للمتخصصين
زعم #مفتي_سوريا أسامة الرفاعي في كلمته: (كيف يكون الله في السماء وهو أكبر من السماء والأرض والمكونات كلها!!!)..
وأنا مستاء أن يكون مفتي سوريا على مذهب متأخري الأشاعرة، ولله الأمر من قبل ومن بعد
وهذا الإيراد منه ناتج عن فهم خاطئ لقول أهل السنة: "الله في السماء"؛ إذ ظن أن المراد بالسماء: الأجرام المخلوقة المبنية (الأفلاك)، وأنها تكون بذلك ظرفا مكانيا يحوي الذات الإلهية ويحيط بها، فنفى هذا القول تنزيها لله -بزعمه- عن أن يحويه مخلوق، وهذا الظن مبني على أصل كلامي حادث، لا على استقراء كلام السلف واستعمال العرب.
ومقصود أهل السنة بكون الله في السماء أي في العلو، على حد قوله تعالى: [أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ]، لا أن السماء المخلوقة ظرف يحويه أو يحيط به.
فمعنى السماء في لغة العرب ليس محصورا في الأجرام المبنية المخلوقة، وإنما لها معنى كلي، وهو: العلو، ولما كانت الأجرام المبنية في العلو سميت سماء، فكل ما علاك فهو سماء.
وعلو الله ذاتي، وهو معلوم بالفطرة الضرورية، فعند الاضطرار في الحاجات لا يقصد القلب إلا العلو، وهذه الضرورة الفطرية لا يمكن دفعها أو نفيها إلا بخلع الفطرة نفسها.
والتوجه إلى العلو لا يختص بأهل الملل والشرائع، وإنما يفعله المشركون وغيرهم ممن لا يعرف العرش ولا سمع به، ولو كان رفع الأيدي إلى السماء مجرد اتخاذ للعرش كقبلة للدعاء كما ادعاه الرازي وغيره لكان ذلك مختصا بمن يعلم وجود العرش، كما لا يقصد التوجه إلى الكعبة في الصلاة إلا من علم وجود الكعبة..
لكن الواقع يؤكد أن الناس يجدون في أنفسهم طلبا ضروريا متجها لما فوق، لا لكونه قبلة مُتَّخَذة، وإنما لكون المعبود سبحانه في العلو، وهو ما دل عليه الشرع.
فمهما أورد متأخرو الأشاعرة من شبهات واعتراضات كلامية، فإنها تصطدم بهذه الحقيقة الفطرية الضرورية التي لا يمكن زوالها، فتسقط أمامها نظرياتهم ومحاجاتهم.
وهنا سؤال: لماذا ينفي #أسامة_الرفاعي أن الله في السماء؟
لأنه يتوهم أن إثبات أن الله في السماء،بمعنى علو الذات
يستلزم إثبات الجهة، والجهة تستلزم التحيز بمعنى أن الله يكون في مكان يحيط به ويحوزه، والله منزه عن ذلك.
والرد عليه من وجوه، منها:
الوجه الأول: دعوى التلازم باطلة، فمن أين لكم إثبات التلازم بين كون الله في السماء وبين التحيز بمعنى أن تحويه المخلوقات؟
فهذا التلازم لا يعرف عن أحدٍ من الأنبياء ولا الصحابة وهم أكمل الخلق عقلا وعلما، ولا هو قول عامة الناس الباقين على فطرتهم؛ إذ لم يخطر ببال أحدٍ منهم أنه إذا قال: الله في السماء لزم من ذلك أن السماء المخلوقة تحيط به أو تحويه!
لكن هذا نتاج علم الكلام!!!!
الوجه الثاني: أهل السنة لا ينازعون في تنزيه الله عن خصائص المخلوقات وأوصاف الحدوث، وينفون أن يحويه مكان مخلوق؛ فهذا أمر معلوم البطلان بالضرورة؛ لامتناع أن تكون المحدثات حاوية للقديم الخالق سبحانه.
وإنما النزاع معهم في تحقيق ما هو من سمات الحدوث، وهل من لازم كون الله في السماء أن تحويه الحوادث؟
أهل السنة ينفون هذا التلازم نفيا قاطعا، ويعتقدون أن الله تعالى بائن من خلقه فوق سماواته منفصل عن مخلوقاته، ليس في ذاته شيء من خلقه، ولا في خلقه شيء من ذاته.
الوجه الثالث: المفتي الرفاعي بنى فهمه على افتراض ثنائية حاصرة باطلة وهي إما أن الله في السماء بمعنى تحويه، أو نفي عن الله أنه في السماء مطلقا
فينتج عن هذه القسمة أن الله لا داخل العالم ولا خارجه....!!!
فهو لما نزه الله أن تحويه السماء وهذا حق ظن أنه لا يبقى إلا نفي علو الذات مطلقا وبالتالي يكون لا داخل العالم ولا خارجه
وهذا غلط ظاهر؛ لأن الحق أن القسمة ثلاثية وليست ثنائية، فإما احتواء وهو منفي، وإما نفي العلو مطلقا وهو باطل نصا وفطرة وإجماع السلف، وإما إثبات أن الله قوق سمواته بائن من خلقه، وهذا الذي دل عليه الكتاب والسنة والقدرة والعقل وإجماع السلف
وأما القول بأن الله لا داخل العالم ولا خارج فهذا رفع للنقيضين، ورفع النقيضين محال كما أن جمع النقيضين محال.
ثم قال الرفاعي:( كلمة الله أكبر تتناقض تناقضا كبيرا مع قولنا الله في السماء).
والجواب: لا تناقض بحال؛ لأن إثبات كونه في السماء لا يعني أن السماء تحيط به، فالله أكبر من كل شيء، وهو العلي الأعلى فوق كل شيء، وهو المحيط بكل شيء ولا يحيط به شيء.
كتب د. أحمد محمد الصادق النجار
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق