الأحد، 30 أكتوبر 2022

طلاق الغضبان

 

هل يقع طلاق الغضبان؟

عند الكلام عن هذه المسألة لابد من بيان أن الغضب قد ورد في النصوص الشرعية ما يدل على أنه سبب للمنع, كما في قول التبي صلى الله عليه وسلم: (لا يقضي القاضي وهو غضبان) فهو سبب يمنع القاضي من القضاء

إلا أن الغضب إنما كان سببا للمنع لمعنى مناسب, والمعنى الذي من أجل جُعل الغضب سببا للمنع: التشويش وانشغال القلب وتغير الطبع مما يمنع من استيفاء الفكر ويوجب اضطراب الرأي, وهو الذي يدور معه الحكم وجودا وعدما, فمطلق الغضب ليس سببا مانعا بالإجماع.

وهذا المعنى يجعلنا نلغي تخصيص المنع بالغضب ونعممه على كل ما تحقق فيه المعنى الذي تضمنه الغضب, فالغضب ليس علة لذاته وإنما للمعنى الذي تضمنه. 

ولعموم هذا التعليل الذي استخرجناه بمسلك تنقيح المناط شمل الجوع الشديد والفرح الشديد والألم والهم المزعج والخوف المقلق, وكل ما أشغل القلب ومنع من استيفاء الفكر.

فإذا تحقق لنا أن الغضب ليس مقصودا لذاته وإنما للمعنى الذي تضمنه لم يكن الغضب اليسير سببا مانعا؛ لأنه لم يتحقق فيه المعنى المقصود وهو إشغال القلب عن استيفاء الفكر, فليس مطلق الغضب علة، وإنما الغضب المانع من استيفاء النظر, ولذا كان الغضب اليسير لا ينتفي معه العلم والقصد., فهو يعلم ما يصدر منه ويقصده ويريده.

وذهب الشاطبي في الموافقات (1/ 134) إلى أن إخراج مطلق الغضب عن أن يكون سببا للمنع إنما كان بمقتضى لفظ الحديث لا معناه؛ لأن غضبان وزنه فعلان، وفعلان في أسماء الفاعلين يقتضي الامتلاء مما اشتق منه؛ فغضبان إنما يستعمل في الممتلئ غضبا.

وعلى كل حال فالمعنى المراعى في الغضب والذي من أجله كان سببا مانعا من الحكم هو التشويش وانشغال القلب وتغير الطبع مما يمنع من استيفاء الفكر ويوجب اضطراب الرأي.

أضف إلى ما تقدم أن الحكم يكون على قصد المتكلم، والألفاظ لم تقصد لنفسها وإنما هي مقصودة للمعاني, ولذا كانت الأحكام متوجهة على العاقل العالم العامد المختار الذاكر, فغيرهم لا يكون قاصدا ولا نية له.

 

 

إذا تقرر هذا فعندنا حالان في الطلاق يتحقق فيهما المعنى الذي من أجه جُعل الغضب سببا للمنع:

1-حال يكون الغضب فيها شديدا يذهب معه التمييز , فيصبح الإنسان معه كالمجنون لا يعي ما يقول ولا يقصده, فانتفى معه العلم والقصد, وهذا قد حكي الاتفاق على أنه لا يقع معه الطلاق, وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم «لا طلاق ولا عتاق في إغلاق» أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه

2-حال لا يزول مع الغضب التمييز, وإنما يكون الحامل على التلفظ بلفظ الطلاق هو الغضب, فليجؤه الغضب إليه, فيحصل مع الغضب تشويش وانشغال للقلب يمنعه من استيفاء الفكر.

فالإرادة التي توجد مع الغضب كلا إرادة, أو كإرادة المكره, فهذا الغضب لا يقع معه الطلاق على الأقرب من قولي العلماء, وكونه مكلفا لا يمنع من عدم نفاذ قوله؛ لمانع.

وهو مقتضى قول الشافعي حيث فسر الإغلاق بالغضب, واختاره ابن تيمية وابن القيم وابن عابدين.

وهو الموافق لمقصد التيسير, والموافق للأصل وهو ديمومة الحياة الزوجية, وما ذكر معارضا لا يقوى لرفع الأصل.

وضابط هذه الحال: أن يحمله الغضب على التلفظ بما لم يكن مختارا له قبل الغضب ولا مريدا له لا على وجه العقوبة.

ونقصد بالطلاق على وجه العقوبة ما لو غضب عليها؛ لأنها فعلت أمرا يغضبه فطلقها عقابا لها على ذلك, وهو غالب ما يقع من الناس, فهنا يقع الطلاق؛ لأن الغضب ليس هو الحامل على التلفظ بالطلاق وإنما الحامل هو العقوبة.

وما ذكره بعض المالكية من أن الطلاق أكثر ما يقع في الغضب فجوابه التفريق بين أن يقع الطلاق وهو الحامل عليه الغضب ويكره ما تلفظ به فيكون في حكم المكره, وهذا الذي لا يقع طلاقه, وبين أن يكون الغضب على سبب إذا ما وقع يريد طلاقها فهو مريد للطلاق لو قدر أنه لم يغضب.

وقد فصل في هذه الحال ابن القيم في رسالته: "إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان" وبين أنه مقتضى المنقول والمعقول والنظر إلى كليات الشريعة.

 

كتبه د. أحمد محمد الصادق النجار

السبت، 29 أكتوبر 2022

هل الجماعا الحركية تموت؟

 

هل #الجماعات_الحركية تموت؟

عندما تفقد جماعة أو حركة سمعتها وتشوه عند الناس أو لا تجد حاضنة لها فإنها لا تموت بالكلية, وإنما تحاول أن تجد مظلة لها تأخذ اسمها وتشتغل تحت رايتها مع العمل الدؤوب على تغلغل أفكارها في الجسم الجديد !!
فتجد قادة الجماعة أو التيار إذا سنحت لهم الفرصة يضحون بقيادتهم؛ رجاء إحياء أفكار الجماعة وديمومتها, فهم وإن كانوا أتباعا في الكيان الجديد إلا أنهم هو المؤثرون الحقيقيون وفق تنظيم دقيق ومكر فائق...
ومن أساليب بعض الجماعات الماكرة:
1-دعوة الناس إلى الالتفاف على شخصية أو كيان يعظمونهما وبربطون الناس بهما؛ ليبثوا أفكارهم عن طريقهما, فلا يسمع المعظمون إلا منهم ولا يتصور الواقع إلا عن طريقهم.
2-لا يعادون من الحركات والجماعات والتيارات إلا ما عارض مصالحهم, فكل جماعة هي محل احترام وتقدير إلا إذا خالفت أفكارهم ومشروعهم, فعندئذ تنهال عليها التهم, وتقابل بالسب والطعن والتشويه.
3-تشويه كل من يتعارض مع مصالحهم, ومحاولة صد الأتباع عن الاستماع له, أو حتى محاولة تفهم حقيقة ما يراه.
4-اشتراكهم مع غيرهم من الحركات التحريضية على وصف من لم يقبل غلوهم بالإرجاء وتضييع قضايا الأمة.
5-ذكر رموزهم في برامجهم وتبجيلهم وإظهارهم للناس على أنهم المجاهدون حقا والمصلحون صدقا؛ ليقتدي بهم الجيل الجديد ويتأثر بأفكارهم.
6-الحرص على إبقاء المظلة التي يشتغلون تحتها ويتسترون بها قوية لا تشوبها شائبة, فتراهم يدافعون عن مظلتهم بكل ما يستطيعون؛ لأن بسقوطها سقوطهم.

وحتى يصرفوا الأنظار عنهم يمكنون لغيرهم من دعوتهم التي لا تتعارض مع مصالحهم,ويفتحون لهم الأبواب, فيُسكتوا بذلك أفواها, ويحسب المغفلون أن دعوتهم قائمة ممكنة.
7-الرؤية الصدامية للأنظمة عندهم ليست مطردة فقد تخف وتضعف إذا حققت بعض الأنظمة شيئا مما يريدون, فهنا قد يقبلونها من باب أخف الضررين.
8-القضية المحورية التي يدندنون حولها ويصرفون أنظار الناس إليها مسألة السياسة والحاكمية والبراءة من الكفار ومن يوالونهم -بحسب منظورهم-.

والكلام يطول ...

كتبه د. أحمد محمد الصادق النجار

الجمعة، 28 أكتوبر 2022

فقه الأولويات في إصلاح الأمة؟ وهل الحركات والتيارات والأحزاب طريق لإصلاحها؟

 فقه الأولويات في إصلاح الأمة

هل الإصلاح الديني الداخلي مقدم على العمل السياسي، أو أن العمل السياسي والانشغال باختيار الحاكم والنظر في سياسته وما يحيكه الغرب والدخول في صدام معه مقدم على الإصلاح الديني؟

بمعنى هل أزمة الأمة تبدأ من الإنحراف العقدي ووقوعها في البدع والمعاصى مما كان سببا في تسلط الأعداء وتمكن الفساق
أو أن ازمة الأمة تبدأ بحكامها وتصرفاتهم والنظر في غزو الكفار الفكري ومصادمة الأنظمة عن طريق تيارات وحركات وأحزاب؟

وإجابة هذا السؤال ترجع إلى المنطلقات التي ينطلق منها المجيب والمرجعية الفكرية له، وعلى ضوء ذلكم اختلف من انشغل بملف الإصلاح في الإجابة على هذا السؤال
فمن شخص داء الأمة في الانحراف العقدي ووقوع البدع وانطلق من كونها تصادم مقاصد أصلية جعل الانشغال بإصلاحها هو أعظم الأولويات وسبيل عز الأمة الوحيد ...
ومن شخّص الداء في الحكام والغرب وانطلق من كونها مقاصد أصلية انشغل بالعمل السياسي والحكم وجعل همه قضايا الأمة ومصادمة الأنظمة مع إغفال الإنحراف العقدي والكلام عن الطوائف والبدع لكونه تبعيا لا أصليا

فهذان طريقان للتشخيص والعلاج لا طريق آخر غيرهما
وبالضرورة إذا بطل أحدهما تعين الآخر..

وإذا نظرنا إلى الشرع وجدنا أنه جعل المقصد الأعظم الذي يجب أن يقوم عليه الإصلاح: تحقيق عبودية الله سبحانه
وجعل القاعدة التي ينطلق منها الرسل الأفراد والشعوب
ومنع كل ما كانت مفسدته الراجحة تمس الدين أو الأنفس أو الاموال أو الأعراض
واعتنى بحفظ الدين والأنفس أكثر من اعتنائه ببقية الضرورات
وجعل ما يذهب الأنفس أعظم مما يذهب نوعا من الدين وهو الذي يكون أقل رتبة من حفظ النفس...

وإذا نظرنا لمن سلك في سبيل الإصلاح مسلك مصادمة الأنظمة وجعل من وسيلة ذلك إنشاء تيارات وحركات وأحزاب وجعل أولوياته مصارعة الحكام والدخول معهم وتحت مظلتهم في العمل السياسي أو من سلك مسلك مصادمتهم بالتكفير والخروج والدعوة إلى المظاهرات المناهضة
وجدنا أنه لم يتحقق به الإصلاح؛ بل انقلب إلى ضده وهو الإفساد
إما بالذوبان مع هذه الأنظمة والانخراط في دهاليزها حتى جعلت الحرية مقدمة على تطبيق الشريعة، واضطروا للسكوت عن كثير من فساد الأنظمة، وعطلوا كثيرا من تنظيرهم الإصلاحي بحكم الواقع وسطوة الأنظمة، وحتى انحيازهم لقضايا الأمة أصبح من منظور مصلحي خاص بالتيار او الحركة او الحزب...
وإما بإشعال نار الحروب في بلدان المسلمين حتى أذهبت الضرورات الخمس فانتهكت الأنفس واعتدي على الأعراض وذهبت الأموال وعطل شيء من الدين وتمكن الكفار من بلدان المسلمين وتدخلوا في شؤونها الداخلية وشيطنوا الإسلاميين
وحتى انحيازه هؤلاء لقضايا الأمة تجده من منظور تحريضي فوضوي عاطفي لا يخدم القضية بل يزيدها تعقيدا.

فهذا الاتجاه لا يمكن أن يكون طريقا شرعيا؛ للإصلاح، وإذا بطل هذا الاتجاه من أن يكون طريقا للإصلاح تعين الطريق الآخر الذي تكون الأولوية فيه لإصلاح عقائد الأمة وسلوكها والرجوع بها إلى ما كان عليه الصحابة وأتباعهم بالحكمة والموعظة الحسنة
مع الالتفات بقدر ما يحقق المصلحة ويدفع المفسدة لقضايا الأمة وإصلاح الأنظمة
فيكون المقصد الأصلي إصلاح الناس والمقصد التبعي إصلاح الأنظمة ونحوها
مع عدم إغفال الغزو الفكري على أن تقوم به طائفة متأهلة ترفع عن الامة فرض الكفاية، ولا يفتح الباب لكل متصدر؛ خشية الوقوع في الفتنة.

ولا يعني هذا عدم الاشتغال بالعمل السياسي، أو إخراجه مطلقا عن طريق الإصلاح، ولا نقد المشروع لكونه سياسيا، وإنما المقصود ألا يجعل أولوية ومقصدا أصليا للإصلاح ويكون مدار الولاء والبراء؛ لأمرين:
الأول: لم يكن سبيل الأنبياء في إصلاحهم، والشواهد على ذلك أكثر من أن تحصى.
الثاني: ما أثبته الواقع من تباين المشاريع واختلافها وعداوة بعضها لبعض، وما أثبته أيضا من فشلها وعدم قدرتها على الإصلاح، بل جرت الويلات على المسلمين، وما أثبته ثالثا من بُعد مشاريع الحركات والتيارات تدريجيا عن أصول الإسلام وكليات الشريعة.

وأخيرا: إذا عُلم هذا واتضح تبين لنا أن الاشتغال بقضايا الأمة يختلف باختلاف المنطلق والمرجعية الفكرية
فمن اشتغل من منطلق الإصلاح الداخلي كان اشتغاله بذلك من الاشتغال بقضايا الأمة، فهو لم يضيع قضاياها بذلك.

وأغرب ما في الباب من يتذبذب في الاهتمام بقضايا الامة بين المنطلقين، فتراه يسير في آليته العملية في الكلام عن قضايا الأمة بخلاف مرجعيته الفكرية أو العكس
فلا هو حافظ على منطلقاته ولا هو عالج الأمر معالجة صحيحة.
ومثاله: من يعالج ملفا بالتحريض والتهييج والخطاب العاطفي مع أن منطلقه يدعو إلى عدم المصادمة.
وكذا من يعالج ملفا بالعلم والنظر إلى المآلات ودفع المفاسد الكبرى باحتمال الصغرى مع أن منطلقه يدعو إلى المصادمة.

كتبه ناصحا وموجها
د. أحمد محمد الصادق النجار 

الاثنين، 24 أكتوبر 2022

حكم المال الحرام المكتسب من معاملة محرمة بعد التوبة

 حكم المال الحرام المكتسب من معاملة محرمة بعد التوبة

وصورتها: المال المكتسب برضى صاحب المال من بيع الدخان، أو من بيع آلات الموسيقى، أو ما أخذ من عوض على المعاونة على بيع محرم ،  أو من الرشوة، أو من القمار، ونحو ذلك 

هل يتخلص منه بعد التوبة أو لا؟

وهذه الصورة لها حالان:
الحال الاولى: عدم علمه بأنها حرام، أو كان له فيها تأويل باجتهاد أو بتقليد من يثق فيه ثم بان له أنه أخطأ
فهذا ماله لا يتخلص منه، فهو عندما أقدم على البيع لم يعلم حرمته، ومن شرط التكليف الذي يرجع إلى العبد: العلم، فعند عدمه يعدم الحكم المتوقف عليه.

الحال الثانية: أن يعلم حرمته عند مباشرته البيع ثم تاب توبة صادقة بعد ذلك
فهذا اختلف أهل العلم في ماله الذي اكتسبه من البيع المحرم هل يتخلص منه أو لا؟
والأقرب: عدم التخلص منه بعد صدق التوبة؛ لأمور منها:
الأول:  عموم التعليل بمسلك تنقيح المناط في قوله الله تعالى : (فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ)
فالحكم وهو [فله ما سلف] بمعنى لا يرده ولا يتخلص منه علق على خصوص الانتهاء من الربا وعدم العودة إليه، فنلغي بمسلك التنقيح الوصف الخاص ونعمم؛ فيكون التعليل بالانتهاء من المحرم لكسبه
فمن انتهى عن المحرم لكسبه وتاب منه فله ما سلف ولا يلزمه التخلص منه.
وكذلك عموم التعليل في قوله تعالى (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ)... 

الثاني: يتحقق به مقصود الشارع وهو التيسير ورفع الحرج
فالتيسير هنا متعلق بأمر التوبة، فيتيسر على الناس أمر التوبة ويرفع الحرج عنهم والضيق الذي قد يتسببه التخلص من المال.

الثالث: دفع مفسدة عدم التوبة.

والخلاصة: لا يلزمه أن يتخلص منه وإن كان الأولى دفعه للفقراء ونحوهم
كتبه د أحمد محمد الصادق النجار

الجمعة، 21 أكتوبر 2022

ما علاقة #المفتي الشيخ #الصادق_الغرياني بالتيار الذي سميته ب (#تيار_المفتي )

 ما علاقة #المفتي الشيخ #الصادق_الغرياني بالتيار الذي سميته ب (#تيار_المفتي )

وهل من الظلم نسبة هذا التيار إلى الشيخ؟

وهل هو تيار؟
[نعم، ينطبق عليهم ضابط التيار فهم مجموعة توالي وتعادي على أفكار رموزها
ففرقت الامة المتفرقة وتحزبت على آرائها وعادت مخالفيها ووصفتهم بأقذع الأوصاف وأشنعها
فاستدعى ذلك وصفها بأنها تيار مفرق للأمة؛ عسى أن يرجع ويؤوب
فهم بهذا التفرق وهذا الولاء والبراء يزيدون من تسلط الأعداء على المسلمين ويفتحون الباب للتنفير من أهل العلم الذين يخالفونهم ...
فالمفرق ليس الذي ينكر على التيار خروجهم عن الوسطية والاعتدال وإنما المفرق من يتحزب على رأيه ويوالي ويعادي عليه ويزيد الأمة انقساما]

ذكرت في منشور سابق أن المفتي هو أبرز معظمي هذا التيار، حتى جعلوا أقواله وآراءه المخصوصة لا تقبل النقاش، وجعلوا القول المخالف لاجتهاده غير معتبر، بل زادوا فخونوا من أخذ بالقول المخالف له فيما يتعلق بالشان العام!!
فالشيخ يعتبر لهذا التيار هو الأب الروحي -إن صح التجوز -
وإذا نظرنا إلى الأفكار التي نشأ عليها هذا التيار وقد بينتها في منشور سابق
وجدنا أن الشيخ لا يقول بها كلها، فالشيخ لا يرى عدم انحصار الحق في أهل الحديث، بل الشيخ لا يرتضي انتساب متأخري الأشاعرة لأبي الحسن الأشعري؛ لأنهم خالفوه في منهجه وآرائه، وهذا ما صرح لي به الشيخ في ٢٠١٢ -فيما أذكر- في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما ناقشته في هذا الباب.
لكن الأمر المستغرب أن هذا التيار يرى عدم انحصار الحق في أهل الحديث، ويذاع ذلك علانية في التناصح وفي الكلية وفي دورات التقوية...
ولم نر إنكارا من الشيخ ولا نصرة من رد على هذا التوجه!!
بل يوجد في بعض أجوبته عندما سئل عن الخلاف الذي دار في هذا الباب توجيه إلى عدم الإنكار في هذه المسائل!
والغريب أن القناة لم تلتفت إلى هذا التوجيه !!

فتلخص أن الشيخ فيما نحسب لا يقول به لكن سكت عنه مع تعلقه بقطعيات الشريعة!!
مما جعل التيار يستمر في غيه...

ومن الأفكار التي نشأ عليها هذا التيار: عدم اعتبار القول المخالف لآراء الشيخ في السياسة والشان العام، وتخوين وتأثيم المخالف!
وهذا الأمر أكثر التصاقا بالشيخ بالنظر إلى طريقة الشيخ في عرضه المسائل السياسية وما يتعلق بالشأن العام وربط الأحكام بها
فهو بهذا العرض يغذي هذا التوجه من هذا التيار...
وتوضيح ذلك أن الشيخ عندما يعرض ما يراه حكما شرعيا لنازلة سياسية أو ما يتعلق بالشان العام تجده يعرضها على أن قوله فيها هو الحق دون غيره وأنه هو حكم الله ولا يعذر فيه المخالف في باب يقوم على الموازنة بين المصالح والمفاسد، ولا يكاد المجتهد المقاصدي يقطع فيه بشيء؛ لقوة  التعارض..
ومع ذلك نجد الشيخ يقطع فيه ويؤثم من غير أي إشارة إلى أن قوله لا يخرج عن كونه اجتهاديا يقبل الصواب والخطأ...
فهذه الطريقة في العرض منه جرأت هذا التيار على الاستطالة في عرض من خالف رأي الشيخ واعتباره خائنا بائعا دينه بحطام من الدنيا، ومن غير نكير منه ولا ممن هو قريب منه!!
وهذا يستدعي من الشيخ تبيين أن رأيه صواب يحتمل الخطأ، وأنه لا يجوز تعليق الولاء والبراء عليه.

وقد كنت ناقشت الشيخ نقاشا أحسب أنه بعلم وأدب واحترام
[ مناقشة #المفتي الشيخ الصادق الغرياني في تنزيل الحكم العام المجرد على الواقعة المتعينة...]:
http://abuasmaa12.blogspot.com/2022/06/blog-post_9.html.

فإذا تبرأ الشيخ من هذه الفكرة التي قام عليها هذا التيار وأنكر فكرهم في عدم انحصار الحق في أهل الحديث وحارب الغلو فيه وأنكره كانت نسبة التيار إليه كنسبة دم ابن يعقوب إلى الذئب، وكما لا يصح انتساب متأخري على الأشاعرة للأشعري كذلك لا يصح نسبة هذا التيار إلى الشيخ.
لكن هذا كله منوط بتبرئة الشيخ نفسه من غلو التيار فيه ورفع أقواله منزلة الوحي.
وله أسوة في تبرئة الصحابي الجليل علي بن أبي طالب نفسه ممن تشيع له وألهه ورفعه فوق منزلته

بقي أن أشير إلى أني لما ذكرت في المنشور السابق أنه لا علاقة للمنشور بكل من ينتسب إلى دار الإفتاء
فهِم من لا يفقه دلالات الألفاظ أني أستبعد من انتقدتهم سابقا ممن ينتسب إلى الدار كمحمد أبو عجيلة ومن رضي قوله وروجه له، وغيره ممن ذكرتهم سابقا في مقالاتي...
وهذا فهم غريب؛ ذلك أني نفيت الاستغراق في قولي( ولا [بكل] من ينتسب إلى الدار) ونفي العام أو سلب العموم هو بيان أن النفي ليس شاملا لكل فرد ينتسب إلى الدار، وإنما يفيد ثبوته لبعض الأفراد ونفيه عن البعض الآخر.

والأغرب أن تجد من هذا التيار من يحمل كلامي وانتقادي على أنه عداء شخصي لا يراد منه إلا الانتقاد وأني لم أنتقدهم إلا بعد أن تركت التدريس معهم في المعهد
وقد نال هذا التيار من عرضي الشيء العجيب
فيا لله العجب
بدل أن يناقشوا الأمر نقاشا علميا ويتبرؤوا مما نسبته إليهم
انتقلوا إلى الأسهل وهو الطعن والسب
والكذب!!
وليعلم هؤلاء أني انتقدت محمد أبو عجيلة باسمه في صفحتي على الفيس وأنا لازلت أدرس عندهم في المعهد
وبينت اعتقاد الأشاعرة وأنا أدرس معهم، إلى غير ذلك...

ثم لو سلمنا جدلا أني لم أتكلم إلا بعد أن تركتهم ألا يكون السكوت في ذلك الوقت مصلحة ؟!!
أم أن المصلحة لا يفقهها إلا هم؟!!

وأخيرا لا حيلة لي مع هؤلاء الذين يطعنون إلا الدعاء لهم بالهداية.

كتبه د أحمد محمد الصادق النجار 

الثلاثاء، 18 أكتوبر 2022

(تيار المفتي في ليبيا مفهومه وحقيقته)

(تيار #المفتي في ليبيا مفهومه وحقيقته)

إن وجود #تيارات_فكرية توالي وتعادي على أفكارها ؛ مما يضعف الأمة ويزيد من شتاتها وتفرقها، ولهذا جاء الشرع بمنع #التعصب لغير ما ثبت بالنص الصريح والإجماع.
ومن التيارات الفكرية في ليبيا: تيار نشأ حديثا له أفكاره ورموزه، وهو ما عبرت عنه بتيار المفتي الذي أعظم رموزه المعظين هو الشيخ الصادق الغرياني، فنسب إليه.

وإنما سمي تيارا؛ لما أنتجته مجموعة أفراد من أفكار تزعم أنها استقتها من نصوص الشريعة كان لها تأثير سياسي وديني على أتباعه، تقودهم إلى تنظيم صفوفهم من أجل الإصلاح على حسب توجه هذه المجموعة ورؤيتها وفكرها...
وهذا التيار لم يصل إلى درجة التغيير الشامل لنظام البلد السياسي والديني، وإنما اقتصر تأثيره على أتباعه.

فخلاصة مفهوم هذا التيار أنه تجمع يسعى لتحقيق رؤيته وأفكاره.
ومما تميز به هذا التيار: الغلو في رموزه؛ لكونهم مرجعيته ومصدر تلقي الأفكار, وعدم اعتبار القول المخالف المتعلق بالسياسة والشان العام.

لما كان هذا التيار قد وضع لنفسه هدفا في التغيير السياسي والديني دخل فيه كل من اتفق معهم في الهدف مع تنوع مشاربهم ومذاهبهم العقدية والفقهية.
ولهذا تجد فيهم من هو على اعتقاد أهل الحديث ومن هو على اعتقاد الأشاعرة وتجد فيهم من يتمذهب بالمذهب المالكي ومن هو على مذهب الإباضية...
فهذه المشارب والمذاهب المختلفة المتناقضة جمعهتم الفكرة الواحدة المتعلقة بالتغيير السياسي والديني في البلد.
وأقصد بالتغيير الديني: مناكفة السلفية التي يحصرونها في مشايخ السعودية، ومطيتهم في هذا غلاة التبديع.
وأقصد بالتغيير السياسي: الرؤية التي يرون قيام مصالح البلد بها.

وهدف هذا التيار: الرغبة في الانفلات من هيمنة وسطوت غلاة التبديع من جهة، ومن أحدية الحق في مذهب أهل الحديث ومنهجهم من جهة أخرى، ومن تعدد الرؤى الإصلاحية التي لها حظ من النظر الشرعي في البلد التي لا يرتضيها هذا التيار من جهة ثالثة.

فالفكرة التي اجتمع عليها هذا التيار مع تنوع مشاربهم ومذاهبهم فهي:
١- المنع من حصر الحق في اعتقاد أهل الحديث ومنهجهم..
٢-التأسيس للتعصب المذهبي في الفتوى وإلزام الناس به فيما اختاروه من أقوال..
٣-رفع شعار الانشغال بقضايا الأمة والوقوف ضد الغرب وفق منظرهم ورؤيتهم.
٤-جعل المواقف المتغيرة المتعلقة بالمصالح والمفاسد في الأمور السياسية وما يتعلق بشأن البلد والتعامل مع الغرب: ثوابت وقضايا لا تقبل النقاش ولا يعذر فيها المخالف، فتراهم متعصبين لآرائهم فيها وأنه الحق المطلق، ومن خالفه فهو الجاهل الذي لا يفقه الواقع ولا يدرك الحكم الشرعي...
فلا مصلحة للأمة ولا حكم للشرع في الواقع السياسي إلا ما صدر من جهة مفكري ومنظري هذا التيار، فنزلوا رأيهم فيها منزلة المسائل القطعية التي لا يسوغ فيها القول المخالف.

وقد اغتر هذا التيار بنظرته الإصلاحية حتى أورثه الاستعلاء؛ فتراه يصف من خالفه بسطحية التفكير وعدم الفقه والانشغال بقضايا أقل أهمية وتضييع قضايا الأمة...
بل تجاوزوا فجعلوا القول الفقهي المخالف لرأيهم وما اعتاده طائفة من أهل البلد: قولا مفرقا يلام من أفتى به ويعاتب، بل ينكر عليه
بخلاف القول الموافق لرأيهم وإن خالف ما اعتاده أهل البلد!!
وهو نتيجة تعصبهم لأفكارهم وأحدية الحق فيها.

وهذا الغلو والاستعلاء إذا استمر من غير نكير فسيقود إلى ما لا يحمد عقباه من استحلال السيف.

كتبه
د. أحمد محمد الصادق النجار
14-ربيع الأول-1444
18-اكتوبر-2022

ما علاقة #المفتي الشيخ #الصادق_الغرياني بالتيار الذي سميته ب (#تيار_المفتي )
وهل من الظلم نسبة هذا التيار إلى الشيخ؟

وهل هو تيار؟
[نعم، ينطبق عليهم ضابط التيار فهم مجموعة توالي وتعادي على أفكار رموزها
ففرقت الامة المتفرقة وتحزبت على آرائها وعادت مخالفيها ووصفتهم بأقذع الأوصاف وأشنعها
فاستدعى ذلك وصفها بأنها تيار مفرق للأمة؛ عسى أن يرجع ويؤوب
فهم بهذا التفرق وهذا الولاء والبراء يزيدون من تسلط الأعداء على المسلمين ويفتحون الباب للتنفير من أهل العلم الذين يخالفونهم ...
فالمفرق ليس الذي ينكر على التيار خروجهم عن الوسطية والاعتدال وإنما المفرق من يتحزب على رأيه ويوالي ويعادي عليه ويزيد الأمة انقساما]

ذكرت في منشور سابق أن المفتي هو أبرز معظمي هذا التيار، حتى جعلوا أقواله وآراءه المخصوصة لا تقبل النقاش، وجعلوا القول المخالف لاجتهاده غير معتبر، بل زادوا فخونوا من أخذ بالقول المخالف له فيما يتعلق بالشان العام!!
فالشيخ يعتبر لهذا التيار هو الأب الروحي -إن صح التجوز -
وإذا نظرنا إلى الأفكار التي نشأ عليها هذا التيار وقد بينتها في منشور سابق
وجدنا أن الشيخ لا يقول بها كلها، فالشيخ لا يرى عدم انحصار الحق في أهل الحديث، بل الشيخ لا يرتضي انتساب متأخري الأشاعرة لأبي الحسن الأشعري؛ لأنهم خالفوه في منهجه وآرائه، وهذا ما صرح لي به الشيخ في ٢٠١٢ -فيما أذكر- في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما ناقشته في هذا الباب.
لكن الأمر المستغرب أن هذا التيار يرى عدم انحصار الحق في أهل الحديث، ويذاع ذلك علانية في التناصح وفي الكلية وفي دورات التقوية...
ولم نر إنكارا من الشيخ ولا نصرة من رد على هذا التوجه!!
بل يوجد في بعض أجوبته عندما سئل عن الخلاف الذي دار في هذا الباب توجيه إلى عدم الإنكار في هذه المسائل!
والغريب أن القناة لم تلتفت إلى هذا التوجيه !!

فتلخص أن الشيخ فيما نحسب لا يقول به لكن سكت عنه مع تعلقه بقطعيات الشريعة!!
مما جعل التيار يستمر في غيه...

ومن الأفكار التي نشأ عليها هذا التيار: عدم اعتبار القول المخالف لآراء الشيخ في السياسة والشان العام، وتخوين وتأثيم المخالف!
وهذا الأمر أكثر التصاقا بالشيخ بالنظر إلى طريقة الشيخ في عرضه المسائل السياسية وما يتعلق بالشأن العام وربط الأحكام بها
فهو بهذا العرض يغذي هذا التوجه من هذا التيار...
وتوضيح ذلك أن الشيخ عندما يعرض ما يراه حكما شرعيا لنازلة سياسية أو ما يتعلق بالشان العام تجده يعرضها على أن قوله فيها هو الحق دون غيره وأنه هو حكم الله ولا يعذر فيه المخالف في باب يقوم على الموازنة بين المصالح والمفاسد، ولا يكاد المجتهد المقاصدي يقطع فيه بشيء؛ لقوة  التعارض..
ومع ذلك نجد الشيخ يقطع فيه ويؤثم من غير أي إشارة إلى أن قوله لا يخرج عن كونه اجتهاديا يقبل الصواب والخطأ...
فهذه الطريقة في العرض منه جرأت هذا التيار على الاستطالة في عرض من خالف رأي الشيخ واعتباره خائنا بائعا دينه بحطام من الدنيا، ومن غير نكير منه ولا ممن هو قريب منه!!
وهذا يستدعي من الشيخ تبيين أن رأيه صواب يحتمل الخطأ، وأنه لا يجوز تعليق الولاء والبراء عليه.

وقد كنت ناقشت الشيخ نقاشا أحسب أنه بعلم وأدب واحترام
[ مناقشة #المفتي الشيخ الصادق الغرياني في تنزيل الحكم العام المجرد على الواقعة المتعينة...]:
http://abuasmaa12.blogspot.com/2022/06/blog-post_9.html.

فإذا تبرأ الشيخ من هذه الفكرة التي قام عليها هذا التيار وأنكر فكرهم في عدم انحصار الحق في أهل الحديث وحارب الغلو فيه وأنكره كانت نسبة التيار إليه كنسبة دم ابن يعقوب إلى الذئب، وكما لا يصح انتساب متأخري على الأشاعرة للأشعري كذلك لا يصح نسبة هذا التيار إلى الشيخ.
لكن هذا كله منوط بتبرئة الشيخ نفسه من غلو التيار فيه ورفع أقواله منزلة الوحي.
وله أسوة في تبرئة الصحابي الجليل علي بن أبي طالب نفسه ممن تشيع له وألهه ورفعه فوق منزلته

بقي أن أشير إلى أني لما ذكرت في المنشور السابق أنه لا علاقة للمنشور بكل من ينتسب إلى دار الإفتاء
فهِم من لا يفقه دلالات الألفاظ أني أستبعد من انتقدتهم سابقا ممن ينتسب إلى الدار كمحمد أبو عجيلة ومن رضي قوله وروجه له، وغيره ممن ذكرتهم سابقا في مقالاتي...
وهذا فهم غريب؛ ذلك أني نفيت الاستغراق في قولي( ولا [بكل] من ينتسب إلى الدار) ونفي العام أو سلب العموم هو بيان أن النفي ليس شاملا لكل فرد ينتسب إلى الدار، وإنما يفيد ثبوته لبعض الأفراد ونفيه عن البعض الآخر.

والأغرب أن تجد من هذا التيار من يحمل كلامي وانتقادي على أنه عداء شخصي لا يراد منه إلا الانتقاد وأني لم أنتقدهم إلا بعد أن تركت التدريس معهم في المعهد
وقد نال هذا التيار من عرضي الشيء العجيب
فيا لله العجب
بدل أن يناقشوا الأمر نقاشا علميا ويتبرؤوا مما نسبته إليهم
انتقلوا إلى الأسهل وهو الطعن والسب
والكذب!!
وليعلم هؤلاء أني انتقدت محمد أبو عجيلة باسمه في صفحتي على الفيس وأنا لازلت أدرس عندهم في المعهد
وبينت اعتقاد الأشاعرة وأنا أدرس معهم، إلى غير ذلك...

ثم لو سلمنا جدلا أني لم أتكلم إلا بعد أن تركتهم ألا يكون السكوت في ذلك الوقت مصلحة ؟!!
أم أن المصلحة لا يفقهها إلا هم؟!!

وأخيرا لا حيلة لي مع هؤلاء الذين يطعنون إلا الدعاء لهم بالهداية.

كتبه د أحمد محمد الصادق النجار

21-اكتوبر-1444

http://abuasmaa12.blogspot.com/2022/10/blog-post_21.html

السبت، 15 أكتوبر 2022

وقفة مع مقولة: الانشغال بالجزئيات وترك قضايا الأمة

 محاولة توجيه الدعاة وطلبة والعلم والعلماء إلى الانشغال بقضايا الأمة وما يتعلق بالشأن العام للدول وتعاملها مع الغرب

عن طريق لومهم وتسفيه خدمتهم للدين بتوضيح الجزئيات
وقول بعضهم: كلامهم في بدعة كذا وكذا أعظم من كلامهم في قضية كذا وكذا: أمر في غاية الخطورة؛ إذ الانشغال بالقضايا العامة يجب ألا يصدر إلا من أهله، ولا يصح فتح الباب فيه لكل عالم فضلا عن الدعاة وطلبة العلم؛ لما لهذه المسائل من خصوصية، فهي قائمة على نظر خاص متعلق بالموازنة بين المصالح والمفاسد، والذي يعتبر فيها إقامة الحياة الدنيا للآخرة، ولا مدخل فيها للأهواء في جلب المصالح ودفع المفاسد...
فتوجيه كل أحد للانشغال بها: ضرره أعظم من نفعه، ولهذا لما خاض في هذا الباب من لا يحسن دخل على الأمة فساد عظيم..
وإذا كان كثير من طلبة العلم غير متضلعين في أحد شرطي الاجتهاد وهو العلم التفصيلي بمقاصد الشريعة، -هذا العلم الذي يقوم عليه الكلام في الشأن العام وقضايا الأمة مع معرفة دقيقة بالواقع وتداخل المصالح والمفاسد فيه-
فكيف يطلب منهم الانشغال بقضايا الأمة؟!
وقد أثبت الواقع أن أكثر المنادين بهذا يتحركون في قضايا الأمة من العاطفة والحماس لا من التأصيل الشرعي المبني على معرفة الواقع والأمر بالواجب.

فإن قيل: ليس المقصود أن يكون لهم رأي في قضايا الأمة، وإنما المقصود ألا يشغلوا الأمة بالجزئيات عن قضاياها الكبرى.
قيل: إن كنت تقصد بالإشغال بالجزئيات: عدم الكلام عنها والسكوت عن بيان حكم ما دعت الحاجة إلى بيانه فهذا ينافي  العهد الذي أخذ الله على أهل العلم لتبيينه للناس ولا تكتمونه
ومن سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجمام من النار، ولا فرق في ذلك بين بيان حكم جزئية أو حكم قضية.

وإن كنت تقصد بالإشغال: الكلام عن أمور انقضى وقتها فقد تطور الناس وصعدوا إلى القمر وأنتم مازلتم هذه سنة وهذه بدعة فهذا ينافي أصل الاستسلام لله والانقياد لأوامره، وصاحبه معرض إيمانه للبطلان.

وإن كنت تقصد بالإشغال: أن الكلام في الجزئيات يجر إلى تعصب كل متكلم إلى رأيه وتسفيه غيره واتهامه في دينه
فهنا ليس الإشكال في الكلام عن أحكام الجزئيات وإنما الإشكال في التعامل مع مسائل الخلاف، ولذا كان الواجب ترشيد الخلاف وبث فقه الخلاف لا ذم الكلام في المسائل الجزئية، وتصوير أن الكلام فيها إشغال للأمة عن قضاياها؛ حتى آل إلى إهمال شيء من الدين بدعوى أنه يقود إلى التعصب ...
والأدهى أن كثيرا من أصحاب هذه الدعوى هم من يشعلون فتيل الحرب، ثم يظهرون أنفسهم للناس بثوب الناصحين الحريصين على قضايا الأمة!!
نعم؛ لو ترجحت مفسدة الكلام على مصلحة السكوت لكان الواجب السكوت
لكن بيان الرجحان من المرجوحية يختلف من وقت إلى وقت ومن مكان إلى مكان، ويتعلق بنظر المجتهد.

وهناك إشكال أكبر وهو الخلط بين واجب الوقت المضيق الذي لا يسع غيره وبين واجب الوقت الموسع الذي يسع معه غيره ، فعند الخلط بين الواجبين يقع الالتباس.
فمثلا: عندما يهاجم العدو بلدا فهنا واجب الوقت في الجهاد ولا يسع غيره، ولن يلتف ملتفت إلى غيره أصلا، بل نجد أنه لا تأثير للعقائد المتناقضة والمذاهب المختلفة في منع أصحابها من الوقوف يدا واحدة ضد العدو؛ لما فطر الله عليه العباد من الانشغال بما مصلحته أعظم، فحفظ النفس هنا يقدمه كل عاقل على الاختلاف الدائر بينهم.

فإن قيل: أليس الاختلاف في الجزئيات يؤدي إلى الشقاق ويضعف الأمة أمام قضاياها؟
قيل: الذي يضعف الأمة أمام قضاياها بعدها عن الاعتصام بالكتاب والسنة وما كان عليه الجيل الأول، فعدم التفرق نتيجة الاعتصام بالكتاب والسنة قال تعالى:[واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا]
فالذي طلبه الله بالقصد الأول هو الاعتصام وبالقصد الثاني هو الاجتماع، فمن يغلب الاجتماع على الاعتصام خرج عن مقصد الله سبحانه
ولذا كان الواجب توحيد الصف الداخلي على الاعتصام بالكتاب والسنة؛ لتقف أمام التحديات ومكر العدو الخارجي
وكلما ابتعدت الأمة عن هدي الصحابة ابتعدت عن الانشغال بقضاياها
فهذه الحقيقة يجب أن ترسخ في القلوب، وأما رفع الشعارات والتباكي بلا أخذ بأسباب القوة والتمكين فهي مسكنات وخطوة لتسلط الأعداء.
نعم، تذكير الامة بقضاياها مهم، لكن لا يكون على حساب عدم الكلام في الجزئيات والتهوين منها.

فلا يمكن للأمة أن تهتم بقضاياها إذا لم تحسن التعامل في الخلافات بين أفرادها.

ثم إن المتكلم في هذه المسائل يجب أن ينظر إليها من جهة ما قصد الشارع المحافظة عليه من الضرورات والحاجيات والتحسينيات
فليس من الانشغال بقضايا الأمة هدم الدول وإثارة الفتن وتهييج الدهماء
ومن لم يلتفت إلى هذه الجهة فقد ناقض الشريعة فيما وضعت له
ويجب التنبه إلى أن المحافظة على الضروري أمر اعتبرته الشريعة
لكن المحافظة عليه يجب أن يكون بما لا يخل بالضروري نفسه أو بضروري آخر
فبأي شيء يحفظ الضروري هذا أمر لابد أن ينظر إليه من يتكلم في الدول وما أحدثته من إخلال ببعض الضرورات.

كتبه د. أحمد محمد الصادق النجار