلك رجلا صالحا ولكن احتملته الحمية. ولهذه الشبهة {سمى عمر حاطبا منافقا فقال دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق فقال إنه شهد بدرا} فكان عمر متأولا في تسميته منافقا للشبهة التي فعلها. وكذلك قول أسيد بن حضير لسعد بن عبادة؛ كذبت لعمر الله لنقتلنه؛ إنما أنت منافق تجادل عن المنافقين؛ هو من هذا الباب).

2-إعانة الكفار على المسلمين بأي نوع من أنواع الإعانة وتوليهم؛ محبة للكفر وظهوره, وهذا كفر أكبر بالإجماع, ولا يجتمع مع أصل الإيمان.

قال الطبري في تفسيره (10/ 400): ( يعني تعالى ذكره بقوله:"ومن يتولهم منكم فإنه منهم"، ومن يتولَّ اليهود والنصارى دون المؤمنين، فإنه منهم. يقول: فإن من تولاهم ونصرَهم على المؤمنين، فهو من أهل دينهم وملتهم، فإنه لا يتولى متولً أحدًا إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راضٍ. وإذا رضيه ورضي دينَه، فقد عادى ما خالفه وسَخِطه، وصار حكُمه حُكمَه)

وما أطلقه الطبري في تفسيره في مواطن محمول على هذه الصورة الكفرية.

3-القتال في صف الكفار ضد المسلمين بما يترتب عليه زوال دين الإسلام وظهور الكفر.

فهذه الصورة كفر أكبر؛ لما يلزم من القتال مع أعداء الله ورسوله زوال دين الإسلام, وظهور شعائر الكفر, وإذا كان الصحابة سموا من منع شعيرة واحدة من شعائر الإسلام وهي الزكاة بالمرتد, فكيف بمن منع الدين كله وقام بزواله؟!!

قال ابن تيمية في الفتاوى الكبرى لابن تيمية (3/ 548): (وإذا كان السلف قد سموا مانعي الزكاة مرتدين مع كونهم يصومون ويصلون، ولم يكونوا يقاتلون جماعة المسلمين، فكيف ممن صار مع أعداء الله ورسوله قاتلا للمسلمين مع أنه والعياذ بالله لو استولى هؤلاء المحاربون لله ورسوله المحادون لله ورسوله المعادون لله ورسوله، على أرض الشام ومصر. في مثل هذا الوقت لأفضى ذلك إلى زوال دين الإسلام ودروس شرائعه).

4-القتال في صف الكفار وإعانتهم بما لا يترتب عليه زوال الإسلام وظهور الكفر.

فهذا لا يكون كفرا أكبر, وهو من جنس ما جاء في قصة حاطب, فقد أعان الكفار بمكاتبه وإفشاء سر رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم بما لا يترتب عليه ظهور الكفر وزوال الإسلام.

قال الشافعي في الأم (4/ 264): (وليس الدلالة على عورة مسلم ولا تأييد كافر بأن يحذر أن المسلمين يريدون منه غرة ليحذرها أو يتقدم في نكاية المسلمين بكفر بين)

وقال السرخسي في شرح السير الكبير (2/ 204): (ولو قتل مسلماً كان في صف المشركين يقاتل المسلمين معهم لم يكن له سلبه لأن هذا وإن كان مباح القتل ولكن سلبه ليس بغنيمة لأن مال المسلم ومال المسلم لا يكون غنيمة للمسلمين بحال كأموال أهل البغي) . فحكم عليه بالإسلام.

فاختلاف الصور في الحكم يمنع من إطلاق القول بالكفر الأكبر, وأما من تعدى ذلك حتى حكى إجماع العلماء على كفر من ظاهر بأي نوع من أنواع المظاهرة سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة فقد غلط غلطا بينا.

مع التنبيه إلى تجريم مظاهرة الكفار على المسلمين بكل صورها, وأن من وقع فيها من غير إكراه فهو على خطر عظيم, ولا يكون مؤمنا حقا.

 

الثلاثاء، 18 مايو 2021

الجهاد في فلسطين مضرة الكفر وفتنته أعظم من مضرة الفسق وفتنته

الجهاد في فلسطين

مضرة الكفر وفتنته أعظم من مضرة الفسق وفتنته

 

إن الله فرض الجهاد بأنواعه على المؤمنين, وألزم كل فرد منهم بما يقدر عليه, فمن تعين عليه نوع من أنواع الجهاد كان المتعين عليه من الإيمان الذي ينتفي الإيمان الواجب بانتفائه.

وما وقع في غزة من اعتداء الغاصبين المعتدين على القدس وأهل فلسطين هذه الأيام يوجب جهاد الدفع بلا قيد ولا شرط, قال ابن تيمية في الفتاوى الكبرى (5/ 538): (وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين فواجب إجماعا, فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه فلا يشترط له شرط, بل يدفع بحسب الإمكان.

وقد نص على ذلك العلماء أصحابنا وغيرهم فيجب التفريق بين دفع الصائل الظالم الكافر وبين طلبه في بلاده )

إلا أن بعض من لم يوازن بين المصلحة الشرعية والمفسدة الشرعية لما نظر إلى اختلاط الصف الذي يدفع الصائل ثبط وحذر واشترط شروط جهاد الطلب في جهاد الدفع, فأداه ذلك إلى ترك واجبات وفعل محرمات باسم الورع والذب عن السنة والوقوف أمام من انحرف عنها.

ولو تمعن هؤلاء في مقصد الجهاد في سبيل الله وهو دفع الكفر ومضرته على المسلمين وبلادهم لعلموا أنه -والحال هذه- لا ينظر إلى من يقاتل في صف المسلمين ممن وقع في فسق عقدي أو عملي؛ إذ إن مضرة الكفر وفتنته أعظم من مضرة البدعة وفتنتها, فضرر الكفر وأهله يشمل الدنيا والدين, ويعم الأرض والأموال والأعراض, وأما منفعة الجهاد مع من وقف في بدعة وفسق ومعاونتهم أعظم من ردع أهل الفسق والبدعة والرد عليهم ماداموا منشغلين بدفع الصائل, فمصلحة أداء واجب جهاد الدفع تغمر مفسدة وجود أهل الفسق في صف المسلمين المجاهدين وقتالهم لأجل أنفسهم, وإذا اجتمعت المصالح والمفاسد قدمت المصلحة الراجحة على المفسدة المرجوحة, ويدفع أعظم الفسادين باحتمال أدناهما.

ومما يشهد لهذا المعنى: ما أخرجه البخاري في صحيحه (4/ 72) عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: شهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لرجل ممن يدعي الإسلام: «هذا من أهل النار»، فلما حضر القتال قاتل الرجل قتالا شديدا فأصابته جراحة، فقيل: يا رسول الله، الذي قلت له إنه من أهل النار، فإنه قد قاتل اليوم قتالا شديدا وقد مات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إلى النار»، قال: فكاد بعض الناس أن يرتاب، فبينما هم على ذلك، إذ قيل: إنه لم يمت، ولكن به جراحا شديدا، فلما كان من الليل لم يصبر على الجراح فقتل نفسه، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال: «الله أكبر، أشهد أني عبد الله ورسوله»، ثم أمر بلالا فنادى بالناس: «إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر»

وفي الختام:

أنبه إلى أن الله كما أمر بالجهاد بالنفس أمر بالجهاد بالمال, وجعل من مصارف الزكاة: الجهاد في سبيل الله, لكن يجب على المسلم قبل أن يعطي ماله أن يتأكد من وصوله إلى مستحقيه, لا أن يضع ماله من غير أن يتحقق وصوله, فليس كل حملة تدعي أنها لنصرة أهل غزة تكون حملة صحيحة أو توصل المال إلى مستحقيه.

كتبه: د. أحمد محمد الصادق النجار


الاثنين، 17 مايو 2021

إهدار إنكار المنكر المتعلق بأصول الدين وقت ظهوره بدعوى المصلحة

 

إهدار إنكار المنكر المتعلق بأصول الدين وقت ظهوره

بدعوى المصلحة

إن هذه الإشكالية التي طرأت على أذهان جملة من المنتسبين للعلم مبنية على تحكيم العقول في تحديد المصالح وتعيينها واتباع أهوائهم, فذهب هؤلاء –حالا- إلى ألمصلحة يحددها العقل البشري, كما ذهب إليه الحداثيون –مقالا-,  فكلما ظنوا أن المصلحة تقتضي السكوت عن أخطاء المتكلمين في أصول الدين وقت ظهور من يدعو إليها نهوا المنكرين عن الإنكار, ولم يكتفوا هم بعدم إنكارهم!.

وتغافل هؤلاء عن أن تحديد المصالح مرجعه إلى الشرع, وأما العقل فليس مرجعا مستقلا لتحديد المصالح؛ لكونه قاصرا عن إدراك تفاصيل المنافع والمضار حتى إنه يرى في الشيء أنه منفعة ولا منفعة فيه, أو تكون منفعته منفعة مرجوحة.

ومعلوم أن الشريعة لم تهمل مصلحة راجحة, فراعت في أوامرها تحقيق المصالح الراجحة, فهي عندما أمرت بإنكار المنكر في أصول الدين لم تهمل مراعاة المصالح الراجحة, كما أنها حافظت على المصالح الضرورية؛ إذ إن حفظ الدين أعظم مقصد للشارع.

وإذا نظر المجتهد إلى أن إنكار المنكر في أصول الدين وقت ظهور من يدعو إليه يحافظ على أعظم المصالح الضرورية وهو الدين, وأنه لا قوام له إلا بذلك: أدرك تمام الإدراك أنه ما من مصلحة مدعاة تمنع الإنكار فهي دون مصلحة حفظ الدين, وقاعدة الباب: "كل ما يفوت المصلحة الأعظم فهو مفسدة".

وهي أيضا مصلحة ملغاة, فعن أبي واقد الليثي، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بحنين ونحن حديثو عهد بكفر فمررنا على شجرة يضع المشركون عليها أسلحتهم يقال لها: ذات أنواط فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال: " الله أكبر قلتم كما قال أهل الكتاب لموسى عليه السلام {اجعل لنا إلها كما لهم آلهة} [الأعراف: 138] " ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنكم ستركبون سنن من كان قبلكم» أخرجه أحمد

فقد أنكر النبي صل الله عليه وسلم عليهم مع كونهم في غزوة وقتال عدو كافر, ولم يؤخر البيان والإنكار مراعاة للمصلحة.

وعند التحقيق تجد أن كثيرا من هذه المصالح المدعاة دعت إليها أهواء الناس وما يلاقونه من تبجيل وتعظيم بسبب سكوتهم, وقد أبدع الشاطبي لما قال في الموافقات (2/ 63): (المصالح المجتلبة شرعا والمفاسد المستدفعة إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى، لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية، أو درء مفاسدها العادية).

والله أعلم

كتبه: د. أحمد محمد الصادق النجار

الأحد، 16 مايو 2021

[الجهاد في فلسطين توضيح وبيان]

 

[الجهاد في فلسطين

توضيح وبيان]

 

إن العداء مع اليهود عداء عقدي دائم إلى قيام الساعة, سببه الكفر الواقع من اليهود, وهذا العداء مما تقتضيه كلمة التوحيد.

فليس العداء على أرضٍ ولا على عرقٍ كما صوره بعض من ينتسب إلى بعض الجماعات الإسلامية, وإنما عداء تقتضيه العقيدة الإسلامية...

وإن الجهاد في فلسطين واجب على كل مسلم بما يستطيعه وفق ما تقتضيه الشريعة بالنظر إلى كلياتها وجزئياتها ومقاصدها, فيجب على كل مسلم أن يجاهد في سبيل الله - بمفهومه العام وكل ما يدخل تحت هذا المفهوم- ضد الغاصبين المعتدين, ومن ترك الجهاد الذي في قدرته فإنه يعاقب؛ لترك ما يجب عليه, وهؤلاء التاركون المثبطون مضرة مخالطتهم والسماع لقولهم عظيمة وخطر على دين الإسلام, ولذا الواجب هجرهم, ومن لم يهجرهم كان تاركا للمأمور فاعلا للمحظور؛ ذلك أن المتقرر من قواعد الشريعة أن الإنسان يعاقب بقدر ما ترك مما يدخل تحت قدرته, فمن لم يقدر على جهاد اليهود بالسيف وقدر على أن يجاهدهم بما دونه عوقب على تركه ما يستطيع وكان داخلا تحت قدرته مما يحقق المصلحة الشرعية.

ولذا تأثم الأمة إذا تركت ما تستطيعه.

ومن الخطأ البين: إلزام الأمة كلها بالجهاد بالسيف إذا لم تكن مهيأة له ولا في مصلحتها ولا هو داخل تحت قدرتها؛ إذ إن من شرط التكليف أن يدخل تحت قدرة الإنسان وأن تكون مصلحة فعله أعظم من المفسدة, فالشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها, فالقليل من الخير خير من تركه, ودفع بعض الشر خير من تركه كله.

وما يقوم به المعتدي الغاشم هذه الأيام على غزة وسائر فلسطين يدعو جميع المسلمين للقيام بما يجب عليهم مما هو داخل تحت قدرتهم ويحقق المصلحة الشرعية, كما يوجب عليهم مناصرة أهل غزة بما يدفع عنهم ظلم العدوان وتحرير أرضهم, وهذا يجب ألا يكون فيه خلاف بين المسلمين.

فإن قيل: مناصرة أهل غزة يلزم منه مناصرة أهل الظلم من المسلمين ومناصرة المخالفين لأهل السنة, وهلم جرا.

قيل: استيلاء الكفار على بلدان المسلمين واحتلالها أعظم جرما وأشد خطرا من ظلم الظالمين وابتداع المبتدعين, والمتقرر شرعا في كليات الشريعة ومقاصدها: أن الأقل شرا يعان على الأكثر شرا؛ تقليلا للشر, فالأقل ظلما يعان على الأكثر ظلما, والأقل بدعة يعان على الأكثر بدعة, والفاسق يعان على الكافر, وهكذا...

قال ابن تيمية في منهاج السنة النبوية (6/ 118): (...فالأقل ظلما ينبغي أن يعاون على الأكثر ظلما؛ فإن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد، وتقليلها بحسب الإمكان، ومعرفة خير الخيرين وشر الشرين، حتى يقدم عند التزاحم خير الخيرين ويدفع شر الشرين).

وهذا النظر الكلي المقاصدي يوجب على المسلم ألا يلتفت إلى من وقع في بدعة ومخالفة للشريعة من أهل فلسطين إذا كان في مقابل من هو أشد منه, ومع ذلك يكون المسلم متقيظا لمن يستغل قضية فلسطين لمآرب أخرى إذا تحقق من ذلك, لا أن يعتمد على الشك والظنون, والتحليلات الوهمية, فالمعركة بين الإسلام والكفر, وهذا يستدعي نظرا مصلحيا مقاصديا, فيقلل الشر بما لا يمكن الكفار على المسلمين ولا يكون سببا لظهورهم وانتصارهم على المسلمين.

والحذر الحذر من الفرح بظهور اليهود على المسلمين, فهذا خلل عظيم وجرم كبير, ولو كنت تريد ظهورهم على من هم من أهل الظلم.

فإن قيل: أليس نصر الله مبنيا على التزام المسلمين بدين الإسلام وعدم ظهور الفسق والعصيان؟

قيل: بلى, وهو واجب على الأمة كلها, لكن ما نراه اليوم من الاعتداء الغاشم على حرمات المسلمين يستدعي من المسلمين تقاة وفجارا أن يدفعوا هذا العدوان بما يستطيعون؛ إذ إن مما أوجب الله عليهم نصرة أهل الإسلام, فمن فرط في بعض الواجب ليس مطلوبا منه شرعا ترك جميع الواجب.

كتبه: د. أحمد محمد الصادق النجار

3-شوال-1442هـ

الاثنين، 10 مايو 2021

إحياء ليلتي العيد لا يشرع جماعة في المسجد

 

إحياء ليلتي العيد لا يشرع جماعة في المسجد

اختلف العلماء في مطلق إحياء ليلتي العيد:

فاستحب إحياء ليلتي العيد: الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة

وجاء عن أحمد روايتان: في رواية عنه أنه لم يستحب قيامها جماعة؛ لأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

وفي رواية استحبها؛ لفعل عبد الرحمن بن يزيد بن الأسود, وهو من التابعين. انظر: لطائف المعارف لابن رجب (ص: 138)

واحتج الجمهور بـ:

1-الحديث المشهور «من أحيا ليلتي العيد لم يمت قلبه يوم تموت القلوب»

وأجيب عنه: بأنه ضعيف, قال ابن حجر في التلخيص الحبير (2/ 190): (حديث روي أنه صلى الله عليه وسلم قال "من أحيا ليلتي العيد لم يمت قلبه يوم تموت القلوب" ابن ماجه من حديث ثور عن خالد بن معدان عن أبي أمامة وذكره الدارقطني في العلل من حديث ثور عن مكحول عنه قال والصحيح أنه موقوف على مكحول )

قال الجمهور: وإن كان ضعيفا لكن أحاديث الفضائل يتسامح فيها.

وأجيب: على التسليم بجواز العمل بها إلا أنه لا يثبت بها حكم الاستحباب, فالأحكام الشرعية لا تثبت إلا بما صح.

2- حديث معاذ بن جبل رضى الله عنه: (من أحيا الليالي الأربع وجبت له الجنة: ليلة التروية وليلة عرفة وليلة النحر وليلة الفطر).

وأجيب: قال الحافظ: حديث غريب وعبد الرحيم بن زيد العمى راويه متروك وسبقه ابن الجوزى فقال حديث لا يصح وعبد الرحيم قال يحيى كذاب وقال النسائي متروك. اتحاف السادة المتقين (5/ 207،)

وما في معناهما وهو بين الضعيف والموضوع.

3- عن ابن أبي شيبة قال: حدثنا حفص ، عن الحسن بن عبيد الله ، قال : كان عبد الرحمن بن الأسود يقوم بنا ليلة الفطر. ُمصنف ابن أبي شيبة (2/ 400)

واختلفوا في طريقة إحيائها:

فمنهم من ذهب إلى أن إحياءها يكون بالذكر والفكر دون النوافل المطلقة. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (5/ 1774)

ومنهم من ذهب إلى أن إحياءها يكون في البيوت لا في المساجد.

قال ابن الحاج في المدخل لابن الحاج (4/ 232): (وذلك بشرط أن لا يكون في المساجد ولا في المواضع المشهورة كما يفعل في رمضان بل كل إنسان في بيته لنفسه ولا بأس أن يأتم به بعض أهله وولده)

والإحياء يكون بالعبادة معظم الليل, وقيل بساعة, وقيل بصلاة العشاء جماعة والعزم على صلاة الفجر جماعة. انظر المجموع للنووي

والأقرب: أن إحياءها جماعة في المسجد لا يشرع؛ لأن قاعدة الاجتماع على الصلاة في المسجد مبنية على النص أو الإجماع, ولم يثبت فيها شيء, وليست هي من ليالي رمضان.

ولما لم تكن من ليالي رمضان انتفت فيها الجماعة ورجعت إلى الأصل وهو عدم الجماعة في قيام الليل, وأنها تكون في البيوت, فلا يأتي أحد ويقول: لم يرد نهي في إحيائها في المساجد جماعة.

وأما إحياؤها في البيت من غير تخصيص لهذه الليلة فلا ينكر؛ لوروده عن بعض السلف, ولدخولها في مطلق إحياء ليالي السنة, لكن لا يجوز أن نثبت حكما شرعيا من ندب ونحوه بخصوصها, ولا أن نثبت عملا مقدرا محددا في وقت معين بحديث ضعيف, وإلا كان قولا على الله بغير علم.

وعليه فإن كان مستند الاستحباب ما ورد من أحاديث ضعيفة في فضل قيام ليلتي العيد فلا يصح, ولا تصح نسبته إلى الشريعة, ولا يصح اعتقاد فضل خاص بهذه الليلة,

وإن كان مستنده أصل قيام الليل, فليلة العيد من ليالي السنة, وقد ورد الحض على قيام الليل بإطلاق.

وقد اتفق العلماء على أن إحياء ليلتي العيد بعدد مقدر وقراءة معينة ووقت محدد أنه غير مشروع؛ لأن الأصل في هذا التوقيف, ولم يرد فيه شيء.

جاء في حاشية ابن قاسم على الروض (2/ 223): قال شيخ الإِسلام ابن تيمية: "وأما إنشاء صلاة بعدد مقدَّر وقراءة مقدَّرة في وقت معيَّن تصلَّى جماعة راتبة كصلاة الرغائب والألفية ونصف شعبان وسبع وعشرين رجب وأمثال ذلك، فهذا غير مشروع باتِّفاق العلماء".

 

كتبه: أحمد محمد الصادق النجار