الأربعاء، 28 سبتمبر 2022

الفرح بموت المبتدع

#الفرح بموت #المبتدع

قرأت بعض المقالات ( يطلق ) أصحابها الفرح بموت أهل البدع
ويستدلون على ذلك ببعض آثار عن السلف في موت بشر المريسي وابن أبي دؤاد ونحوهم
ويجعلون من لا يفرح بذلك مميعا أو حزبيا !!

والذي أراه أن (الإطلاق) غلو، وهو يتنافى مع فقه السلف.
فمن الخلل المنهجي عدم النظر إلى المعاني الكلية التي دلت عليها نصوص الشريعة عند النظر في آثار السلف؛ إذ إن السلف نظروا إلى كليات الشريعة ومقاصدها في أقوالهم ومواقفهم وانطلقوا منها، ولذا تنوعت مواقف أئمة المسلمين لاختلاف تحقق المعاني والكليات في الأعيان.
وهذا لا يلتفت إليه من يعتمد على بعض آثار السلف -التي هي وقائع- اعتمادا مجردا عن ملاحظة المعاني الكلية للشريعة!!
وهم بهذا  يجنون على فقه السلف ويشوهونه عند من لا يعرف حقيقة الأمر!

وأُذكر في هذا المقام بهذا الموقف الذي يحكيه ابن القيم عن شيخه في [مدارج السالكين: 2/345] قال عن موقِف شيخِه شيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميَّةَ: (وجئتُ يومًا مُبشِّرًا له بموتِ أكبرِ أعدائِه وأشدِّهم عَداوةً وأذًى له، فنَهرَني وتَنكَّر لي واسترجَع،...).
وتخيلوا معي أن خصمه يقول بقول الجهمية وينشر مذهبه ويحرض على خصومه...
وهو بهذا الموقف لم يخرج عن فقه السلف واعتبار كليات الشريعة،

وعليه
فإن الفرح بهلاك أهل البدع لا يذم بإطلاق ولا يمدح بإطلاق، وإنما هو داخل تحت قاعدة "دفع الضرر"

فمن خالف أصلا ووقع في بدعة كبرى يفرح بموته إذا كان ضرر بقائه أعظم من نفع حياته
وهذا التقدير قد يختلف علماء الأمة الربانيون فيه؛ لاعتبارات متعددة.

فقد نفرح لموت مبتدع؛ لأن ضرر بقائه أعظم، وقد لا نفرح؛ لتخلف موجب الفرح..
وقد يوجد موجبه ويتخلف الفرح؛ لوجود مانع يعظم على اعتبار الموجب..
وقد يتزاحمان...

كتبه د.  أحمد محمد الصادق النجار 

الثلاثاء، 20 سبتمبر 2022

هل ثبت عن الإمام أحمد نفي الجسمية عن الله؟


هل ثبت عن الإمام أحمد نفي الجسمية عن الله؟

ذكر هذا أبو الفضل التميمي ونسبه للإمام أحمد في كتاب سماه اعتقاد الإمام المنبل أبي عبد الله أحمد بن حنبل
وإذا جئنا ونظرنا للتميمي وجدنا أنه كان يحكي مذهب أحمد لا أنه يرويه عنه وينقله بألفاظه، وقد صدر كتابه بقوله ص ١٤:(جملة اعتقاد أحمد في الذي كان يذهب إليه )
وتراه يقول في ص١٧:( ومذهب أبي عبد الله أحمد
أن لله وجها لا كالصورة المصورة والأعيان المخططة ...
وايس معنى وجهه معنى جسم عنده)
فهو يحكي ما فهمه لا أنه ينقل..
وينسب له أقوالا لا تعرف عن الإمام أحمد وتخالف منهجه وما سطره في كتبه الأخرى ككتاب الرد على الزنادقة والجهمية
قال الإمام أحمد في كتاب الرد على الزنادقة والجهمية ص ٤١: (لقد جعل برغوث  يقول يومئذ: الجسم كذا
وكلام لا أفهمه
فقلت: لا أعرف ولا أدري ما هذا، إلا أنني أعلم أنه أحد صمد، لا شبه له ولا عدل، وهو كما وصف نفسه)

وقد كان التميمي على مذهب ابن كلاب ولهذا نسب للإمام أحمد ما كان يعتقده ابن كلاب في مواطن
من كتابه
وقد قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى ٤/١٦٧: (التميمي وله في هذا الباب مصنف ذكر فيه من اعتقاد أحمد ما فهمه ولم يذكر فيه ألفاظه وإنما ذكر جمل الاعتقاد بلفظ نفسه وجعل يقول وكان أبو عبدالله وهو بمنزلة من يصنف كتابا في الفقه على رأي بعض الأئمة ويذكر مذهبه بحسب ما فهمه ورآه وإن كان غيره بمذهب ذلك الإمام أعلم منه بألفاظه وأفهم لمقاصد)

كتبه د. أحمد محمد الصادق النجار

الاثنين، 19 سبتمبر 2022

من أين دخل نفي الجسم عن الله على أهل الإسلام؟ ومن أول من قال به ممن ينتسب إلى الإسلام؟

من أين دخل نفي الجسم عن الله على أهل الإسلام؟ ومن أول من قال به ؟

إن نفي الجسم عن الله لم يرد في الكتاب والسنة ولا نطق به أحد من سلف الأمة
وهذا يجعلنا نسأل: من أدخل هذا النفي على أهل الإسلام؟ ومن أول من قال به؟

وجواب هذا السؤال:
أن هذا النفي أدخلته الصابئة على أهل الإسلام عن طريق الجعد بن درهم مؤسس مذهب الجهمية
فالصابئة -ومنهم الفلاسفة- كانوا ينفون عن الله أن يتصف بصفات ثبوتية ...
فتلقى عنهم الجعد الذي نشأ بينهم دليل الأعراض وحدوث الأجسام
فكان هذا الدليل طريقه في إثبات وجود الله
وهو يقوم على أن المتصف بالصفات جسم، والأجسام حادثة ومتماثلة.
فأول من قال من المنتسبين للإسلام بنفي الجسم عن الله هو: الجعد
وأول من أظهره هو: الجهم بن صفوان.
وجعل من خصائص الجسم: الحدوث، فوصف الموجود بالجسم يدل على حدوثه وافتقاره، وحدوث العالم لا يكون إلا بإثبات حدوث الأجسام
ويعرف حدوث الأجسام بقيام الأعراض -التي هي الصفات- بها.

وفي المائة الثالثة تولى كبر هذا الدليل: بشر بن غياث المريسي، فتسرب إلى عقيدة المعتزلة والأشاعرة والماتريدية، بل قال أبو حامد الغزالي في تهافت الفلاسفة (١٩٧): ( فبان أن من لا يعتقد حدوث الأجسام فلا أصل لاعتقاده في الصانع أصلا)

واختلف هؤلاء: بم يعرف حدوث الأجسام؟ وهل يكون ذلك بقيام كل الصفات بها أو بقيام بعضها؟

ولذا لم يتفقوا على نفي جميع الصفات عن الله سبحانه، فنفى الجهمية والمعتزلة كل الصفات؛ لأن قيامها به تجعله جسما، والأجسام حادثة.
وإنما لزم قيامها به الجسم؛ لأنها تحتاج إلى محل مخصوص وهذا من خصائص الأجسام.

ونفى متأخروا الأشاعرة قيام الصفات الخبرية الذاتية كالوجه وقيام الأفعال بالله؛ لأنه يلزم من قيامها به أن يكون جسما.
بخلاف صفات المعاني!!
وجعلوا من خصائص الأجسام: الحركة والانتقال والجهة والاستقرار ...
فنفوا النزول والاستواء والمجيء ...

وكما تلاحظون أن مجرد تجويز أن يكون الله قابلا للصفات أو بعضها ولو كانت الصفات تليق به ولا تماثل في الهيئة والكنه ما عليه المخلوق: يجعله جسما.

ويجب أن يعلم أنهم لا يريدون بنفي الجسم: الجسم بمعناه اللغوي وهو الجسد، وإنما يريدون ما هو أعم من ذلك.

فجميع المتكلمين لما اعتقدوا هذا الاعتقاد السابق الذي عرفنا مصدره ودليله
جعلوا كل نص شرعي يوهم ظاهره أن الله جسم في نظرهم ولمقتضى دليلهم: متشابه وظاهره التشبيه ويجب فيه التأويل؛ لأن الدليل العقلي -ويقصدون به دليل حدوث الأجسام المأخوذ عن الصابئة ولم يعرفه الأنبياء والرسل- قطعي لا يحتمل الخطأ، بخلاف القرآن فيحتمل ويدخله الإضلال.

وهذا يبين لنا مأخذ قولهم بأن آيات الصفات من المتشابه.
ولماذا يقولون عن آيات الصفات بأنها إضافات ومجرد أخبار!!

وهذا معنى قولنا: إنهم يقدمون العقل على النقل.
ولتوضيح ذلك أكثر: يرون أن دليل حدوث الأجسام دليل قطعي، وقد ثبت وجود الصانع به دون غيره
وبالتالي فكل ما عداه ولو كان قرآنا نزل من عند الله إذا صادم دليل الأعراض وحدوث الأجسام انتفت فيه القطعية، فلا يمكن لنص شرعي يصادم ظاهره دليل حدوث الأجسام أن يكون قطعيا.
فتسلطوا على ظاهر النص بالنفي والتأويل أو التفويض.
فالباعث الحقيقي على نفي ظاهر النص مع التأويل أو التفويض هو معارضته لدليل حدوث الأجسام الذي هو مقتضى العقل القطعي عندهم.
وترتب عليه نفي الوجه واليد والأصابع والاستواء والنزول عن أن تكون صفات لله؛ لأنها توهم الجسمية!!
قال البيجوري في شرح الجوهرة (٩٢) : ( والحاصل أنه إذا ورد في القرآن والسنة ما يشعر بإثبات الجهة أو الجسمية أو الصورة أو الجوارح: اتفق أهل الحق وغيرهم على تأويل ذلك؛ لوجوب تنزيهه تعالى عما دل عليه ما ذكر بحسب ظاهره)
ويقصد بأهل الحق وغيرهم من أخذ بدليل الأعراض وحدوث الأجسام الذي منشؤه الصابئة ولم يعرفه الرسل
وهو بهذا يبين أن دليل الأعراض أقوى من دلالة النص، وأن نفي الجسمية والجهة عن الله قد دل عليه دليل حدوث الأجسام لا دلالة النص الشرعي.

فالقواطع العقلية عندهم هو دليل الأعراض وحدوث الأجسام
وهي أقوى من دلالة الدليل الشرعي

وهذا الدليل قال فيه ابن الجوزي في تلبيس إبليس:( أنا أقطع أن الصحابة ماتوا ولم يعرفوا الجوهر ولا العرض
فإن رضيت أن تكون مثلهم فكن، وإن رأيت أن طريقة المتكلمين أولى من طريقة أبي بكر وعمر فبئس ما رأيت)
والغريب ان الآمدي في غاية المرام (١٩١) قال عنه: ( وهو عند التحقيق سراب غير حقيق)
ومما يبطل الدليل نفسه تناقض أهله فيما يقتضي التجسيم
ثم تناقضهم فيما يطلق عليه الجسم.
وكذا تناقصهم في مقدماته

ومن مقصود من استعمل نفي الجسم: نفي أن تقوم بالله صفات وأنه يُرى وينزل ويستوي وله وجه

وهذا المعنى للجسم حق بمعنى الذي تقوم به الصفات إلا أننا لا نسميه جسما؛ لكونه لم يرد واضطرب من استعمله في معناه.

وإذا كنت -أيها النافي للصفات الخبرية الذاتية- تثبت أنه متصف بالحياة والعلم والقدرة وليس بجسم مع أنه في الشاهد لا يتصف بها إلا من هو جسم ولها محل ومتميزة وليست هي الذات
فكذلك هو مستو على عرشه وله وجه ويد وقدم وليس بجسم

فعرفنا مما سبق سبب التلازم بين إثبات الصفات والجسمية عند من قال إن اتصاف الله بالوجه واليد والقدم والاستواء يلزم منه أن يكون جسما
والأصل الذي اعتمد عليه، وما بني على باطل فهو باطل.

فارفع رأسك أيها السنى، وأثبت ما أثبته الله لنفسه من الصفات
ولا يهولنك التشغيب بمصطلحات وأدلة ما عرفها الأنبياء ولا الصحابة

كتبه د أحمد محمد الصادق النجار

الأحد، 18 سبتمبر 2022

[ التفويض عند السلف والتفويض عند الأشاعرة]

 [ التفويض عند السلف والتفويض عند الأشاعرة] 


إن تصور الأقوال والعقائد من أهم ما يجب أن يعتني به طالب العلم، ومن لم يدرك الفروق لن يميز الحقائق. 


وهناك فروق مؤثرة بين تفويض السلف وتفويض الأشاعرة، فكل واحد منهما استصحب أصوله فيه.. 


وتفصيل ذلك: أن من أصول عقيدة السلف في الصفات إثبات معنى الصفة على حسب مقتضى لغة العرب، وهو تصور ذهني مطلق للصفة مع إثبات التغاير بين حقيقة كل صفة وصفة وإثبات ما دل عليه ظاهر الخطاب..

فالمعنى الذهني مجرد تصور مطلق من غير أن استصحاب صورة خارجية 

وظاهر الخطاب دال على أنها صفات أعيان في الصفات الخبرية الذاتية كالوجه

ولما كان إثبات الصفات إثبات وجود خارجي كان لابد للصفة خارج الذهن من حقيقة خارجية وهيئة، ولذا أثبت السلف المعنى ونفوا علمهم بالكيفيات والحقائق الخارجية 

هذا هو التفويض ومحله

قال الإمام مالك بن أنس: "استواؤه معقول وكيفيته مجهولة".التمهيد ٧/‏١٣٨ 

وقال الإمام معمر بن أحمد الأصبهاني في وصيته التي حكى فيها إجماع أهل الحديث:" والاستواء معقول والكيف فيه مجهول". مجموع الفتاوى لابن تيمية ٥/‏٦١ 

وقال الإمام أبو نصر عبيد الله بن سعيد السجزي:"الواجب أن يعلم أن الله تعالى إذا وصف نفسه بصفة هي معقولة عند العرب، والخطاب ورد بها عليهم بما يتعارفون بينهم، ولم يبين سبحانه أنها بخلاف ما يعقلونه، ولا فسرها النبي - ﷺ - لما أداها بتفسير يخالف الظاهر فهي على ما يعقلونه ويتعارفونه".

رسالة السجزي إلى أهل زبيد (ص١٥٢). 


فالسلف لما فرقوا بين المعنى وبين الحقيقة والكيفية تسلط تفويضهم على ما زاد على المعنى الكلي وما دل عليه الظاهر

إذ المقصود بالمعنى في لغة العرب: بيان ما دل عليه اللفظ.

وأما بيان الذاتي فهو أخص من المعنى اللغوي.

ولم يجر عمل السلف على التفسير بالمعنى الأخص الذي عليه المناطقة 

فقد أخرج البيهقي في الأسماء والصفات (٢/٣١٠) عن ابن عباس أنه فسر استوى ب صعد.

وفي صحيح البخاري(٤/١٢٤) قال أبو الغالية استوى: ارتفع.

وفي البخاري قال مجاهد استوى علا على العرش .

والآثار في ذلك أكثر من أن تحصى.

قال ابن عبد البر في التمهيد (٧/١٤٥): ( أهل السنة مجمعون على الصفات الواردة في الكتاب والسنة وحملها على الحقيقة لا على المجاز إلا أنهم لم يكيفوا سيئا من ذلك)

وعندما أجرى السلف الصفة على ظاهرها لم يريدوا أنه لا معنى لها بحسب لغة الغرب وما عليه الظاهر

قال عبد الله سألت أبي أحمد بن حنبل عن قوم يقولون: لما كلم موسى لم يتكلم بصوت؟

فقال أبي: بلى تكلم بصوت، وهذه الأحاديث نرويها كما جاءت.. 


وأما المفوضة من الأشاعرة فبنوا تفويضهم على أن المعنى هو الحقيقة بناء على الحد التام المنطقي، ولا حقيقة للصفة الخبرية الذاتية كالوجه إلا المشاهد، فحقيقة الوجه بالنظر إلى ذاتيه هو العضو بغض النظر عن الهيئة الخاصة.

فإثبات الوجه عينا عندهم هو إثبات للعضو والجزء، وهذا هو معناه الكلي الذاتي الذي يشترك فيه الخالق والمخلوق، كما توهموا

فكان تفويضهم للمعنى الذي هو الحقيقة والماهية وما زاد عليه من تصور شكل وهيئة خاصة.

ولهم في تفسير التفويض قولان بعد قطعهم بنفي المعنى الظاهر:

الأول: الإمساك عن ذكر الاحتمالات؛ لاحتمال وجود معنى مجازي مقصود لا يعرف.

الثاني: عدم تعيين أحد المعاني الموجودة في لغة العرب.


فالمعنى الذي يثبته السلف للصفة ليس هو المعنى الذي ينفيه الأشاعرة 

وترتب عليه أن تفويض السلف ليس هو تفويض الأشاعرة 


فمعاني الصفات عندهم هي حقائقها الذاتية، والقدر المشترك يكون على الحقائق الذاتية التي لا تعرف إلا بعد مشاهدة الصفة!!

وهذا يلزم منه تفسير جميع الموجودات وصفاتها بحقائقها الذاتية المشاهدة فيترتب عليه ألا نتصور معنى للمغيبات كالجنة والنار والملائكة والصراط والميزان ...؛ لأننا لم نشاهدها، فيؤول بنا الأمر إلى جعلها خيالات!! 


ويقال للأشاعرة المفوضة:

أتثبتون الوجه واليد صفات وجودية في الخارج؟

فإن قالوا: نعم، قلنا: يلزمكم إثبات كيفية مجهولة لنا وإلا كنتم نافين لكونها صفات وجودية في الخارج؛ إذ الصفات الخارجية لها حقائقها التي تتميز بها في الخارج. 


ثم يقال لهم: أتثبتون لها معنى ذهنيا كليا وظاهرا؟

سيقولون: لا نثبت؛ لأن المعنى لا يكون إلا ذاتيا، ومعرفة الذاتي يتوقف على معرفة حقيقة الصفة بالمشاهدة. 


قلنا: يكفي في المعاني الذهنية التصور الذهني للفظ وإن لم نشاهد حقيقة الصفة وذاتياتها

وهذا هو محل الإشكال عندكم 


فإن قلتم: ليست صفات وإنما هي إضافات؛ لأنها لغة أعضاء وأجزاء، ويمتنع عقلا على الله الجسمية

قلنا: بنيتم قولكم على أنها ليست صفات كونها في الحس أعضاء وأجساما

وهنا نسألكم: هل كل عضو وجزء وجسم يجب أن يكون مخلوقا محدثا

فإن قلتم: نعم، لم يسلم لكم الكرامية؛ لأنهم يثبتون جسما لا كالأجسام فانتفى فيه الحدوث والنقصان. 


والذي نقوله نحن: يجب إخراج العضو المخلوق والجسم المحدث من البحث؛ لأنه خارج محل النزاع

وأما ما عداه فلا نتكلم فيه وإنما نثبت اتصاف الذات بصفات تقوم بها 

هذا الذي يعرفه الصحابة والتابعون والأئمة

بل وعامة العقلاء ولا يسمونه تركيبا من أجزاء وأعضاء

فإن سماه مسم تركيبا فهذا النزاع معه في اللفظ ولا يكون مانعا لنا من إثبات الوجه صفة قائمة بالذات ما دمنا ننفي عنه ما هو من خصائص المخلوق 

ولابد في الموجود خارج الذهن من صفات يتميز بعضها عن بعض فيه.

وللكلام بقية في مناقشة أصل منعهم الجسم مطلقا 


كتبه د. أحمد محمد الصادق النجار 


الخميس، 15 سبتمبر 2022

لا عقل ولا شرع ولا لغة في دعاوى الشيخ #مولود_السريري

لا عقل ولا شرع ولا لغة في دعاوى الشيخ #مولود_السريري

قلناها لهم هذا مرارا ولم يفهم الأتباع!!
فنعيد بلغة سهلة

(وأذكر هنا أننا لا نلتزم القواعد المنطقية كما ذكرها المناطقة، وإنما نصحح لهم ما ضلوا فيه
كيف والمنطق وضع ليخدم الفلسفة لا اللغة العربية؟!! )

قلنا لهم: نثبت معاني الصفات الخبرية على مقتضى لغة العرب
قالوا: لا نفهم من المعاني إلا ما عليه الجسم المحدث المخلوق
قلنا لهم: لم توضع الألفاظ في لغة العرب للحقائق الخارجية، وإنما وضعت للمعاني الذهنية
قالوا: لم نفهم
قلنا لهم: هناك معنى مجرد للفظ، هذا المعنى يستعمله العرب مقيدا وفي سياقات
قالوا: ما هي هذه المعاني؟
قلنا لهم: ما يدركه الذهن مجردا، فيدرك من القدم السبق والتقدم، ومن الوجه المواجهة، ومن اليد المقبض ...
وهذا الذي يدركه مجردا لا يستعمل في الخارج إلا مقيدا
فأنتم جئتم للاستعمال المقيد فجعلتموه وضعا، فلما رأيتم الوجه في الشاهد هو وجه المخلوق جعلتموه وضعا
فجنيتم على اللغة!!

قالوا: أخرجنا من اللغة وقولوا لنا هل تثبتون قدرا مشتركا بين الخالق والمخلوق
قلنا: نعم، إلا أن ما به الاشتراك ليس هو بعينه موجودا في الخارج، وإنما يصدق على أفراده
قالوا: أتقصد أن ما به الاشتراك هو بعينه موجود في كل موجود
قلنا: لا، وهذا أصل خطئكم الذي تابعتم فيه المناطقة، ففي الخارج لا نقول بوجود اشتراك وإنما هو تميز واختصاص
قالوا، هل هناك تماثل فيما به الاشتراك الذي هو الجنس
قلنا: لا، لأن ما به الاشتراك يتفاضل أفراده فيه، ثم هو أمر ذهني كلي لا يوجد بعينه في الخارج
قالوا: أليس الجنس أو ما به الاشتراك في الصفات الخبرية هو العضو المشاهد؟
قلنا: قطعا لا، فالعضو المشاهد حقيقة خارجية لا معنى كلي ذهني، والمعاني الكلية الذهنية ليس فيها شيء من خصائص الخالق ولا من خصائص المخلوق، فالتشابه في الأمور الكلية الذهنية ليس هناك ما يمنع منه لا شرعا ولا عقلا
ومحل الاشكال بيننا وبينكم أننا نجعل المعاني الذهنية غير الحقائق وأنتم تجعلون المعاني هي الحقائق أو تدل عليها

وإذا سلمنا لكم جدلا أن العضو ذاتي في الوجه فنقول: هذا بالنظر إلى حقيقة المخلوق.

ثم حدثونا عن صفات المعاني التي تثبتونها كالسمع، ألستم تثبتون أنها صفات حقيقية وجودية قائمة بالذات مع جهلكم بحقائقها وتزعمون أن المعنى الحقيفي الذاتي للسمع الأذن او ما عليه المخلوق
ومع ذلك تثبتون أن هناك نوع اشتراك بين سمع الله وسمع المخلوق
وهذا فيه تناقض ظاهر
لأنكم لو قلتم إن الاشتراك لم يكن في المعنى الذاتي وإنما في لازمه
فنقول لكم: هو تشبيه وعليكم أن تقولوا مثل ذلك في الوجه واليد
فتثبتوا أن الوجه واليد صفات حقيقية وجودية قائمة بالذات وفسروها باللازم مع نفي العلم بحقائقها
وإلا تناقضتم
فإن قلتم إنما فرقنا لأن السمع على ما هو عليه في الشاهد معنى والوجه على ما هو عليه في الشاهد عينا
قلنا: غير مؤثر؛ لأن كليهما في الشاهد صفات للأجسام.
وليس هناك ما يمنع من جعلها صفات قائمة بالموجود القائم بنفسه مع نفي خصائص المخلوق
فإن قلتم: أثبتنا الاشتراك في الكلي والاختلاف في الحقائق الخارجية
فمثلا: ما به الاشتراك في صفة العلم: انكشاف المعلومات، وما به الامتياز هو في الخصائص والحقائق الخارجية
قلنا قولوا مثل ذلك في الوجه فما به الاشتراك وهو المواجهة وما به الامتياز هو في الخصائص.
فإن قلتم: الأفراد في المعنى الكلي العقلي للعلم مثلا لوازم لا حقائق بخلاف الأفراد في المعنى الكلي للوجه فهو جزء حقيقة
قلنا لكم: يلزم عليه أنكم تنفون الحقائق الخارجية للعلم وأن غاية ما تثبتونه لوازمها فلم تكونوا أثبتم صفة العلم حقيقة لله، وهذا يلزمكم في الوجود والذات
ثم إن الكلي العقلي تقولون بأنه لا وجود لأفراد له خارجية

فإن قلتم: لو كان معنى الوجه واليد ...كليا ذهنيا عقليا لما كان له أفراد في الخارج، فالكلي الذهني العقلي لا أفراد له وإنما اعتبارات
وأنتم إنما تثبتونه كليا طبيعيا والكلي الطبيعي يكون ما به الاشتراك جزءا في أفراده وهذا تشبيه
قلنا لكم: هذا هو محل الاشكال عندكم مقلدين قيه طائفة من المناطقة،
فالكلي في جميع أحواله لا يكون إلا ذهنيا
وهو يصدق على أفراده في الكلي الطبيعي لا أنه جزء بعينه موجود في كل فرد، فلا نسلم للمناطقة بأنه جزء من المعين
فالمعنى الكلي الذهني وإن انتزع من مجموع الأفراد إلا أنه انتزع مجردا كليا وليس هو عينه موجودا في الأفراد بعد التخصيص

فالذي نثبته أن المعنى الكلي المطلق ليس هو بعينه موجودا في أفراده وإنما يصدق على أفراده، فالإنسانية المطلقة تصدق على زيد وعمرو لا أن إنسانية زيد هي بعينها إنسانية عمرو
فالوجه بمعنى المواجهة يصدق على وجه الله ووجه المخلوق لا أن المواجهة عينها موجودة في وجه الله ووجه المخلوق فليس هناك تشبيه
فالتباين والاختلاف ليس في الكيفيات فقط بل حتى فيما به الاشتراك بعد الإضافة والتقييد
وليس هذا المعنى بمجازي إلا أن المخالفين لما جعلوا الوجه هو حقيقة وجه المخلوق جعلوا المعاني الأخرى مجازية، وهذا لا نسلم به

قالوا: أليس في إثبات الصفات الخبرية إثبات للجسم؛ لأن الوجه واليد أعيان
قلنا: لم تقيموا البرهان على نفي أن يكون جسما لا كالأجسام
فمعركتكم مع الكرامية لازالت قائمة ولم تحسم

ومع ذلك نحن لا نتكلم في لفظ الجسم،
ونقول لكم: لو كان إثبات الصفات الخبرية الذاتية يلزم منه أنه جسم؛ لأنه لا يوجد في الشاهد من يتصف بهذه الصفات إلا وهو جسم
فبماذا تجيبون المعتزلة الذين يقولون لكم: ولا نعقل في الشاهد من يتصف بالعلم والسمع والبصر إلا ما هو جسم
فإن قلتم: نحن نثبت السمع والبصر على أنها معان لا أجرام لها
يقال لكم: كيف عرفتم أنها معاني؟ أليس بالنظر إلى ما تشاهدونه في المخلوق
فقد أثبتم مشابهة؟!!
ثم إن هذه المعاني تقوم بالذات في الشاهد كما أن الصفات الخبرية كالوجه تقوم بالذات في الشاهد فلماذا فرقتم في إثبات الجسمية؟!!
ثم إن صفات المعاني الوجودية مما تميز به الذات ومع ذلك نفيتم أن يلزم منها الجسمية.

والخلاصة: أصل الخلاف معكم هو جعل الوضع العربي وما به الاشتراك هو: ما هو عليه في الشاهد
وترون أن هذه هي الحقائق.

ونحن نخالفكم فيه ويلزم عليه لوازم باطلة

كتبه د. أحمد محمد الصادق النجار

http://abuasmaa12.blogspot.com/2022/09/blog-post_15.html


الاثنين، 12 سبتمبر 2022

هل أنصف #الأشاعرة الذين وصفوا #أهل_الحديث بالمجسمة؟

 

هل أنصف #الأشاعرة الذين وصفوا #أهل_الحديث بالمجسمة؟

لو أنصفوا لقالوا: "مثبتة الصفات الخبرية العينية الذاتية, وأنهم يثبتونها على خلاف ما هو ثابت للخلق، فأثبتوا لله وجهًا بخلاف وجوه الخلق، ويدًا بخلاف أيدي الخلق"

فالإنصاف أن تحكي قول أهل الحديث, لا لازمه عندك, فتقع في تقويلهم ما لم يقولوه
فنحن لا نثبت جزءا وبعضا وجسما وعضوا, وإنما نثبت صفات كالوجه واليد على خلاف ما هو ثابت في المخلوق, كما نثبت ذاتا على خلاف ما هو ثابت من ذوات المخلوقين

فإن كنت لا تفهم من هذا الإثبات إلا العضو الحسوس والجسم المخلوق فهذا شأنك أنت, وهو قصور منك.

ثم المفهوم من إضافة الوجه واليد لله هو ظاهر القرآن, والمخاطب بظاهر القرآن عموم المسلمين الذين لا يدركون فلسفتك ولم يحدث لهم الظاهر أي شبهة,
فلو كان فهمك هو الذي دل عليه الظاهر الذي خاطب الله به العامة لأشكل ذلك عليهم وإذا سألوا وجب على النبي صلى الله عليه وسلم البيان وكذلك الصحابة فلما لم يفعلوا دل ذلك على أن فهمك ليس هو ظاهر القرآن.

كتبه د. أحمد محمد الصادق النجار

الخميس، 8 سبتمبر 2022

شبهات حول القدر المشترك في الصفات الخبرية

شبهات حول #القدر_المشترك في الصفات الخبرية

لا يزال المتكلمون يوردون الشبه تلو الشبه لأجل نفي القدر المشترك في الصفات الخبرية
مع تكرار وقوعهم في نفس الخطأ المتعلق بأصل الاستدلال

وأصل الإشكال عندهم:
1- توهم أن إثبات معاني الصفات الخبرية -ومنها اليد- على ما تقتضيه اللغة إثبات لذاتيات الماهية, وأن الذي في الخارج معنى عاما يوجد عاما في الخارج، وهو نفسه مشترك, بمعنى أن الذي في الخارج عضو له صورة هو نفسه مشترك في كل من أضيفت إليه اليد
وقد بينت في نقضي على #مولود_السريري أن الذاتيات دخيلة على العربية ولا تستقيم في صفات الله؛ لأنه لا يتوصل إلى الذاتي إلا بتصور #ماهية_الصفات والموصوف والحقيقة الخارجية، فمعرفة الذاتيات التي لا تتصور الماهية إلا بها متوقف على معرفة ماهية الموصوف، فإذا لم نعرف ماهية الموصوف فكيف نعرف الذاتيات؟!
وحتى لو قلنا بإثبات المعنى الحقيقي الذاتي فنحن نثبته على أنه ذهني كلي لا يتماثل فيه أفراده, ولا نتصور في الذهن صورة, فهذا من خصائص الوجود الخارجي لا الذهني, فلا يشتركان في أمر معين موجود في الخارج
ومع إثبات الاشتراك في #مسمى_اليد الذهني إلا أن التميز يحصل باليد المختصة المضافة.
فهؤلاء يتوهمون من المعنى الذهني العام المشترك أنه شيء موجود يكون بعينه في هذا وهذا.
2-توهم أن إثبات اليد إثبات لعضو وأن هذا من خصائص جسم المخلوق, وهذا مما لا يلتزمه أهل الحديث, فأهل الحديث يثبتون الصفة على خلاف ما هو ثابت في المخلوق, ولا يخوضون في الألفاظ المجملة
واليد إنما كانت عضوا -بالحقيقة المشاهدة- وجارحة بالنظر إلى الإنسان الذي أضيفت إليه اليد، فكانت مساويا لذات الإنسان ومن جنسه؛ لان نسبة اليد إلى الإنسان من نسبة الجزء إلى الكل
وأما اليد المضافة إلى الله فإننا ننسبها إليه كما ننسب الذات إلى الله، وتفريقكم بين اليد والذات تحكم.

3-توهم أن اليد جزء من الجملة التي في الذهن, فالجملة عندهم مركبة من أجزاء وأنها متقدمة عليه,
وهذا معلوم انتفاؤه بالضرورة في الخارج, فالموجود في الخارج صفات قائمة بالموصوف ليست متقدمة عليه ولا كانت أجزاء متفرقة فركب منها, فعندما يقال: الإنسان له وجه ويد ويتحرك, فليس الإنسان  في الخارج مركبا من هذه الأجزاء، وأنها متقدمة عليه أو أنها جواهر
فاتصاف الذات بالصفات لا يسمى تركيبا في اللغة والشرع والعقل والحس, ولو سماه مسم تركيبا كان النزاع معه في اللفظ.
وهناك تلازم بين الذات والصفات, فلا توجد الذات إلا مع وجود صفتها الملازمة لها ولا توجد الصفة إلا مع وجود الذات الملازمة لها.
وتسمية الصفة جزءا هذا أمر في ذهن المسمي وليس أمرا في الخارج.

فعلم من ذلك ضلال من زعم أن أهل الحديث عند إثباتهم القدر المشترك يثبتون المعنى العقلي (ما به يقبض) وملزومه ( صورة مخصوصة لليد وإثباتها عينا ),
ولما لم يتصور من المعنى الحقيقي والملزوم إلا ما يوهم الحدوث والنقص, جعلهم مشبهة ومتناقضين: مشبهة؛ لأن إثبات المعنى الكلي الحقيقي إثبات لصورة مخصوصة وهذه مستحيلة؛ لأنه تجسيم, وتناقض؛ لأن نفي الملزوم نفي لكل صورة مع أنهم يثبتون المعنى الحقيقي الذي هو صورة, وهو تناقض
ويرى هؤلاء أن الواجب إثبات المعنى العقلي لليد الذي يقتضي نفي كل صورة وإثبات معنى مجرد من كل صورة, فهو معنى تجريدي فلا تبقى صورة ولا عين, فيجعلون هذا من باب التأويل باللازم العقلي المجرد مع نفي الملزوم وهو الصورة وأنها عين
وقد فسر الغزالي المعنى العقلي المجرد بما يتلقاه العقل مجردا من غير أن يثبت له صورة في الخيال أو في الحس أو في الخارج.
وهذا قول آخر غير قول مولود السريري الذي ينفي المعنى المجرد مطلقا فلا يبقى لها معنى نعلمه نحن.

ونقول في مناقشتهم:
إنهم ينطلقون من الكلي العقلي لا الكلي الطبيعي فالمناطقة يجعلون الكلي العقلي وهو المطلق بشرط الإطلاق لا يكون في الخارج بخلاف الكلي الطبيعي وهو المطلق لا بشرط الإطلاق فيكون في الخارج فيطلق على هذا وهذا...
ومعلوم أن ما كان كليا يكون كليا في الذهن لا في الأعيان, والكلي الطبيعي لا يكون ما في الخارج مماثلا له من كل وجه بل يكون ما في الخارج معينا, له خصائصه التي تختص به, وأما الكلي العقلي الذي يكون مجردا في الذهن عن كل قيد ثبوتي وسلبي فلا يكون إلا في الأذهان لا في الأعيان.
فإذا جعلتم معنى اليد معنى عقليا مجردا عن كل قيد لم تكن اليد موجودة في الخارج باتفاق العقلاء، بل أمر يفرضه الذهن، كما يفرض الجمع بين النقيضين, فلا يوجد في الخارج يد بشرط الإطلاق فتكونون قد نفيتم أن تكون اليد صفة حقيقية لله وأنه لا وجود لها في الخارج
ويكفي في رد هذا لما كان معظما للوحي أن القرآن يثبت اليد لله صفة قائمة به موجودة في الخارج  توصف بالقيض والبسط والطي ..., فلو كانت لا وجود لليد الحقيقة العينية في الخارج لما وصفت وثنيت
وقد أثبت الصحابة وأئمة الحديث لها وجودا في الخارج ورتبوا عليه أحكاما, فقد أخرج الدارمي عن عبد الله بن عمر قال: (خلق الله أربعة أشياء بيده العرش والقلم وعدْن وآدم ثم قال لسائر الخلق كن فكان) فليست اليد هنا عنده بمعنى القدرة, وقد خص خلق أشياء بها.
وعن عطاء بن السائب عن ميسرة قال:  (إن الله لم يمس شيئًا من خلقه غير ثلاث خلق آدم بيده وكتب التوراة بيده وغرس جنة عدن بيده)
وعن كعب قال: ( لم يخلق الله بيده غير ثلاث خلق آدم بيده وكتب التوراة بيده وغرس جنة عدن بيده ثم قال لها تكلمي قالت قد أفلح المؤمنون)

وأنتم لما نفيتم أن تكون اليد الحقيقية صفة لله قائمة به جعلتم إضافتها إلى الله إضافة خبرية, بمعنى أنها مضافة إليه لا صفة قائمة به, وتسمون نصوصها بنصوص الإضافات موافقة للمعتزلة؛ لأن اليد الحقيقية عندكم عضو وجزء جسم

ولا ريب إن جعلتم الجسمية والعضو والجزء من جنس ما عليه المخلوق فإننا ننفيه في حق الله سبحانه لكن نمنع أن يكون لازم إثبات اليد الحقيقية الجسمية والعضو والجزء بالمعنى الذي عليه المخلوق
ولما كان إطلاق الجسم والعضو والجزء لم يرد في الكتاب والسنة ويحتمل حقا وباطلا لم يتكلموا فيه أهل الجديث بنفي ولا بإثبات.

وأصل شبهة المتكلمين أنهم ظنوا أنهم بذلك ينزهون الله عن التشبيه, وأنهم متى جعلوا اليد عينا قائمة بذات الله كانوا قد جسموا وشبهو!!
وما علموا أن التشبيه المنفي عن الله هو ما كان وصفه بشيء من خصائص المخلوقين، أو أن يجعل شيء من صفاته مثل صفات المخلوقين ; بحيث يجوز عليه ما يجوز عليهم، أو يجب له ما يجب لهم، أو يمتنع عليه ما يمتنع عليهم مطلقا.
وأما من أثبت يدا على خلاف ما عليه يد المخلوف انتفى في حقه التشبيه المنفي عن الله,

ويجب أن يعلم: أن أصل الخلاف معهم في مصادر المعرفة القطعية, فعندهم أنه لا قطع يعلم من الشرع, وإنما القطع يؤخذ من العقل,  وكل نص صادم ظاهره ما اقتضاه العقل قدم العقل عليه, وقد دل العقل على استحالة أن يكون الله جسما, والجسم ما ركب من أجزاء, فيكون اتصاف الله بالصفات الخبرية كالوجه يلزم منه أن يكون جسما, فإذا استحال أن يكون الله جسما استحال أن يكون متصفا بالصفات الخبرية.
وهذا كله ليس بلازم, وليس في العقل ولا في الشرع ما يمنع من اتصاف الله بالصفات التي هي على خلاف ما عليه المخلوق.
كتبه
د. أحمد محمد الصادق النجار
https://abuasmaa12.blogspot.com/2022/09/blog-post_8.html?spref=tw


الأحد، 4 سبتمبر 2022

ما الإشكال عند من ينفي الصفات الخبرية؟

خاص بطلبة العلم

ما الإشكال عند من ينفي #الصفات_الخبرية؟

عندما قرأت التعليقات على منشوراتي في توضيح طريقة السلف -أهل الحديث- في إثبات الصفات الخبرية, وأن إثبات #المعنى_الكلي لا يلزم منه تماثل أفراده فيه, فضلا عن أن يكون هناك اشتراك خارج الذهن بعد التقييد, فعندما نقول وجه الله ووجه المخلوق لم يتماثلا في المعنى الكلي للوجه وهو المواجهة, وإنما تفاضلا فيه وإن اشتركا في الذهن,مع اختلاف الحقائق والكيفيات في الخارج, كما هو القول في الوجود والذات...
وجدت أن هناك إشكالا يلاحق كل من ينفي إثبات معنى للصفات الخبرية كالوجه واليد, وهذا الإشكال طغى على تفهم الوضع اللغوي والقدر المشترك بحيث إن كل من أزته فطرته إلى إثبات معنى الوجه -مثلا- لله سبحانه على ما يقتضيه الوضع؛ إذ إن الفطرة تدعوه إلى إثبات معنى يحصل به فهمٌ لكمال الله وتعقل له من جهة المعنى الكلي؛ مما يترتب عليه أثر تعبدي
: يلوح له الإشكال الذي تلوث به ذهنه؛ وهو أنه يلزم منه أن يكون الله جسما مركبا من أعضاء!!

فسجن نفسه في ألفاظ ولم ينتقل منها إلى المضامين وما لا يحيله العقل!

وسأحاول أن أخرج بكم من البحث في الألفاظ إلى النظر في المعاني العقلية, ومن البحث في الصفات الخبرية إلى البحث في الجسمية..

فأقول لهؤلاء: أنتم بنيتم نفي الصفات الخبرية عن الله على نفي الجسم عن الله, وقد اختلف المتكلمون فيما ركبت منه الأجسام, فمنهم من جعلها مركبة من الأجزاء المنفردة، ومنهم من جعلها مركبة من المادة والصورة ومنهم من جعلها ليست مركبة لا من هذا ولا من هذا, إلى غير ذلك
ومن المعلوم بالضرورة أن الله ليس مركبا من الأجزاء المنفردة، ولا من المادة والصورة، ولا يقبل سبحانه التفريق والانفصال ولم يكن متفرقا ثم جمع
فهذا كله ممتنع في حق الله, ولا تفهم هذه الأمور من ظواهر نصوص الكتاب والسنة, وليست هي لازمة لمن أثبت الصفات الخبرية, فالصحابة ومن تبعهم لم يجعلوا اتصاف الله بها قابلا للتفريق والانفصال ولا أنها كانت متفرقة ثم جمعت في ذاته سبحانه, ولا جعلوا الله مركبا من الجواهر ولا من المادة والصورة
فالله عندهم إنما كان بصفاته, وهو واجب الوجود بها, ولم يركبه مركب, ولا يصح أن يقال هو مفتقر إلى صفاته.
فكما ترون أن المعاني المنفية عن الله التي تثبتونها في الأجسام المحسوسة ننفيها ولا نجعلها لازمة لإثبات الصفات لله, ولا هي ظاهر نصوص الكتاب والسنة, ولا كان الصحابة يعتقدونها عند إثباتهم معاني الصفات الخبرية.
كيف وإثبات تماثل الأجسام المخلوقة باطل في نفسه؟!, وقد قال الرازي في أساس التقديس (إثبات أن الأجسام متساوية في تمام ماهيتها هذا مطلوب صعب الإلزام).

فمن سمى الموجود في الخارج القائم بنفسه المتصف بالصفات جسما؛ لأنه يشار إليه, وله حقيقة تخصه وهو متميز عن غيره
مع نفيه المعاني التي يتنزه عنها الله
يكون النزاع معه في اللفظ وليس في المعنى,
ولا تملكون دليلا على نفي هذا المعنى, بل العقل يوجب إثباته.
وانظر إلى كلام أبي الحسن الأشعري في اللمع (18) وقد نقلته في رسالتي"تبصير ذوي العقول بحقيقة مذهب الأشاعرة في الاستدلال بكلام الله والرسول" يقول فيه: (وإن أراد لم لا تسمونه جسما وإن لم يكن طويلا عريضا مجتمعا؟
فالأسماء ليست إلينا, ولا يجوز أن نسمي الله باسم لم يسم به نفسه, ولا سماه به رسوله صلى الله عليه وسلم, وأجمع المسلمون عليه, ولا على معناه)
ويقول الآمدي في أبكار الأفكار (2\16): (وإن قيل جسم لا كالأجسلم كان النزاع في اللفظ دون المعنى)
فأين ذهب صنم الجسمية؟!

ولا يمكن لمذهب من المذاهب أن ينفي عن الله مطلق الصفات؛ لأن كونه موجودا يوجب اتصافه بالصفات, وإلا خرج من الوجود إلى العدم.
حتى جهم بن صفوان مع قوله بوجود موجود لا يمكن إحساسه اضطر لإثبات بعض الصفات.

أرأيتم لما انتقل البحث في المعاني تغيرت النظرة!!

فلو قال قائل لمن أثبت صفة العلم أنه يلزم من ذلك أن يكون مركبا من ذات وعلم فيكون جسما لم يكن لفظ الجسمية سببا لنفي صفة العلم؛ لأنه ليس هناك محذور في المعنى, فليس المقصود من إثبات العلم أن العلم ينفصل عنه أو كان متفرقا فجمع, وإنما المقصود أن العلم قائم بذاته على الحقيقة المختصة به.
والذات المستلزمة للصفة لا توجد إلا وهي متصفة بالصفة،
وإذا سميت الوجه جزءا وبعضا مع نفي المعاني التي ينزه عنها الرب ومنها عضو المخلوق فهذا اصطلاح منك, ولا شيء فيه من جهة المعنى؛ إذ المجموع لا يوجد إلا بوجود جزئه.

فرجع الأمر إلى تحرير هذه الألفاظ لا إلى نفي الصفات الخبرية.

لكن المستشنع حقيقة والذي لا يقبل هو:
1-أن تجعل آيات الصفات دالة على معاني تستحيل في حق الله
2-أن يطلب الهدى من غير ما دل عليه ظاهر القرآن والسنة.
3-أن ينفى عن الله ما وصف به نفسه من صفات الكمال.
4- توهم أن الله وصف نفسه بما يفهم منه النقص وما يستحيل في حق الله
5-أن يجعل الصحابة -الذين أثبتوا معاني الصفات- قد أثبتوا لله ما لا يليق به سبحانه ورتبوا عليها أحكاما

فهؤلاء الذين هجم عليه شبح الجسمية قد ألحقوا النقص بذات الله وصفاته وكتابه مع أنهم يريدون تنزيه الله عن النقائص!!

ولما كانت هذه حقيقة صنيع المتكلمين من المعتزلة ومتأخري الأشاعرة مع القرآن جاء الاعتذار منهم بأن الله يفعل ذلك ابتلاء!!

ثم يأتي من لا يفهم حقيقة الخلاف وأصله فيهون الخلاف ويسوغه, ولا يريد منا أن ندافع عن القرآن وصفات الله سبحانه وأن نناقش نقاشا علميا وفق أدب الحوار.

والأدهى أن يجعل الحق متوزعا في الطوائف وهو ضائع فيها, فلم يتمحض الحق في فرقة, فينتفي أن يكون هناك سبيل واحد يجب اتباعه!!
وهذا في نفسه مخالف لقطعي النصوص والإجماع, وفاسد في لوازمه.

كتبه د. أحمد محمد الصادق النجار

الجمعة، 2 سبتمبر 2022

الهوية الدينية الليبية

 الهوية الدينية الليبية


الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده

أما بعد, فإن الهوية التي يجب أن ينادي بها المصلحون وتقوم عليها الهوية الدينية الليبية هي ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الأخيار ومن اهتدى بهديهم واقتدى بسنتهم من الأئمة الأبرار في الاعتقاد والسلوك وما هو معلوم من الدين بالضرورة

وما وقع فيه خلاف بينهم يجب أن يوسع فيه الأمر ولا يضيق فيه على الناس, وهو ما كان عليه الإمام مالك لما رفض أن يلزم الناس بالموطأ, خصوصا مع ما وصل إليه زمننا من التفتح على الآراء عبر الانترنت وغيره

هذا الذي يجب عقد المؤتمرات عليه وإقناع الليبين به, أما إحياء النعرات وإذكاء التعصب فما هو إلا زيادة فرقة, وتجذير لها.

ولا يمكن أن يحمل بلد على مذهب واحد؛ لتعدد المشارب واختلافها, ولا أن يحفظ البلد بذلك, وإنما هو سبيل لخلق النزاع وافتراق الكلمة.

وقد عرف عن علماء ليبيا على مر العصور اختلاف مذاهبهم وتنوع مشاربهم, فتجد فيهم الحنفي في الفقه, ومن كان على اعتقاد أهل الحديث, وتجد فيه الإباضي, فعلى أي هوية يتحدث هؤلاء؟! 

ثم إذا أردنا أن نشكل هوية دينية لليبيا فيجب في الهوية أن تناسب فطرة الليبين وتعظيمهم للقرآن والسنة لا أن تشكل الهوية على ما هو مخالف للفطرة, ومناقض للنصوص الشرعية, فهذا يؤدي بهم إلى النفرة من الدين ويفتح باب التشكيك فيه.

ويجب أن تُكوَّن الهوية على أساس التعاون على البر والتقوى, ورحمة من تراه مخالفا, وجداله بالتي هي أحسن, لا أن يزرع فيهم ما يؤدي إلى رفع السلاح بينهم.

فمثل هذه المؤتمرات لا أراها إلا زرعا للشقاق وسبببا لرفع السلاح.


ثم نطرح هنا سؤالا: هل الهوية الدينية الليبية في الاعتقاد: الأشعرية؟

المعروف عن أهل المغرب أنهم كانوا على الأثر ولا يقبلون علم الكلام ومن ظهر عليه علم الكلام يعادونه, وإنما نشر فيهم بعد ذلك بالقوة

والقصة أن ابن تومرت سافر إلى المشرق ولقي علماء الأشاعرة فأخذ عنهم المذهب الأشعري, ثم رجع إلى المغرب فحملهم على المذهب الأشعري, وكان يلقب بالمهدي, ولقب أصحابه القائلين بعقيدته بالموحدين, إشارة إلى أن غيرهم ليسو موحدين.

وكان يقرب من المعتزلة في باب الصفات, وفي أكثر المسائل على مذهب الأشاعرة.

وابن تومرت: (( كان يدعي أنه حسني علوي، وهو من جبل السوس في أقصي المغرب. نشأ هناك، ثم رحل إلى المشرق لطلب العلم، ولقي أبا حامد الغزالي، وإلكيا أبا الحسن الهراسي، وأبا بكر الطرطوشي، وجاور بمكة، وحصل طرفا جيدا من العلم. ...

 فأتى فاس، وأظهر الأمر بالمعروف، وكان جل ما يدعو إليه علم الاعتقاد على طريقة الأشعرية، وكان أهل المغرب ينافرون هذه العلوم، ويعادون من ظهرت عليه، فجمع والي فاس الفقهاء له، فناظرهم، فظهر عليهم لأنه وجد جوا خاليا وناسا لا علم لهم بالكلام، فأشاروا على المتولي بإخراجه، فسار إلى مراكش، وكتبوا بخبره إلى ابن تاشفين، فجمع له الفقهاء، فلم يكن فيهم من يعرف المناظرة إلا مالك بن وهيب، وكان متفننا قد نظر في الفلسفة، فلما سمع كلامه استشعر حدته وذكاءه، فأشار على أمير المسلمين ابن تاشفين بقتله، وقال: هذا لا تؤمن غائلته، وإن وقع في بلاد المصامدة قوي شره، فتوقف عن قتله دينا، فأشار عليه بحبسه، فقال: علام أسجن مسلما لم يتعين لنا عليه حق، ولكن يخرج عنا، فذهب هو وأصحابه إلى السوس، ونزل تينملل، ومن هذا الموضع قام أمره، وبه قبره، فلما نزله اجتمع إليه وجوه المصامدة، فشرع في بث العلم والدعاء إلى الخير، وكتم أمره، وصنف لهم عقيدة بلسانهم، وعظم في أعينهم، وأحبته قلوبهم، فلما استوثق منهم دعا إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونهاهم عن سفك الدماء، فأقاموا على ذلك مدة، وأمر رجالا منهم ممن استصلح عقولهم بنصب الدعوة، واستمالة رؤساء القبائل.

وأخذ يذكر المهدي ويشوق إليه، وجمع الأحاديث التي جاءت في فضله، فلما قرر عندهم عظمة المهدي ونسبه ونعته، ادعى ذلك لنفسه، وقال: أنا محمد بن عبد الله، وسرد له نسبا إلى علي عليه السلام، وصرح بدعوى العصمة لنفسه، وأنه المهدي المعصوم، وبسط يده للمبايعة فبايعوه، فقال: أبايعكم على ما بايع عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صنف لهم تصانيف في العلم، منها كتاب سماه: " أعز ما يطلب "، وعقائد على مذهب الأشعري في أكثر المسائل، إلا في إثبات الصفات، فإنه وافق المعتزلة في نفيها، وفي مسائل قليلة غيرها )) تاريخ الإسلام للذهبي 11\408


وأخيرا: ربط #المذهب_المالكي بما استقر ت عليه #العقيدة_الأشعرية تكتنفه عدة اشكالات منها:

١-تأخر العقيدة الأشعرية زمنا ومضمونا، وهذا يلزم منه عدم صحة الربط أصالة؛ لعدم اعتناق مؤسسي المذهب-إن صح التعبير- لهذا المعتقد.

٢-تصريح جماعة من أئمة المذهب المالكي بما يخالف ما استقرت عليه عقيدة الأشاعرة 

ومن ذلك ما صرح به إمام المذهب في عدة مسائل عقدية، وكذا ما صرح به ابن عبد البر والطلمنكي وغيرهم

وهذا يمنع من صحة الربط مضمونا

٣- اعتناق جماعة من المتأخرين المنتسبين إلى المذهب المالكي للعقيدة الأشعرية لا يسوغ أن تجعل العقيدة الأشعرية ملازمة للمذهب المالكي؛ لأن إثبات الملازمة فرع اثبات الاعتناق الكلي الشامل، وهذا افتراض وهمي، فمتقدموا أئمة المالكية  لم يعتنقوا المذهب الأشعري المتأخر زمنا ومضمونا، ولا يتصور منهم ذلك.

٤-يلزم على هذا الربط إخراج جملة من أئمةالمذهب المالكي ومنهم مالك عن أن يكونوا مالكية؛ لأنهم ليسوا أشاعرة.

٥- عُرف عن أئمة المالكية إنكارهم الشديد لعلم الكلام، والعقيدة الأشعرية بنيت على علم الكلام

فكيف يصح الربط؟!

وفي الختام: لا يشك كل متأمل مطلع متجرد للحق أن مالكا وجماعة كبيرة من ائمة المذهب كانوا على عقيدة أهل الحديث, وهذا الذي يتناسب مع عصر مالك والعصور التي سبقت استقرار العقيدة الأشعرية, وهي التي شهدت الانكار الشديد على علم الكلام.

كتبه د. أحمد محمد الصادق النجار