السبت، 19 ديسمبر 2015

الرد على حاتم العوني في دعواه أن الاحتفال بالمولد النبوي من باب المصالح المرسلة



قال العوني:(صورة يكون فيها المولد من المصالح المرسلة،
وذلك إذا كان بقصد استثمار تاريخ هذا الحدث الجليل، للتذكير بسيرته صلى الله عليه وسلم، أو لإذكاء جذوة محبته صلى الله عليه وسلم في القلوب، من غير اعتقاد فضيلة خاصة لليوم، تجيز تخصيصه بعبادة أو باعتقاد لا دليل عليه).
والرد عليه في هذه الصورة:
 هناك تشابه بين المصلحة المرسلة والبدعة من بعض الوجوه، وبسبب هذا التشابه يقع الخلط بينهما، وقد يستغل ذلك من يستغل لإمرار البدع، والتلبيس على الناس.
ولذا لا بد من بيان الفرق بينهما؛ ليتضح للقارئ الكريم وجه غلطِ من خلط بينهما:
المصلحة المرسلة هي: المنفعة التي لم يشهد الشارع باعتبار عينهاولا الغائه
الا أن جنسها يلائم تصرفات الشارع.
فالمعنى او الوصف له جنس اعتبره الشارع في الجملة.
والبدعة: ما أحدث في الدين مما لم يأت به النبي صلى الله عليه وسلم.
فتعلق البدع بما قصد به التقرب، او جُعل طريقة تضاهى بها الطريقة الشرعية.

ووجه التشابه بينهما:
١-كلاهما محدث.
٢-اعتبار الشارع جنس الوصف فيهما .
ووجه الافتراق:
١-ان المصلحة المرسلة لا تصادم الشرع، ولا تعارض دليلا خاصا، بخلاف البدعة فإنها تصادم الشرع وتعارض دليلا خاصا.
قال ابن تيمية في المجموع:(  " المصالح المرسلة " وهو أن يرى المجتهد أن هذا الفعل يجلب منفعة راجحة ; وليس في الشرع ما ينفيه )
٢- عدم الفعل في البدع مقصد للشارع، بخلاف المصلحة المرسلة.
٣- المصالح المرسلة وسيلة لحفظ مقصد من مقاصد الشارع، وضروري من الضرورات الخمس، بخلاف البدع فهي إحداث في الدين.
بعد هذا التأصيل نطبق ما تقدم على الاحتفال بالمولد:
الاحتفال بالمولد: جنس منفعته معتبرة وهي: محبته والتذكير بسيرته والاقتداء به.
الا أن عين المنفعة صادمها دليل خاص، وهو ترك النبي صلى الله عليه وسلم لها مع وجود المقتضي وزوال المانع
وكذلك ترك الصحابة، وهو اجماع منهم.
اضف الى ذلك: أن الذي شرع في يوم الاثنين الذي ولد فيه : الصيام، فلا يجوز ترك المشروع والاشتغال بغير المشروع تذكيرا لمولده.
وهذه المصادمة  لما تقدم من أدلة خاصة جعلت حكم الاحتفال بالمولد بدعة؛ لأنه اتخذ عيدا، والعيد شريعة،  وصار الناس يلتزمونه، وظُن فيه مصلحة، وهي ليست مصلحة لمصادمتها الشرع.
فليس الاحتفال وسيلة لمقصد شرعي وانما هو احداث في الدين.
ولو سلم جدلا ان الاحتفال فيه مصلحة التذكير بالسيرة، وإذكاء المحبة
ففيه ايضا مفسدة، وهي الابتداع في الدين، واتهام النبي صلى الله عليه وسلم بخيانة الأمانة، وفتح الباب لأهل الغلو ان يغلو في النبي صلى الله عليه وسلم ويرفعوه فوق منزلته
وهذه المفسدة أرجح من المصلحة المتوهمة
ودفع المفسدة الراجحة مقدم على جلب المصلحة الموجوحة، فكيف بالمتوهمة؟!!
وبهذا يظهر لنا خطأ ما يقرره العوني، فقد أنزل دليل المصلحة المرسلة على الاحتفال من غير مراعاة لقيوده.
وهذا يدل على بعدٍ من التصور الصحيح.
وعدم التصور الصحيح ينتج عنه حكم خاطئ.
وهذا عين ما حصل للعوني.
وقد تكلمت في مقال سابق عن شبهات يوردها مجيزو الاحتفال بالمولد
وهو موجود على الشبكة
ولم أناقش العوني الا من جهة واحدة، والا فوجوه كون الاحتفال بالمولد بدعة كثيرة.

كتبه
أحمد محمد الصادق النجار
٨-٣-١٤٣٧هـ

حلوى المولد



شيخ احمد سلام عليكم

ماحكم صنع حلوى المولد، أو أخذها منهم وأكلها واذا كنت موقنا ببدعية المولد لكني احبها ؟

وعليكم السلام
صنع الحلوى التى تجعل في المولد وأكلها مطلقا الأصل فيه الإباحة.
ومتى ارتبط الصنع بمحدثة  كالاحتفال بالمولد فلا يخلو من أحوال:
الأولى: أن تتخذ دينا يتعبد الله بها، فهنا تخرج عن أصل الإباحة إلى البدعة؛ لأنها خُرج بها عن بابها، وألحقت بباب العبادة، وباب العبادة الأصل فيه التوقيف، قال تعالى أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله.
الثانية: أن يعتقد أن فيها فضلا ، أو مزية، أو تأثيرا خفيا بسبب هذا اليوم وفضله، فهنا تكون محرمة؛ لما صاحبها من اعتقاد فاسد.
وهذا الاعتقاد قد يجر الى الشرك الاكبر؛
فمن جعل الاحتفال سببا لجلب نفع او دفع ضر فإنه يكون قد اتخذ ما ليس بسبب شرعي ولا قدري في جلب منفعة او دفع مضرة فيكون قد وقع في الشرك الاصغر ان اعتقد أنه سبب، اما ان اعتقد أنه يؤثر بذاته فيكون قد وقع في الشرك الأكبر.
الثالثة: ان تصنع وتؤكل لأجل المولد من غير أن يصاحبها اعتقاد فاسد، ولا تتخذ دينا
فهنا أيضا تمنع؛
١-سدا لذريعة الشرك والبدعة.
٢- لأجل التشبه بمن يتخذها دينا او يعتقد فيها اعتقادا فاسدا.
والمشابهة تثبت بمجرد الظاهر، لا القصد.
٣- لما كانت تابعة لمحرم أخذت حكمه، فالتابع تابع.
٤- أنه بني على سبب محرم، وما بني على سبب محرم فهو محرم، وما تولد عن حرام فهو حرام.
٥-لما في ذلك من الاحتفال المبتدع، والإقرار به، والاعانة عليه.

وكذلك أخذها منهم وأكلها: فيه نوع معاونة، والله يقول ولا تعاونوا على الإثم والعدوان.
كما أن الأكل للحلوى ومحبته قد يجر الى محبة الاحتفال ووقوعه، فيمنع سدا لهذا الباب.
الرابعة:من اعتاد صنع الحلوى وأكلها في يوم معين وصادف ذلك اليوم: اليوم الذي يحتفل فيه بالمولد البدعي فهذا جائز .

ومن زعم أن أكل الحلوى المخصصة للمولد منفك عن بدعة الاحتفال فقد أبعد النُّجعة: لاختصاصها بالمولد، وتقييدها به، وقد لا توجد الا فيه.
وزاد بعدا من زعم أنه مستحب؛ بناء على ان الاحتفال مستحب.
فإن اعترض معترض بتجويز بعض الصحابة أخذ الهدية من المجوس والنصارى يوم عيدهم.
أجيب: قبول الهدية منهم - التي ليست من ذبائحهم-؛ قصد منه تأليفهم للإسلام لا إقرارهم ومعاونتهم، ومحبتهم.
فاختلف الحكم.

أجاب عنه
د. أحمد محمد الصادق النجار


الأحد، 13 ديسمبر 2015

التأصيل المبني على اليقين يجب أن يكون بغية طالب العلم


القطع واليقين في تأصيل المسائل مطلب ومقصد, وهو ما كان علبه الراسخون في العلم.
وما نعيشه اليوم من كثرة الشبه التي يوردها اهل الباطل على الحق ليجعل اليقين مطلبا أساسيا لكل من أراد النجاة لنفسه, والعصمة من الوقوع في شبهات اهل الباطل.
ومن كان تأصيله في المسائل على يقين أو ما يقرب منه لم تزده الشبه التي ترد على المسائل إلا رسوخا ويقينا, وأما من كان تأصيله عن ظن فربما تعصف به الفتن والشبه فتزيحه عن أصوله, ويصبح المعروف عنده منكرا, والمنكر معروفا.
فينبغي أن تكون دراسة طالب العلم للمسائل العقدية وغيرها دراسة توصله إلى القطع واليقين.
ومن مقاصد أئمة السلف في كتبهم المسندة: كثرة ذكر الآيات والأحاديث واقوال السلف في المسألة الواحدة؛ ليرفعوا المسألة عند القارئ من الظن إلى اليقين.
وهذا مقصد عظيم يكون دافعا ورافعا عند ورود الشبه.
وما نراه اليوم من تذبذب بعض طلبة العلم في المسائل والتلون والتنقل وعدم الثبات ما هو إلا نتيجة لعدم التأصيل اليقيني أو ما يقرب من اليقين.

وليعلم طالب العلم: أن في النقل ما يكون من قبيل المتشابه؛ ليمتحن الله به عباده, فمن لم تكن عنده المحكمات واضحات ضاع, وزاغ.

فاليقين اليقين في التأصيل؛ فهوعاصم بإذن الله من الفتن والشبه.

كتبه
أحمد محمد الصادق النجار

السبت، 12 ديسمبر 2015

تحقيق المسائل هو المقصد لا جمعها



قد صرنا في زمن يتفاخر بعض طلبة العلم بالجمع والإحاطة بالأقوال وسرد الخلاف دون تمييز وتحقيق, ودون معرفة محل النزاع والخلاف, ومن غير تطبيق للقواعد والأصول. فيستدل من الأدلة ما يظن انه موافق لرايه, وهو على خلافه. وما علم هؤلاء أن هناك فرقا بين جمع ما قيل في المسألة وبين تحقيقها؛ فالجمع وسيلة للتحقيق, وليس هو التحقيق. والمرء يُمدح بالتحقيق لا بالجمع, وهذا ما كان عليه أئمتنا وعلماؤنا, فقد برزوا ورفعوا بعد توفيق الله بالتحقيق لا بالجمع, وبالتفنن في الاستنباط والترجيح, لا بمجرد سرد الأقوال. ومما كان يلمز به من كان جمَّاعا أن يقال عنه: حاطب ليل. ومن النقص أن يجعل الجمع هو الغاية, فتُجعَل الوسيلة مقصدا. قال ابن رجب عن كلام السلف: (( ويحتاج من أراد جمع كلامهم إلى معرفة صحيحة من سقيمه وذلك بمعرفة الجرح والتعديل والعلل فمن لم يعرف ذلك فهو غير واثق بما ينقله من ذلك ويلتبس عليه حقه بباطله. ولا يثق بما عنده من ذلك كما يرى من قل علمه بذلك لا يثق بما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن السلف لجهله بصحيحه من سقيمه فهو لجهله يجوز أن يكون كله باطلا لعدم معرفته بما يعرف به صحيح ذلك وسقيمه.)) والتحقيق يقوم على: ١- جمع الأقوال والأدلة. ٢-التمكن من علوم الآلة وتنزليها على الأدلة. فهذان ركنان لا يقوم التحقيق إلا بهما. فيبدأ المحقق للمسائل أولا بالجمع, وعلى هذا الجمع يقوى التحقيق أو يضعف, فإذا كان جمعه تاما كان التحقيق تاما, وإذا نقص نقص, فيقوى التحقيق بقوة الجمع, ويضعف بنقصه. والجمع يقوم على تتبع الأقوال والأدلة والإحاطة بها ما أمكن. وهناك فقهٌ في الجمع, ومنه: الدمج بين الأقوال المتماثلة والمتشابهة, وإخراج ما كان خطأ محضا أو شاذا من عده قولا, والاعتناء بأقوال الأئمة المعتبرين دون غيرهم. ثم يثني بالركن الثاني الذي لا ينفك عن الأول وهو: التمكن من علوم الآلة نظرا وتطبيقا, فيعرف كيف يستخرج العلة, وينقحها, ويحققها في مناطها, ويعرف القواعد الكلية ومتى يضعها في محلها, والمقاصد الشرعية من غير أن يلغي النصوص الجزئية, ويميز بين الصحيح والضعيف, ويعرف متى يرجح الوصل على الإرسال, والإرسال على الوصل, ونحو ذلك. وعلى التمكن يقوى التحقيق أو يضعف, فإذا قوي التمكن قوي التحقيق, وإذا ضعف ضعف. ولله در شيخ الإسلام ابن تيمية القائل: (( والعلم شيئان: إما نقل مصدق، وإما بحث محقق ،وما سوى ذلك فهذيان مسروق )) وبعد تحقيق المسألة تأتي مرحلة مهمة لا يوفق إليها إلا من وفقه الله سبحانه, وهي: إيصال المسألة المحقَّقة إلى الآخرين سهلة العبارة, واضحة المعنى, من غير تقعر بالعبارات, واستحداث مصطلحات جديدة, ونحو ذلك ومتى أمكن الرجوع إلى عبارات السلف فالواجب الرجوع إليها؛ لأنهم كانوا على الحق المبين, وخير الكلام ما قل ودل. إلا إذا وجدت الحاجة, فيتوسع بقدرها. قال ابن رجب عن كلام السلف: (( ومع هذا ففي كلام السلف والأئمة كمالك والشافعي وأحمد وإسحاق التنبيه على مأخذ الفقه ومدارك الأحكام بكلام وجيز مختصر يفهم به المقصود من غير إطالة ولا إسهاب: وفي كلامهم من رد الأقوال المخالفة للسنة بألطف إشارة وأحسن عبارة بحيث يغني ذلك من فهمه عن إطالة المتكلمين في ذلك بعدهم بل ربما لم يتضمن تطويل كلام من بعدهم من الصواب في ذلك ما تضمنه كلام السلف والأئمة مع اختصاره وإيجازه )) وقال: ( وقد فتن كثير من المتأخرين بهذا فظنوا أن من كثر كلامه وجداله وخصامه في مسائل الدين فهو أعلم ممن ليس كذلك. وهذا جهل محض. وانظر إلى أكابر الصحابة وعلمائهم كأبي بكر وعمر وعلي ومعاذ وابن مسعود وزيد بن ثابت كيف كانوا. كلامهم أقل من كلام ابن عباس وهم أعلم منه وكذلك كلام التابعين أكثر من كلام الصحابة والصحابة أعلم منهم وكذلك تابعوا التابعين كلامهم أكثر من كلام التابعين والتابعون أعلم منهم. فليس العلم بكثرة الرواية ولا بكثرة المقال ولكنه نور يقذف في القلب يفهم به العبد الحق ويميز به بينه وبين الباطل ويعبر عن ذلك بعبارات وجيزة محصلة للمقاصد. )) وقال: (( وقد ابتلينا بجهلة من الناس يعتقدون في بعض من توسع في القول من المتأخرين انه أعلم ممن تقدم. فمنهم من يظن في شخص أنه أعلم من كل من تقدم من الصحابة ومن بعدهم لكثرة بيانه ومقاله)) ونرى في زماننا من يتشدق بكثرة الكلام, ويتوسع فيه بدون حاجة؛ ظنا منه أن هذا هو التحقيق. اللهم اجعلنا من اهل التحقيق الذين لا يريدون إلا وجهك. كتبه أحمد محمد الصادق النجار

الجمعة، 11 ديسمبر 2015

مناقشة الشيخ عبيد الجابري في جواب له عن مسألة عقدية (المكر والخداع، وباب الاخبار عن الله)



الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي
أما بعد، فالفتوى أمرها عظيم، وهي توقيع عن رب العالمين.
وقد أوقفني أحد الإخوة الأفاضل على فتوى للشيخ عبيد الجابري من موقع ميراث الأنبياء وهي:
السؤال:
بارك الله فيكم شيخنا، هذا السؤال السادس، يقول: ما الفرق بين أسماء الله والإخبار عن الله؟ وما هو الضابط في باب الإخبار؟

الجواب:
أسماء الله توقيفية، وهذه لها ما يدل عليها، ومن ذلكم؛ التصريح في القرآن، مثل قوله تعالى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ } إلى آخر سورة الحشر، وقوله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [البقرة 163] وغير ذلك.

ومنها النقل الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم- دعا به مثل: ((يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ)) وهكذا.

أمَّا الإخبار غالبًا يكون في الأفعال كالكيد والمكر والبطش، هذه أفعال يُؤخذ منها صفة ولكن لا يؤخذ منها اسم، فلا يُقال: إن الله كائد، إن الله ماكِر -أعوذ بالله- لا يُقال هذا، لأنها لا تُطلق إلا في المقابل لبيان أنه – سبحانه وتعالى- قادرٌ على الانتقام من ردَّ هديَّه الذي أنزلهُ على رسله: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ} [ الأنفال 30]، {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) وَأَكِيدُ كَيْدًا (16)} [ الطارق].

اهـ.

أقول:

هذا جواب مشتمل على إجمال، وأغلاط.

والكلام في أسماء الله وصفاته عظيم، والانحراف فيه عظيم.

قول الشيخ:"أمَّا الإخبار غالبًا يكون في الأفعال كالكيد والمكر والبطش، هذه أفعال يُؤخذ منها صفة ولكن لا يؤخذ منها اسم، فلا يُقال: إن الله كائد، إن الله ماكِر -أعوذ بالله- لا يُقال هذا، لأنها لا تُطلق إلا في المقابل"

فذكر أن الإخبار غالبا يكون في الأفعال كالكيد ...، فجعل الكيد فعلا من باب الخبر.

وهذا تأصيل بعيد عن مذهب السلف، وهو غلط ظاهر.

فباب الإخبار مغاير لباب الأسماء والصفات؛ إذ إن باب الإخبار لا يشترط فيه التوقيف كما يشترط في الاسماء والصفات، وإنما يشترط فيه الا يكون معناه سيئا، والحاجة.

قال ابن القيم في البدائع:( ما يدخل في الإخبار أوسع مما يدخل في باب أسمائه وصفاته، ك الشيء، والموجود، والقائم بنفسه...

وقال: إن ما يطلق عليه في باب الأسماء والصفات توقيفي، وما يطلق عليه من الأخبار لا يجب ان يكون توقيفيا كالقديم والشيء .. )

والصفات المقيدة كالمكر والكيد هي ليست من باب الإخبار وإنما هي صفات مقيدة، فتدخل تحت باب الصفات لا باب الاخبار.

ولهذا يشترط فيها التوقيف.

فظهر خطأ الشيخ في عد هذه الصفات من باب الاخبار المغاير لباب الاسماء والصفات.

وقد يحمل كلام الشيخ من وجه بعيد على أنه اراد بالإخبار  الاسم المقيد الذي يؤخذ من الفعل، لا الفعل نفسه ، فيقال: الماكر بمن يستحق المكر، وهكذا..

فيكون الاسم هنا ليس من باب الاسماء الحسنى ، وإنما من باب الإخبار، فأُخذ منه اسم فاعل.

لكنه حملٌ لقصده إن كان قد قصده، ولا يفيده لفظه.

ثم إن الشيخ قد تناقض  فجعل المكر، وو... من باب الإخبار ، ثم ذكر أنها تؤخذ منها صفات، وباب الاخبار لا يؤخذ منه صفات عليا ولا أسماء حسنى.

والسؤال الذي يرد على الشيخ: إذا كانت تؤخذ منها صفات فكيف تكون من باب الإخبار؟!!

الا اذا قصد الشيخ ان باب الاخبار تؤخذ منه ما صيغته صيغة الصفة او الاسم فهذا حق.

لا أنه تؤخذ منه صفات عليا.

وهو أيضا دلالة لفظه عليه بعيد.

وقول الشيخ:"لبيان أنه – سبحانه وتعالى- قادرٌ على الانتقام من ردَّ هديَّه الذي أنزلهُ على رسله":

يحتمل أمرين:

الأول: تفسير لصفة المكر والخداع ... باللازم مع نفي المعنى، كما عليه المتكلمون.

والمتكلمون إما أن يرجعوا الفعل الى القدرة او الارادة، أو يجعلوا الفعل بمعنى المفعول.

وهذا أنزه الشيخ عنه؛ لمعرفتي بأصوله في باب الصفات.

الثاني: تفسير باللازم مع اثبات المعنى اللغوي لهذه الصفات، وهذا مذهب للسلف.

لكن العبارة موهمة، ولابد فيها من تفصيل.

قال ابن القيم في إعلام الموقعين: ( قيل: إن تسمية ذلك مكرا وكيدا واستهزاءا وخداعا من باب الاستعارة ومجاز المقابلة نحو (وجزاء سيئة سيئة مثلها) ... وقيل -وهو أصوب-: بل تسميته بذلك حقيقة على بابه؛ فإن المكر إيصال الشيء إلى الغير بطريق خفي، وكذلك الكيد والمخادعة )

أضف إلى ما تقدم: ان الشيخ عامل صفة البطش معاملة المكر والكيد، وهذا باطل، فالبطش صفة فعلية ، ولا تضاف إلى الله مقيدة.

ولهذا جاءت مطلقة في النصوص ، كما قال تعالى إن بطش ربك لشديد.

وأخيرا: هذا ما أردت بيانا ضبطا للمسألة، وحفاظا على مذهب السلف من أن يدخل فيه ما ليس منه.

وأسأل الله ان يوفقنا لمرضاته، ونصرة مذهب السلف.

كتبه

د. أحمد محمد الصادق النجار

الثلاثاء، 8 ديسمبر 2015

مصلحة حفظ الشريعة مقدَّم على مصلحة عدم الكلام عن أخطاء اهل العلم



ليس في الشريعة تقديس الأشخاص, وإنما فيها تعظيم العلماء بالقدر الشرعي. والتقديس شيء، والتعظيم الشرعي شيء آخر والفرق بينهما مؤثر، والحكم فيهما مختلف. ومن تعظيمهم: تنبيه الناس عما وقعوا فيه من أخطاء؛ حتى لا يقلدهم الناس فيها, وحتى تبقى الشريعة صافية نقية, كما انزلها الله سبحانه. لكن بيان أخطائهم يكون بعلم وإنصاف وحفظٍ لكرامتهم, لا بجهل وتعدٍّ وهوى وإهانة لكرامتهم. ومراعاة هذه الأمور من حفظ الشريعة؛ لأن اهل العلم هم نقلة الشريعة، والذين حفظ الله بهم الدين. ونحن بين طافتين مذموتين: الأولى: أنكرت رد أخطاء العلماء وبيانها مطلقا؛ فقدموا حظ العلماء على حظ الشريعة, فوقعوا في الضلال، والتحريف للشريعة. الثانية: تعدت الرد على خطأ العالم إلى الطعن فيه، والتنقص منه, وسبه, فاعتدوا على حظ الشريعة وحظ العالم. والحق بينهما. وأهل السنة نظروا إلى الحظين ففازوا بحفظ الشريعة, وحفظ مكانة العالم. جعلنا الله من اهل السنة الذين هم اعرف الناس بالحق, وأرحمهم للخلق. كتبه د/أحمد محمد الصادق النجار

الخميس، 3 ديسمبر 2015

الاجتهاد باعتبار موافقته للحق وعدمه

اجتهاد الشيخ - إن كان اهلا للاجتهاد- باعتبار موافقته للحق وعدمه قسمان:
الأول: اجتهاد صحيح, وهو ما وافق الحق فلم يعارض نصا صحيحا صريحا أو إجماعا ولم يفوت مصلحة راجحة, أو يجلب مفسدة راجحة
.ويترتب عليه حصول الأجرين: أجر الاجتهاد وأجر الإصابة.
الثاني: اجتهاد خاطئ, وهو ما وافق الباطل, فعارض نصا صحيحا صريحا أو إجماعا, أو فوت مصلحة راجحة, أو جلب مفسدة راجحة
ويترتب عليه حصول اجر واحد وهو اجر الاجتهاد.
وأما اتباعه في الاجتهاد فلا يخلو المتبِع من أن يكون اهلا للاجتهاد أو لا
فإن كان اهلا للاجتهاد فالواجب عليه أن يجتهد ليصل إلى الحكم إلا إذا وجد مانع كضيق الوقت, ونحو ذلك فله أن يقلد المجتهد
وإن كان ليس أهلا للاجتهاد فالواجب عليه تقليد المجتهد من غير أن ينصب شخصا يوالي ويعادي عليه ويجعله في منزلة النبي صلى الله عليه وسلم.
وليس للمقلد أن يتعدي فيصبح مجتهدا أو ملزما لغيره.

كتبه
أحمد محمد الصادق النجار