الاثنين، 28 سبتمبر 2026

هل تغيرت فتاوى مشايخ أهل السنة في أفغانستان لتغير جنس المحتل؟

 

هل تغيرت فتاوى مشايخ أهل السنة في أفغانستان لتغير جنس المحتل؟

يتهم بعض خصوم الدعوة #السلفية المباركة علماءها بأن فتاواهم في #الجهاد_الأفغاني تغيرت تبعا لتغير جنس المحتل من روسي إلى أمريكي، وأن الباعث للتحريض على النفير العام أو النهي عنه إنما كان يتشكل وفق الإرادة الأمريكية!!!
وهذه دعوى لا تصمد أمام النظر في نصوص المشايخ وتعليلاتهم، وفي مقدمتهم الشيخ محمد بن صالح العثيمين والشيخ الألباني والشيخ صالح اللحيدان رحمهم الله.

ومن المقرر عقلا وشرعا أن تقاطع المصلحة بين طرفين مختلفين في عقيدتيهما ومبادئهما أمر وارد،  فالأمريكيون حاربوا الروس في أفغانستان بـدافع سياسي واستراتيجي؛ لإضعاف الاتحاد السوفيتي في ذروة الحرب الباردة، بينما انطلق علماء أهل السنة في فتواهم بجهاد الروس من دافع إيماني شرعي وهو نصرة شعب مسلم صالت عليه دولة شيوعية ملحدة وسعت لطمس دينه.
واستغلال دولة كبرى للظرف الشرعي وتحويله لخدمة أجندتها هو شأن السياسات الدولية، ولا يلزم منه بحال أن مفتي النازلة كان أداة في تلك الأجندة؛ لأن المفتي ينظر في تحقق شروط الوجوب أو الاستحباب الشرعي في عين الواقعة.

ولفهم المسألة على وجهها الأصولي الصحيح يجب ابتداء التفريق بين أمرين:
​الأول: أصل مشروعية دفع العدو الصائل عن البلد، وهو من الأحكام المقررة عند أهل العلم.
​الثاني: حكم نفير الأفراد من خارج الساحة لنصرة أهل البلد، وهو حكم آخر تتعلق به اعتبارات القدرة والمصلحة والمفسدة وتنظيم القتال وغير ذلك.

فتغير الفتوى لم يكن تغييرا في الحكم الشرعي الثابت في أصل مشروعية دفع المحتل، وإنما كان تغيرا في الحكم التنزيلي المتعلق بنفير الأفراد من الخارج؛ لتغير المناط والأحوال والنتائج والمآلات.

​ويظهر ذلك جليا عبر ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى إبان دخول الروس إلى أفغانستان وهجومهم على المسلمين

كان الظاهر من حال الفصائل في أول الجهاد اجتماعها على دفع الجيش السوفيتي المحتل، وكانت الغاية المعلنة تحرير البلاد لتكون كلمة الله هي العليا.
فجاء تأييد المشايخ وحثهم من هم خارج البلاد على الجهاد في أفغانستان؛ بناء على ظاهر الحال وما تحقق فيه من أوصاف الجهاد الشرعي.
سئل الشيخ العثيمين عن الجهاد في أفغانستان، فقال: «لا شك أنه جهاد إسلامي، فيه قمع للكفرة وأعوانهم». (مجموع فتاوى ورسائل العثيمين، ٢٥/٤٢٦)

وقال: «الذي أرى أن هذا الجهاد جهاد في سبيل الله؛ لأن المعروف عن قادته وزعمائه أنهم يريدون أن يحرروا بلادهم من الكفر وأتباعه، لتحرر فيها كلمة الله وتكون كلمة الله هي العليا، وهذه هي نية الجهاد الإسلامي، هذا هو المعروف عنهم، وبناء عليه فإن الجهاد في أفغانستان يُعتبر من الجهاد في سبيل الله». (٢٥/٤٢٨)

المرحلة الثانية ما بعد الجلاء وقبل الدخول الأمريكي

آلت الأمور إلى الصراع بين الفصائل، ووقعت الفوضى، وسالت الدماء بين الإخوة، فتغير الواقع وتغيرت معه النتائج والمآلات، وظهرت موانع شرعية ومصلحية من الاستمرار في الحث على الذهاب إلى أفغانستان.

وهنا تأتي أهمية تحقيق المناط؛ إذ ليس السؤال عن حكم الجهاد في صورة مجردة، وإنما عن الواقعة الماثلة: هل ما زالت الأوصاف التي بني عليها الحكم في المرحلة الأولى متحققة، أو طرأ ما يمنع من تنزيله؟

سئل الشيخ العثيمين في مجموع فتاويه: سبق أن أفتيتم بالذهاب إلى بعض الأماكن كأفغانستان ثم الآن لا تفتون بذلك، فلماذا؟
فأجاب: «لأن الأمور تتغير بتغير النتائج، ففي بداية ظهور الحرب في أفغانستان كنا نؤيد الذهاب، ولكن صارت النتائج بخلاف ما نريد، فالراجعون من هناك معروف حالهم إلا من سلّمه الله، والباقون لا يخفى ما يقع بينهم من الحروب الطاحنة». (٢٥/٣٣١)

والنص صريح في أن تغير النتائج والمآلات كان سببا مباشرا في تغير الفتوى.

والأهم من ذلك أن هذا الكلام سابق زمنيا على الغزو الأمريكي لأفغانستان، فينتفي بذلك أن يكون الاحتلال الأمريكي سببا في هذا التغير بعينه.
وكذلك سئل الشيخ الألباني عن الاقتتال الذي وقع بين الفصائل الأفغانية وتأييد بعض الأطراف، فأجاب: «هذا خطأ فيما أرى؛ لأن ثمة فرقا كبيرا جدا بين الجهاد الذي كان قائما سابقا ضد الشيوعيين... ولذلك فأنا مع هؤلاء العلماء... بأن هذه فتنة الآن يجب الاعتزال وعدم التأييد، وأرى أن المساعدات التي كانت تقدم من قبل للمجاهدين الآن يجب تقليصها وعدم الاستمرار في إرسالها؛ لأن الواقعة ستقع بين المسلمين أنفسهم»

فمنع العلماء من الذهاب إلى أفغانستان، والتوقف عن الحث عليه أو المساعدة فيه، وقع في أوائل ومنتصف التسعينيات الميلادية، أي قبل مجيء الجيش الأمريكي إلى أفغانستان بسنوات.
وهذا وحده كاف في إبطال دعوى أن تغير الفتوى كان بسبب تغير جنسية المحتل من الروسي إلى الأمريكي.

وفي بيان شرط ضبط النفير بإذن الإمام وإدارته: سئل الشيخ العثيمين عن القول بجواز الجهاد دون إذن أحد لعدم وجود الإمام أو تخاذله، فقال: «هذا غير صحيح، الجهاد ماضٍ في هذه الأمة إلى يوم القيامة، ولكن الجهاد يجب أن يكون مدبَّرًا من قبل ولي الأمر؛ لأنه إذا كان غير مدبَّر صار فيه فوضى، وصارت كل طائفة تفتخر على الأخرى بأنها هي التي فعلت كذا، وفي التالي ربما لا تُحمد العقبى، كما جرى في أفغانستان مثلًا، فإن الناس ساعدوا الأفغان مساعدة عظيمة بالغة، وكانت النتيجة ما تسمعون الآن». (٢٥/٣٦٧)

المرحلة الثالثة إرهاصات الغزو الأمريكي وما بعده

إضافة إلى التناحر والتنازع سيطرت على الساحة الأفغانية تيارات تبنت التكفير والخروج المسلح، ووقعت تفجيرات في بلدان المسلمين نفذها أناس عائدون من أفغانستان باسم الجهاد، ثم جاءت أحداث سبتمبر وإعلان القاعدة عداءها الصريح للمملكة العربية السعودية.

ولذلك حذر العلماء من دفع الشباب إلى مواطن الفتن والجهالات، حيث سئل الشيخ صالح اللحيدان عن ذلك فقال: «الناس اللي ذهبوا إلى قتال الشيوعيين في أفغانستان وإذا بهم يصدرون كتابا في تكفير الدولة السعودية.. ومن يذهب لا يرجع كما كان»، ولم يكن العلماء حينئذ يحثون على الذهاب كما كانوا يحثون سابقا.

يتبين مما سبق أن الموقف من النفير مر بمراحل متأثرة بتغير الواقع ومآلاته، لا برغبات دولية كما يروج الخصوم، ويرجع اختلاف الحكم في هذه المراحل إلى قواعد أصولية مقررة، من أهمها:
-تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والحال والعرف والمناط
-درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
-اعتبار المآلات في تنزيل الأحكام.
-أن الحكم على النازلة يتبع تحقق أوصافها المؤثرة، لا مجرد الأوصاف الطردية.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق