الجمعة، 18 نوفمبر 2022

ما حكم مشاهدة مباريات كأس العالم ؟

حكم مشاهدة مباريات #كأس_العالم

تباينت الآراء بناء على اختلاف زاوية النظر، فمن نظر إلى المباريات ومشاهدتها باعتبار كونها رياضة مباحة الأصل بعيدا عما يصاحبها من مؤاخذات شرعية أباح مطلقا أو مقيدا بشروط، ومن نظر إلى واقع هذا الكأس وما يلازم المشاهدة من مفاسد؛ حرم أو كره...

والذي أقول به في المشاهدة:
الأصل الذي ينبغي التأكيد عليه ابتداءً أن الأولى بالمسلم الإعراض عن هذه البطولات وعدم الانشغال بها؛ لأن هناك أولويات ومصالح هي التي ينبغي أن يشتغل بها المسلم، ولما قد تشتمل عليه من مؤاخذات شرعية...

والفقه الصحيح أن يراعى في الحكم على الفعل اعتبار ما يلازمه من مفاسد، ولا يكتفى بمجرد النظر إلى الأصل إذا كانت المفاسد كثيرة الوقوع ..

فكأس العالم بصورته المعاصرة ليس مجرد حدث رياضي ترفيهي، ومع ذلك فالحكم في هذه الفتوى لا يتوجه إلى البطولة ذاتها بالنظر إلى مقاصد منظميها، وإنما يتوجه إلى مشاهدة الافراد، فلذا كان الاعتبار بالنظر إلى مقصد المشاهد وحاله، لا الاعتبار بالنظر إلى مقصد المنظمين لهذه البطولة وأحوالهم..

وإليك تفصيل أحكام المشاهدة:

أولاً: متى تكون المشاهدة محرمة؟

تكون المشاهدة محرمة لا باعتبار ذاتها وإنما تكون محرمة إذا أفضت إلى محرم أو اشتملت عليه، ومن ذلك:
1- إذا اقترنت بالإسهام المالي في دعم البطولة بأي صورة كانت .
2- إذا صاحبها النظر إلى المحرمات.
3- إذا أدت إلى تضييع الصلوات أو التفريط في الواجبات.
4- أن يصحبها ولاء محرم أو تعظيم للكفار لكونهم كفاراً، أو محبة دينية لهم.
5- إذا كانت سبباً للتعصب والخصومات والسب والشتم وإحياء نعرات الجاهلية.
فهذه المحرمات متى صحبت الفعل ولازمته أخذ حكمها لكن لا لذات الفعل.

ثانياً: متى تكون المشاهدة مكروهة؟

إذا اشتملت على مفاسد تقتضي الكراهة، كالإكثار من المتابعة المفضي إلى تفويت مصالح معتبرة شرعاً.

ويظهر لي أن الكراهة هي الأقرب في حق من يتابعها متابعة دقيقة ومتواصلة يترتب عليها تفويت مصالح معتبرة..

ثالثاً: متى تكون المشاهدة مباحة؟

تكون على الإباحة إذا انتفت أسباب الكراهة انتفاءً حقيقياً، وذلك بتحقق جميع الشروط الآتية:
١-ألا يترتب عليها تضييع واجب ولا إهدار وقت طويل في اللهو تفوت به مصالح معتبرة
٢- ألا تصحبها شيء من أسباب التحريم المتقدمة ولا الكراهة.
٣- أن يكون مقصد المشاهد مباحا كقصد الترفيه المجرد.

فإذا تحققت هذه الشروط جميعاً كانت المشاهدة مباحة، ومن أخل بشرط منها انتقل حكمه إلى الكراهة أو التحريم بحسب ما أخل به.
وإنما كانت مباحة لخلو المشاهدة من أمر يقتضي التحريم أو الكراهة
كما أن التضييق في مسائل الترفيه المباحة خلاف مقصد الشارع في رفع الحرج.
تنبيه
إنما أخرت الإباحة التي هي الأصل مع أن حقها التقديم؛ وذلك لأن المشاهدة في واقع كثير من الناس لا تخلو من سبب يقتضي الكراهة أو التحريم..

كتبه د. أحمد محمد الصادق النجار
أستاذ مشارك بقسم أصول الدين
كلية علوم الشريعة

http://abuasmaa12.blogspot.com/2022/11/blog-post_18.html


الجمعة، 11 نوفمبر 2022

بين قاعدة سد الذريعة وقاعدة التزاحم بين المصالح والمفاسد

 بين قاعدة سد الذريعة وقاعدة التزاحم بين المصالح والمفاسد

هاتفني أحد المشايخ الكرام يستفسر عن العلاقة بين قاعدة تزاحم المصالح والمفاسد وبين قاعدة سد الذريعة أو ما يفضي إلى الحرام كثيرا أو غالبا
فمثلا تحريم الخلوة بالأجنبية هل بني على قاعدة التزاحم أو على قاعدة الإفضاء وإن شئت قلت قاعدة سد الذريعة..
وكذا تحريم مصافحة الأجنبية وبيع العنب لقبيلة غلب عليهم استعماله في صناعة المسكر
وكذا تحريم المظاهرات...
فإذا قلنا بني على قاعدة الذرائع أو الإفضاء أيصح أن يعلق الحكم على المصالح والمفاسد أو يطلق فيها المنع..بمعنى إذا  سأل سائل عن حكم المظاهرات؟ أيقال: حرام بإطلاق بناء على قاعدة الإفضاء، أو يقال: جائزة إذا رجحت مصالحها ومحرمة إذا رجحت مفاسدها؛ بناء على قاعدة التزاحم..

أقول جوابا على هذا السؤال:
عدم التفريق بين القاعدتين يجر إلى أخطاء في الأحكام
وتوضيح ذلك:
قاعدة التزاحم يراد بها الموازنة بين المصالح فيما بينها أو الموازنة بين المصالح والمفاسد
سواء كانت المصلحة والمفسدة ذاتيتين في الفعل أو كانتا في الأمر والنهي أو في مآل ونتيجة الفعل.
وأما قاعدة الإفضاء أو سد الذريعة فيراد بها الفعل المباح في نفسه المفضي إلى الحرام غالبا أو كثيرا بالنظر إلى  نتيجته ومآله
فهو بالنظر إلى كونه وسيلة بفضي إلى محرم..
وهذا النوع مقصود الشارع رفع المفسدة ولأجله جاء الحكم بإطلاق، ولا يلتفت إلى ما في الفعل من مصلحة ولم يتسلط النهي عليها وإننا تسلط على المفضى إليه الذي هو غالب أو كثير
فبان بهذا أن قاعدة الإفضاء متعلقة بنوع من أنواع قاعدة التزاحم وهي: درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة
وكما تلاحظون أنه لا مجال لتعليق الحكم برجحان المصالح أو  برجحان المفاسد؛ لأن القاعدة في تغليب جانب المفاسد، وعدم النظر إلى المصالح
فلا يتأتى بعد ذلك تعليق الحكم على المصالح والمفاسد.
قال الشاطبي في الموافقات (٢/٤٦):( وكذلك المفسدة إذا كانت هي الغالبة بالنظر إلى المصلحة في حكم الاعتياد ف فعها هو المقصود شرعا، ولأجله وقع النهي؛ ليكون رفعها على أتم وجوه الإمكان العادي)
فمثلا: مسألة الخلوة بالأجنبية تعود إلى قاعدة درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة
فيكون الحكم التحريم
ولا يقال: الحكم معلق بالمصالح والمفاسد، فقد تكون الخلوة جائزة وقد تكون محرمة.
وكذا مسألة المظاهرات تعود إلى قاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح
فيكون الحكم: التحريم
ولا يقال الحكم معلق بالمصالح والمفاسد
قد يسأل سائل ما مستند المفاسد فيما لم يأت فيه نص بالتحريم؟
فيقال له: الاستقراء، لما استقرى العلماء واقع الفعل وجدوا أنه يفضي إلى الحرام غالبا أو كثيرا
وما هذا حاله فإنه يدخل تحت قاعدة الإفضاء التي تلتقي مع قاعدة درء المفاسد.

وهذا النوع لا يعلق بالمصالح والمفاسد وإنما يطلق الحكم فيه بالتحريم
ولا يباح على سبيل الاستثناء إلا في صورة الضرورة أو الحاجة
بقيد أن تكون المصلحة التي يراد حفظها حقيقية لا وهمية
ولا يؤدي حفظها إلى مفسدة أكبر
وكلما كانت المفسدة المفضى إليها أعظم كان الاستثناء بالنظر إلى المصلحة المرجوة أضيق.
وكلما كانت المفسدة المفضى إليها تتعلق بإذهاب الضرورات كان الاستثناء في ضروري أقوى.

والخلاصة: الوسائل التي تفضي إلى الحرام غالبا أو كثيرا
يطلق فيها الحكم فيقال: محرمة، ولا يعلق الحكم بما رجح من المصالح والمفاسد
لأنها مندرجة تحت قاعدة درء المفاسد، لا مطلق قاعدة التزاحم
ويدخلها الاستثناء كما يدخل الاستثناء حكم أكل الميتة.

كتبه د. أحمد محمد الصادق النجار


الاثنين، 7 نوفمبر 2022

هل كل ساب يكفر؟ وهل يشترط قصد المعنى الكفري؟


هل يكفر (عينا) من تلفظ بكلمة الكفر (سب الذات العلية) غير قاصد المعنى الكفري الذي تضمنه اللفظ؟
وهل يتوقف الحكم بالتكفير على قصد العيب والإزدراء أصالة؟

أولا: السب إهانة واستخفاف ينافي التعظيم والانقياد، ولذا كان منافيا لأصل الإيمان وهو كفر في نفسه وليس علامة ودليلا على كفر الباطن ولا يشترط فيه الاستحلال
والحكم المطلق للساب أنه كافر مرتد.
قال القاضي عياض:(لا خلاف أن ساب الله من المسلمين كافر حلال الدم) الشفا٢/٢٧٠

ثانيا: تحرير مسألة الساب:
من تلفظ بكلمة الكفر= سب الذات العلية تعالى ربنا وتقدس ...
فله أحوال:
الحال الأولى: من لم يقصد اللفظ ولا المعنى، كمن فرح فرحا شديدا أو غضب غضبا شديدا فأغلق عليه فلم يدر ما يقول..
فهذا لا يكفر؛ لأمور منها:
١-عدم التكليف؛ لغياب العقل، فانتفى العلم والقصد.
٢- حديث الذي قال فيه الرجل (اللهم انت عبدي وانا ربك) أخطأ من شدة الفرح.

وقد اخطأ من أطلق الكفر كطائفة من فقهاء الحنفية والمالكية.

الحال الثانية: من قصد اللفظ دون مدلوله، فتكلم قاصدا اللفظ الذي مدلوله في وضع اللغة يتضمن التنقص والازدراء، لكن لم يكن يعلم مدلوله المتضمن لمعنى التنقص للذات العلية، فهو قد فرغ اللفظ عن مدلوله ومعناه
سواء استعمل اللفظ في مدلول آخر ليس فيه ما يتضمن تنقصا، أو كان لا يعرف مدلوله
فهذا لا يكفر؛ لأن العبرة بالحقائق والمعاني لا بالالفاظ والمباني
قال تعالى:[لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم]
فلم يرتب المؤاخدة على اللفظ المفرغ عن مدلوله، وإنما رتب المؤاخدة على ما قُصد بالقلب من مدلول للفظ.

ويدخل في هذا الباب: اللفظ المقصود الذي جرى العرف على تفريغه من مدلوله، كما في توجيه بعض العلماء لرواية "أفلح وأبيه إن صدق"
قال ابن حجر في الفتح ١١/٥٣٤: (فيُجاب بأجوبة: الأول: أن هذا اللفظ كان يجري على ألسنتهم من غير أن يقصدوا به القَسَم، والنهي إنما ورد في حق من قصد حقيقة الحَلِف، وإلى هذا جنح البيهقي، وقال النووي إنه الجواب المرضي).
ومنه أيضا عدم ترتيب حكم الكفر على من قال واللات والعزى؛ لعدم قصده المدلول.
ونظير ذلك الألفاظ التي فرغها العرب عن معانيها الموضوعة لها فكانوا يستعملونها قاصدين لألفاظها دون معانيها ك ثكلتك أمك-ترتبت يداك-قاتله الله- لا أم له إلى غير ذلك.

فإن قيل: إذا كان اللفظ صريحا في مدلوله لا يحتمل إلا تضمن معنى التنقص فلا  يحمل إلا على الظاهر.
قيل: اللفظ الصريح في مدلوله من حيث الوضع اللغوي لا يلزم منه استعماله في مدلوله من كل متكلم به، فقد يخرجه المتكلم عن وضعه في الاستعمال، فيستعمله في مدلول لا يتضمن معنى التنقص فلا يؤاخذ به.
ونظير هذا من وجه: كلام الأئمة في استعمال لفظ الطلاق على الحل من وثاق فلا يترتب عليه إيقاع الطلاق
قال الإمام الشافعي رحمه الله: “فإن قال أنت طالق أو قد طلقتكِ أو فارقتك أو سرحتك لزمه، ولم يُنَوَّ في الحكم، ويُنَوَّى فيما بينه وبين الله تعالى، لأنه قد يريد طلاقا من وثاق، كما لو قال لعبده أنت حر، يريد حر النفس”. [مختصر المزني: ص 192].
قال أبو إسحاق الشيرازي:”وإن قال أنت طالق وقال أردت طلاقاً من وثاق لم يُقبل في الحكم، لأنه يدَّعي خلاف ما يقتضيه اللفظ في العرف، ويُدَيَّن فيما بينه وبين الله تعالى، لأنه يحتمِل ما يدعيه، فإن علمت المرأة صدقه فيما دُيِّن فيه الزوج جاز لها أن تقيم معه”. [المهذب: 17 / 96].
وقال ابن عبد البر: “ولو قال أنت طالق وقال أردت من وثاق لم يُقبل قوله ولزمه الطلاق، إلا أن يكون هنالك ما يدل على صدقه”. [الكافي: 1 / 474]
فاللفظ وإن كان صريحا إلا أنه قد يستعمل في غير مدلوله،  فلا يترتب عليه الحكم
وهنا قد فرق بعض العلماء بين القضاء والتدين.

ودونك تنبيه مهم وهو: لا يتوقف الحكم بالتكفير على قصد العيب والإزدراء أصالة، فقد يقصد اللفظ ومدلوله الذي يتضمن التنقص والازدراء من غير قصد التنقص وإنما يقصد شيئا آخر ، كمن يطلب منه أن يتلفظ بلفظ كفري متضمن معنى تنقص الذات العلية ويعطى على ذلك المال فيكون قاصدا المال غير قاصد معنى التنقص والإزدراء وإن كان قاصدا اللفظ ومدلوله الذي يتضمن التنقص.
فاللفظ له مدلول وله معنى يفهم من هذا المدلول متضمنا فيه.
والتكفير منوط بقصد المدلول لا بقصد المعنى المتضمن فيه، فبمجرد قصده المدلول يكفر وإن لم يقصد المعنى المتضمن فيه إلا لمانع شرعي كالإكراه، ولذا كان الهازل كافرا
قال ابن تيمية في الصارم المسلول ٣/٩٨٣ في كفر من تنقص النبي صلى الله عليه وسلم:(...ولا فرق في ذلك بين أن يقصد عيبه والإزدراء به أو لا يقصد عيبه لكن المقصود شيء آخر حصل السب تبعا له او لا يقصد شيئا من ذلك بل يهزل ويمزح او يفعل غير ذلك)
فالصور الذي يقع معها التكفير ثلاث:
١-يقصد العيب والازدراء أصالة.
٢-لا يقصد العيب والازدراء لكن قصد شيئا آخر حصل معه العيب والازدراء تبعا.
٣- لا يقصد العيب والازدراء أصالة ولا حصل التنقص تبعا مع قصده مدلول اللفظ الذي يتضمن التنقص، كما لو وقع على سبيل الهزل.
فالهازل قد يقصد التنقص وقد لا يقصده.

الحال الثالثة: من قصد مدلول اللفظ وما يفهم منه من غير قصد الكفر والخروج من الدين، فلم يفرغ اللفظ عن مدلوله وقصد ما تضمنه المدلول من تنقص، فهذا يكفر ظاهرا وباطنا، وإن لم يقصد الكفر نفسه أو الخروج من الدين
ومن صوره الهازل الذي يقصد مدلول اللفظ ومعنى التنقص إلا أنه قد لا يقصد الخروج من الدين.

الحال الرابعة: من قصد اللفظ وقصد معناه الكفري وقصد الخروج من الدين فهذا يكفر ظاهرا وباطنا.

الحال الخامسة: من قصد الازدراء والسب بغير الألفاظ أو بلفظ لم يوضع في اللغة على السب  لكن استعمله على التنقص والإزدراء.
فهذا يكفر ظاهرا وباطنا.

كتبه د. أحمد محمد الصادق النجار 

الخميس، 3 نوفمبر 2022

حكم الأذانين لصلاة الجمعة

حكم #الأذانين_لصلاة_الجمعة


إن أول من سن الأذان الأول لصلاة الجمعة هو عثمان رضي الله عنه, فقد أخرج البخاري في صحيحه (2/ 8) عن السائب بن يزيد، قال: «كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر رضي الله عنهما، فلما كان عثمان رضي الله عنه، وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء» قال أبو عبد الله: " الزوراء: موضع بالسوق بالمدينة "

وقد صرح بكونه محدثا: الحسن البصري ففي مصنف ابن أبي شيبة (1/ 470) عن الحسن، أنه قال: «النداء الأول يوم الجمعة الذي يكون عند خروج الإمام، والذي قبل ذلك محدث»

وروي ذلك عن ابن عمر في مصنف ابن أبي شيبة (1/ 470) وكذلك عن نافع.

وقد ذهب جماعة من العلماء إلى أنه لا يؤذن للجمعة إلا أذان واحد وهو حين يصعد الإمام على المنبر , كالثوري والشافعي وإسحاق والقاضي أبو يعلى [انظر: فتح الباري لابن رجب (8/ 220)]

قال الشافعي في الأم (1/ 224): ( وأيهما كان فالأمر الذي على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحب إلي)

واختلف القول عن مالك [انظر: الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار 463 (5/ 58)]


وقد رُد كونه بدعة بأنه لم يخالف عثمان كبار الصحابة,؛ فكان إجماعا سكوتيا, قال ابن المنذر في الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف (4/ 56): (فلم يكره أحد منهم علمناه، ثم مضت الأمة عليه إلى زماننا هذا).

وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (24/ 193): ( ويتوجه أن يقال هذا الأذان لما سنه عثمان واتفق المسلمون عليه صار أذانا شرعيا)

وقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (2/ 129): (ومن ذلك: أذان الجمعة الأول، زاده عثمان لحاجة الناس إليه، وأقره علي، واستمر عمل المسلمين عليه، وروي عن ابن عمر أنه قال: هو بدعة، ولعله أراد ما أراد أبوه في قيام رمضان).


وله أصل شرعي يشهد له, وهو: الأذان الأول لصلاة الفجر الذي روعي فيه تنبيه الناس وتهيأتهم.


وأما المعنى الذي لأجله أحدث عثمان النداء, ففي مصنف عبد الرزاق (3/ 206) عن ابن المسيب قال: (وأراد أن يتهيأ الناس للجمعة)

وعن الزهري، قال: «كان الأذان عند خروج الإمام، فأحدث أمير المؤمنين عثمان، التأذينة الثالثة على الزوراء ليجتمع الناس» مصنف ابن أبي شيبة (1/ 470)

والتأذينة الثالثة صارت هي الأولى.


وهذا المعنى قد اعتبره الشارع وأجرى عليه أحكاما, فهو وصف ملائم؛ فيكون أذان عثمان -الذي هو الأذان الأول- من المصالح المرسلة, وليست ألفاظ الأذان مقصودة فيه, وإنما المقصود هو التنبيه والإعلام, فهو من جنس المصالح المرسلة, التي لم يعارضها دليل خاص بالمنع, وهو وسيلة لتحقيق مقصد شرعي, ولم يكن داعيه موجودا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم, فسبب إحداث عثمان للنداء كثرة الناس وانشغالهم, فأراد أن ينبههم لقرب الصلاة؛ حتى يستعدوا لها.


لكن يبقى هل هو سنة مطلقا أو سنة عند وجود المقتضي؟

فمن العلماء من رأى أنه سنة مطلقا.

ومنهم من جعله سنة بقيد وجود داعيه, 

وهذا هو الأقرب فيكون عند عدم وجود الداعي غير مشروع, ولذا لم يُلزم به عثمان بقية الأمصار, ففي مصنف عبد الرزاق الصنعاني (3/ 206) عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار قال: «رأيت ابن الزبير لا يؤذن له حتى يجلس على المنبر، ولا يؤذن له إلا أذانا واحدا يوم الجمعة»

واستمر الحال في مكة حتى قال عطاء في مصنف عبد الرزاق الصنعاني (3/ 205): (وأول من أحدثه الحجاج بن يوسف)

وقال عمر بن دينار في مصنف عبد الرزاق الصنعاني (3/ 206): «وأما أول من زاده ببلادنا فالحجاج»

فالخلاصة: أنه إذا احتيج إليه؛ لإعلام الناس بقرب الوقت؛ حتى يستعدوا للصلاة يكون سنة, وأما عند عدم الحاجة فأحب إلينا ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر.


وما يفعله بعض الناس من كون الأذان الأول يكون بعد دخول الوقت, وقبل الأذان الثاني بدقائق, ليس هو أذان عثمان الذي كان في السوق وقبل دخول الوقت, ولا يحقق المصلحة التي راعاها رضي الله عنه، فلا يكون من جنس المصلحة المرسلة.


وأنبه في ختام هذه المسألة إلى أنها من مسائل الاجتهاد, فكلا القولين سائغ, ويجب ألا تحصل بسببها فتنة في المساجد, ومما يرفع الخلاف فيها: حكم الحاكم.

وعلى الدعاة أن يتلطفوا مع الناس ويبنوا لهم ما يرونه مشروعا بالحكمة، ويتدرجون معهم في ذلك.


كتبه

د. أحمد محمد الصادق النجار

أستاذ مساعد بقسم أصول الدين

كليّـة علوم الشّريعة / جامعة المرقب – الخمس

والمدرس المتعاون مع الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة (سابقا)

والمتعاون مع الجامعة الإسلامية بمنيسوتا أمريكا (سابقا)


http://abuasmaa12.blogspot.com/2022/11/blog-post_92.html

حكم التصوير الفوتغرافي بالنظر إلى حقيقته

 حكم #التصوير_الفوتغرافي

http://bit.ly/1DT3es4


السلام عليكم شيخ أحمد حفظك الله

ما الراجح في التصوير الفوتغرافي؟

وعليكم السلام ورحمة الله

التصور الفوتغرافي من المسائل المستجدة, والصور الحادثة.

ولكي يُعرف حكمه فلابد من تصوره أولا تصورا صحيحا من أهل التخصص.

وأهل التخصص يقولون عن التصوير هو: تسليط ضوء على ما يراد تصويره, فتنعكس أشعة صورة الشيء, فتحفظها العدسة, ويعرف أيضا بالتصوير الضوئي.

إفالصورة, هي: انعكاس الضوء فتحفظه العدسة.

إذا كان هذه هي حقيقة الصورة والتصوير الفوتغرافي, فحكمه منه ما قد اتُّفق عليه, ومنه ما قد اختُلف فيه.

أما المتفق عليه؛ فهو:

1-جواز الصورة عند الضرورة والحاجة, كالصورة للجواز, ونحو ذلك.

2-تصوير المحرم محرم, فما كان وسيلة لمحرم فهو محرم,كالتصوير للتعظيم, أو تصوير الأجنبية, ونحو ذلك.

3-جواز تصوير ما لا روح فيه, كالشجر, على خلاف يسير فيه.

وأما المختلف فيه؛ فهو: عدا ما تقدم, أو بعبارة أخرى: التصوير من حيث هو, من غير نظر للمتعلَّق.

وقد اختلف فيه العلماء المعاصرون على قولين:

القول الأول: محرم.

واحتجوا: عن ابن عباس رضي الله عنه قال: سمعت محمدا صلى الله عليه وسلم يقول: «من صور صورة في الدنيا كلف يوم القيامة أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ» 

قالوا: الصورة الفوتغرافية تدخل في قوله صورة, كما أن المصور بالصورة الفوتغرافية يدخل في عموم قوله:"من صور".

وترتب العذاب على الصورة يدل على حرمتها, وأنها من كبائر الذنوب.

وعن عائشة رضي الله عنها: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفر، وقد سترت بقرام لي على سهوة لي فيها تماثيل، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم هتكه وقال: «أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله» قالت: فجعلناه وسادة أو وسادتين اخرجه البخاري

قالوا: والعلة التي من أجلها حرم التصوير, وهي المضاهاة موجودة في التصوير الفوتغرافي.

وغيره من الأدلة الدالة على تحريم التصوير.

القول الثاني: جائز.

واحتجوا:

- أن التصوير المحرم شرعا, هو ما كان من صنع الإنسان, والتصوير الفوتغرافي ليس من صنع الإنسان, وإنما هو حبس ظل فقط.

-قياسا على المرآة؛ بجامع الانعكاس.

-علة المضاهاة ليست موجودة في التصوير الفوتغرافي.

والراجح: أن التصوير الفوتغرافي جائز؛ لأنه لا يدخل في أحاديث النهي من جهتين:

الأولى من جهة حقيقته: فالتصوير الذي جاءت به النصوص حقيقته: صنع مثل ما خلق الله, بخلاف التصوير الفوتغرافي فحقيقته: نقل لخلق الله.

فالصورة الفوتغرافية مسمى عرفي, لا شرعي, ولا يجوز حمل المصطلح الشرعي على العرفي الحادث.

وقد جاءت النصوص بلفظ:"المصورون"و " من صور" وجاء في لفظ عند البخاري :" يصنعون هذه الصور"

وهذه الألفاظ تدل على فعل الإنسان وصنعه في تخليق الصورة التي تضاهي خلق الله, 

وهذا لا يوجد في الصورة الفوتغرافية, لأن غاية عمله راجع لإظهار ما نقله من خلق الله, وليس فيه صنعة لمضاهاة خلق الله.

وما يسمى صورة هو في الحقيقة نقل لخلق الله, وينسب الخلق إلى الله.

وقد قرب هذا المعنى الشيخ العثيمين بقوله: (( ويدل لهذا إن الإنسان لو كتب كتابا بيده ثم وضعه في آلة التصوير وخرج من الآلة فإن الناس لا ينسبون هذا المرسوم إلى الذي صور بالآلة وإنما ينسبونه إلى الكاتب الأول ))

ويتضح ذلك بالجهة الثانية.

الثاني من جهة العلة: فعِلَّة التصوير الذي جاءت بها النصوص, هي: المضاهاة, وهي علة منصوصة, ولا توجد هذه العلة في التصوير الفوتغرافي؛ لأنه نفس خلق الله سبحانه , وليس هو بصنعة ؛ حتى يشبه ما يصنعه بما يصنعه الله.

وقد جاء في البخاري بلفظ:" ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي" والتصوير الفوتغرافي ليس فيه هذه العلة.

وأما من علل بكون الصورة وسيلة للشرك

فجوابه انه ليس جنس الصورة وسيلة للشرك وانما بعض انواعه

ومما يدل على ان جنس الصورة ليس وسيلة للشرك: ان النبي صلى الله عليه وسلك اجاز الصورة التي في الوسادة

وقال: ( الا رقما في ثوب)

فدل ذلك على ان الصورة التي تكون وسيلة للشرك ما كان فيها تعطيم، وهذا محرم بالاجماع.

وإذا كان التصوير الفوتغرافي لا يدخل فيما ورد النهي عنه لا من جهة الحقيقة, ولا من جهة العلة فإنه يكون جائزا, ويدخل تحت القاعدة: الأصل في الأشياء الإباحة.

وليس هناك دليل ينقل عن هذا الأصل.

تنبيه: هذه المسألة من المسائل الاجتهادية, وليست هي من المسائل التي لا يسوغ فيها الخلاف, فينبغي التنبه لذلك.

كتبه

أحمد محمد الصادق النجار

حكم #التسويق_الشبكي و #اليونيسيتي

 حكم #التسويق_الشبكي و #اليونيسيتي

اختلف في حكم التسويق الشبكي: الفقهاء المعاصرون...

والصورة التي أسلط عليها الضوء باختصار: أن يشتري الزبون بضاعة حقيقية موجودة حلالا-والشراء: شرط- ثم يأتي هذا الزبون الذي هو المستهلك بزبون آخر ليشتري سلعة, فإذا اشترى كان للزبون الأول عمولة مباشرة – وهي فوائد التسويق-, وإذا أتى الزبون الثاني بعد شرائه بزبائن كانت له عمولة مباشرة وللأول عمولة غير مباشرة, وهكذا ...

وهنا يرد سؤال مهم يترتب عليه تكييف المسألة ثم بيان حكمها, وهو: هل البضاعة مقصودة أو أن المقصود هو زيادة المسوقين والعمولة؟

فهنا احتمالان: 

-أن تكون البضاعة مقصودة. 

-ألا تكون مقصودة.

فإن كانت البضاعة هي المقصودة فسيكون الإتيان بالزبون ليس أمرا مقصودا عند شراء السلعة, ولن تكون هناك مبالغة في ثمن السلعة, ولا يقوم التسويق على الاقناع على العمولة.

فيكون المقصود على هذا: ترويج السلعة والخدمات, ويجب عدم اشتراط الشراء على الزبون, ويكون الربح مقابل الجهد والعمل, وأن يأخذ من الربح بقدر الجهد الذي بذله.

وعليه, فيكيف التسويق على أنه جعالة, ويكون الحكم هو الجواز.

وأما إن كانت البضاعة ليست مقصودة, وإنما المقصود العمولة فتكون البضاعة وسيلة, ولذا لا يلتفت إلى غلاء السلعة وجودتها, ولا ينظر إلى حاجة الزبون لشرائها, فتكون حقيقة التسويق: وضع مال وأَخْذ فائدة عليه مع التأخير, وهو الربا. 

كذلك نجد أن فيها مخاطرة؛ مما يجعل المسألة ميسرا؛ لكونه وضع مالا وخاطر به لحصول ربح وقد يخسره كله.

وفيها أيضا غرر؛ لجهالة الربح زمنا وقدرا. 

وفيها أيضا إغراء الناس بضخامة الفوائد والربح.

وتندرج تحت أكل أموال الناس بالباطل.

فمن أعظم إشكالية التسويق الشبكي هو: أن المستفيد ملزم بشراء البضاعة المبالغ في ثمنها؛ مما جعلها صورية, , وقد يكون ملزما بدفع مبلغ اشتراك.

وعليه فحكمها: التحريم؛ لكون البضاعة فيه غير مقصودة, ولا يصح تكييفها على أنها سمسرة جائزة ؛ وذلك أنه ليس في السمسرة الإلزام بشراء السلعة, ولا مقصودها ترويج العمولة والفائدة, وإنما المقصود في السمسرة ترويج السلعة, وباختلاف المقصودين تختلف الحقائق.

ثم اعلم أن وجود السلعة لا يمنع من الحكم بالربا والغرر والقمار؛ لأن وجودها صوري غير مقصود, كما تقدم.

ولا يصح تكييفها على أنها جعالة؛ لكون الجعالة تقوم على الجهد, وأما التسويق الشبكي فيقوم على المال المدفوع في صورة شراء سلعة, ولذا عندما يخسر يخسر هذا المال لا مجرد الجهد كما في الجعالة.

وأما كون بعض المستفيدين قد يكون مقصوده السلعة, فهذا نادر وقليل والقليل مع الغالب لا حكم له.

وحكم اليونسيتي حكم التسويق الشبكي المحرم؛ لأنها تقوم على شرط الشراء, وعدم قصد السلعة, وللمحاذير الأخرى التي تقدمت.

كتبه: د. أحمد محمد الصادق النجار

الأربعاء، 2 نوفمبر 2022

حكم نشر المرأة صورتها المحجبة على مواقع التواصل الاجتماعي

 [تأصيل مسألة عدم جواز نشر المرأة صورتها على مواقع التواصل الاجتماعي

ولو كان محجبة لا يرى منها إلا وجهها من غير زينة] 


(وليس المنطلق تحريم الصورة الفوتغرافية، فإني أرى جوازها

وليس المنطلق كون وجه المرأة عورة أو لا) 


إن الناظر إلى شريعة الله سبحانه يجد أن الله اعتنى بحفظ الضرورات الخمس غاية الاعتناء، فيمنع كل ما يؤدي إلى انتهاكها

بل يمنع مقدمات الوسائل التي تفضي إلى انتهاك الضرورات

ومن الضرورات الخمس: حفظ النسل، ولحفظه منع من الزنا ومن مقدماته ووسائله ومقدمات وسائله؛ فحرم الخلوة بالأجنبية ومصافحتها، ومنع المراة من أن تسافر بدون محرم، ومنع التبرج والسفور، ومنع استعمال التلفاز لمن لا يستعمله غالبا او كثيرا إلا فيما حرم الله. 


وإذا أردنا تكييف نشر المرأة صورة وجهها وهي محجبة فضلا عن غير المحجبة والتي تظهر فيها زينتها لكيفناها بأنها وسيلة تفضي إلى إيقاع الرجل في محرم وهو النظر إليها بشهوة الذي هو بريد الزنا

فهي وسيلة لفتنة الرجل..

ولا فرق في ذلك بين أن تضع صورتها أو صورة غيرها من النساء

فتكون محرمة؛ لرجحان المفسدة.

وهي أيضا وسيلة للوقوع في الزنا .

ولا وجه لإلغاء المفسدة في نشر المرأة صورتها؛ لأنه لا مصلحة راجحة تعارضها.

وإذا اجتمع الحل والحرمة غلب جانب الحرمة.

فعندما تضع المرأة صورتها سيطمع فيها الرجال ويزينها الشيطان لهم، وربما استدرجها بعض الرجال عن طريق الماسنجر ونحوه فتقع في الزنا الحقيقي أو تقع فيما يسميه بعض الباحثين بالزنا الالكتروني الذي لا يترتب عليه الحد

وضابط الزنا الالكتروني: إشباع الشهوة بين الجنسين عن بُعد بواسطة النت ونحوه، أو من جنس واحد بمشاهدة ما حرم الله.

وإذا كن بعض النساء وقعن من غير أن تنشر إحداهن صورتها على صفحتها فكيف بمن تنشر صورتها؟!

وليس المقام مقام ثقة المرأة بنفسها ودينها؛ لأن الشيطان يزين لها ويكيد لها؛ حتى يوقعها. 


وقد تبتلى المرأة بالسحر، أو من يركب على صورة وجهها امرأة عارية. 


والخلاصة: أنه يحرم على المرأة نشر صورتها أو صورة غيرها ولو كانت محجبة؛ درءا للمفاسد الراجحة

وأما إذا وضعت زينة على وجهها فالتحريم من باب أولى. 


كتبه د.  أحمد محمد الصادق النجار