الأحد، 27 سبتمبر 2026

رحم الله ابن باز والعثيمين. البوصلة -ولله الحمد- لم تنحرف بين موقفنا من القتال في اليمن وموقفنا من القتال في غزة وأفغانستان، وإنما دعوى التناقض مبنية على تصوير غير دقيق لموقفنا.

 البوصلة -ولله الحمد- لم تنحرف بين موقفنا من القتال في اليمن وموقفنا من القتال في غزة وأفغانستان، وإنما دعوى التناقض مبنية على تصوير غير دقيق لموقفنا.

فموقفنا في غزة لم يسقط مشروعية دفع الصائل إطلاقا، وإنما نصصت صراحة في بيان موقفي من القتال في غزة على أن: «القتال قد حصل، وهجوم اليهود على المسلمين قد وقع... فلم يبقَ لنا إلا تأييد المقاومة في دفعهم العدو».
وهذا هو عين دفع الصائل من حيث الأصل، ولم أتردد في تأييده..

فالذي انتقدته لم يكن دفع الصائل ذاته، وإنما انتقدت قرار المبادأة بالشروع في العمليات الكبرى في وقت كانت فيه الحال محسوبة على التهدئة الميدانية النسبية؛ إذ إن قرار المبادأة في هذه الحال تراعى فيه شرعا اعتبارات القدرة والإعداد، ودرء المفسدة الراجحة، وما قد يترتب على ذلك من أضرار بالمدنيين.

أما قتال الحوثي فيندرج تحت ثلاثة أصول متضافرة، فهو من جهة دفع صائل؛ إذ الحوثيون جماعة صائلة باغتت السلطة الشرعية واستمرت في استهداف الأراضي بالصواريخ والمسيرات، وهذا اعتداء فعلي متواصل، وهو من جهة أخرى قتال بغاة خارجين بالسلاح على ولي الأمر الشرعي، وهو من جهة ثالثة قتال طائفة ممتنعة بالشوكة عن التزام الشرائع وحرمة الدماء.

وإنما الفارق بين هذه النازلة ونازلة غزة ليس في نفي وصف دفع الصائل عن أحدهما، وإنما في طبيعة الفعل المدفوع، ففي اليمن: الاعتداء الحوثي حاصل وواقع بالفعل ومتواصل، فاندرج تحت جهاد الدفع الذي لا يشترط له شرطٌ زائد؛ وفي غزة: انتقدنا تحديدا لحظة المبادأة الاختيارية في وقت كانت الحال فيه أقرب إلى الهدوء النسبي الميداني، لا لحظة دفع الهجوم الواقع فعلا.

فالمعيار إذن واحد مطرد في النازلتين، وهو: التفريق بين قتال وقع هجومه بالفعل، وبين قرار المبادأة بالقتال ابتداء
فنحن لم نستدع هذا التفريق في فلسطين للحكم على دفع الهجوم الواقع، وإنما استدعيناه في تقويم قرار المبادأة؛ وهذا فرق جوهري أغفلته بعض الاعتراضات.

ووجود فصيل منحرف منهجيا كالإخوان أو غيرهم ضمن جبهة دفع الصائل في اليمن لا يمنع من أصل الدفع، كما أن وجودهم في غزة لا يمنع من أصل دفع العدو الصهيوني.
والنقد الموجه لحركة حماس في غزة لم يكن لمجرد كونها إخوانية كما يتوهم أصحاب النظرة السطحية، وإنما كان النقد على تأصيل قرار المبادأة بالشروع وحساب القدرة والمفسدة المترتبة على الأمة والمدنيين،

والخسائر الكارثية التي نتجت بسبب قرارهم لا تخطئها عين ناظر سليم العقل والتفكير.

وأما في جهاد أفغانستان، فإننا لم نقل يوما إن الجهاد هناك سقط وصفه بمجرد تغيّر المحتل من الشيوعي إلى الأمريكي، وإنما الذي قلناه بنصه: «حين انحرف المسار لاحقا إلى الاقتتال الداخلي وتسميم أفكار من يذهب إلى أفغانستان، وجعله قنبلة موقوتة بين أهله وفي بلده».
وهذا ليس تفسيرا اخترعناه بعد وقوع أحداث 2001؛ بل له أصل صريح في كلام الشيخ ابن عثيمين نفسه، كما خاطب الشيخ ابن باز المسؤولين الأفغان بعد وقوع الاقتتال بينهم، وعبّر صراحة عن حزنه لما وقع من الفتن والقتال، وما ترتب عليه من إزهاق النفوس وإتلاف الأموال وتشتيت الشعب، ودعاهم إلى حل خلافاتهم بالوسائل السلمية.

فالمناط الذي تغير في المرحلة اللاحقة هو نشوء اقتتال بين الفصائل المسلمة نفسها، وتحول بعض الفاعلين إلى مصدر تهديد داخلي، وليس مجرد تغير هوية المحتل، أو مجرد وجود تنظيمات حزبية...

والتغير في الفتوى من مشايخنا كابن باز والعثيمين في الساحة الأفغانية لم يقع مفاجأة سنة 2001 كما يزعم المعترضون، وإنما كان مرتبطا قبل ذلك بما آلت إليه الساحة من اقتتال داخلي ونتائج ومفاسد؛ فقد صرح ابن عثيمين بأنهم كانوا يؤيدون الذهاب في أول الحرب، ثم تغير موقفهم عندما صارت النتائج عكس المقصود، وظهرت الحروب الطاحنة بين الفصائل.

وعليه، فلا يصح اختزال تغير الموقف سنة 2001 في مجرد تغير جنس المحتل؛ لأن التحفظ على الذهاب إلى أفغانستان كان قد ظهر قبل ذلك، ولما جاء الاحتلال الأمريكي لم تكن الساحة مهيأة لدعوة الناس إلى الجهاد، فقد مرت الساحة بسنوات من التناحر والتفرق وتمكن التكفيريين بغير حق، فلم يعد توصيف النازلة كتوصيفها عند بداية الغزو السوفييتي.

وأما استدلالنا بقتال الحجاج للخوارج، فكان لتقرير أصل محدد، وهو أن فسق القائد أو ظلمه لا يسقط وصف الجهاد عن الفعل إذا تحققت أصوله، وهذا الأصل لم نستدعه لنفي وصف الجهاد عن أفغانستان، بل العكس، فنحن نقر بأن جهاد الأفغان ضد السوفييت كان جهادا مع وجود التقصير أو الانحراف لدى بعض المشاركين فيه.

وما تغير في أفغانستان لاحقا لم يكن مجرد فسق قائد أو ظلمه، وإنما تحوّل الساحة إلى اقتتال بين المسلمين أنفسهم، وتغيّر طبيعة الصراع ومناط الحكم فيه، وهذا مناط آخر، لا يصح الخلط بينه وبين مجرد وجود الظلم أو الانحراف لدى بعض أطراف القتال.

كتب
د. أحمد محمد الصادق النجار

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق