الجمعة، 26 فبراير 2021

فقه علي رضي الله عنه في المصالحة ومراعاة حال الضرورة والاستفادة منه في بلدنا ليبيا

 

فقه علي رضي الله عنه في المصالحة ومراعاة حال الضرورة

والاستفادة منه في بلدنا ليبيا

إن فقه الضرورة فقه عظيم يلجأ إليه المجتهد عند تحقق دواعيه وتوفر أسبابه, ومن الغلط البين إغفال هذا الفقه وتناسيه؛ مما يؤدي إلى فتن عظيمة ومفاسد كبيرة.

فعند وجود العجز, أو ترتب مفاسد كبيرة على جلب مصلحة يأتي فقه الضرورات, ومنه ما حصل في زمن علي لما قتل عثمان رضي الله عنهم وإنما سميتها مصالحة من باب التجوز.

 وتقرير هذا الفقه المقاصدي من الخليفة الراشد علي رضي الله عنه على النحو الآتي:

لما قُتل عثمان رضي الله عنه من قِبَل من خرج عليه من غوغاء الناس وسفهائهم, وتنادى الناس بمبايعة علي رضي الله عنه, حصل خلاف في التعجيل بالقصاص من قتلة عثمان أو تأخير ذلك.

فاقتضى فقه علي رضي الله عنه التأخير؛ إذ كان جماعة منهم في جيشه, ولم يستقر له أمر الخلافة على كماله وتمامه.

فبنى علي رضي الله عنه اجتهاده على ما تدعو إليه الشريعة من فقه المآلات والموازنة بين المصالح والمفاسد, وعدم الاعتناء بجلب المصلحة إذا كان جلبها يفضي إلى مفسدة أكبر وفتنة أشد, وراعى أيضا حال الضرورة, فهو  لم يكن متمكنا من القصاص منهم إلا بما فيه مفسدة أكبر؛ لأنهم كانوا أصحاب شوكة ولهم قبائل تغضب لهم, فأخذ بأدنى المفسدتين, قال ابن تيمية في منهاج السنة النبوية (4/ 407): (...بل لم يكن علي مع تفرق الناس عليه متمكنا من قتل قتلة عثمان إلا بفتنة تزيد الأمر شرا وبلاء، ودفع أفسد الفاسدين بالتزام أدناهما أولى من العكس؛ لأنهم كانوا عسكرا، وكان لهم قبائل تغضب لهم)

وقال محب الدين الخطيب في تعليقه على العواصم من القواصم لابن العربي (ص: 165): (ليس في أهل السنة رجل واحد يتهم عليا بقتل عثمان، لا في زماننا ولا في زمانه. وقد مضى الكلام على ذلك في هذا الكتاب. وكل ما في الأمر وجود قتلة عثمان مع علي، وموقف علي منهم، وعذره بينه وبين الله في موقفه هذا. فنحن جميعا على رأي القعقاع بن عمرو بأن موقف علي موقف ضرورة).

وهذا الفقه مع أن معاوية رضي الله عنه كان معارضا له, فقد طالب عليا بدم قتلة عثمان إلا أنه لما تولى الخلافة رجع إليه, قال ابن تيمية في منهاج السنة النبوية (4/ 407): (ومما يبين ذلك أن معاوية قد أجمع الناس عليه بعد موت علي، وصار أميرا على جميع المسلمين، ومع هذا فلم يقتل قتلة عثمان الذين كانوا قد بقوا.

بل روي عنه أنه [لما قدم المدينة حاجا فسمع الصوت في دار  عثمان: " يا أمير المؤمنين اه، يا أمير المؤمنين اه "

، فقال: ما هذا؟ قالوا: بنت عثمان تندب عثمان. فصرف الناس، ثم ذهب إليها فقال: يا ابنة عم إن الناس قد بذلوا لنا الطاعة على كره، وبذلنا لهم حلما على غيظ، فإن رددنا حلمنا ردوا طاعتهم؛ ولأن تكوني بنت أمير المؤمنين خير من أن تكوني واحدة من عرض الناس، فلا أسمعنك بعد اليوم ذكرت عثمان).

 

الخلاصة المتعلقة بالمصالحة في ليبيا:

يجب مراعاة حال الضرورة في بلادنا ليبيا, والنظر إلى مسألة المصالحة نظرا مقاصديا مع عدم إغفال الحقوق عند قيام الدولة وقوتها, وتفعيل القضاء, فالحقوق تؤخر إلى أن ينتفي العجز وتقوم الدولة وتتحقق المصلحة بلا مفسدة أرجح.

كتبه: أحمد محمد الصادق النجار

الخميس، 4 فبراير 2021

[فلان أعلم منك فلماذا تخالفه؟]

 

[فلان أعلم منك فلماذا تخالفه؟]

هذه معارضة فاسدة؛ لأن العالم الفلاني قد خالفه من هو نظيره أو من هو أعلم منه في هذه المسألة الاجتهادية.

وليس القول الذي قال به أدنى المجتهديْنِ اخترعه من عنده أو أنه لم يُسبق إليه, أو لا تحتمله المسألة احتمالا قريبا, ولهذا كانت المعارضة فاسدة في نفسها ولا تصح أن تكون حجة لعدم المخالفة والإفتاء بخلاف ما عليه الأعلم, فقد أخرج البخاري في صحيحه (2/ 142) عن مروان بن الحكم، قال: شهدت عثمان، وعليا رضي الله عنهما وعثمان «ينهى عن المتعة، وأن يجمع بينهما»، فلما «رأى علي أهل بهما، لبيك بعمرة وحجة»، قال: «ما كنت لأدع سنة النبي صلى الله عليه وسلم لقول أحد»

قال ابن حجر في فتح الباري (3/ 425): (وفيه أن المجتهد لا يلزم مجتهدا آخر بتقليده؛ لعدم إنكار عثمان على علي ذلك مع كون عثمان الإمام إذ ذاك)

وعدم الإنكار كان في حضور الصحابة؛ مما يعد إجماعا.

وقد ناظر  بعض الناس ابن عباس في المتعة فقيل له: هذا قول أبي بكر وعمر، فقال ابن عباس: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول قال رسول الله: وتقولون قال أبو بكر وعمر!!.

فلم يكن ابن عباس يهاب الفتوى مع وجود من هو أعلم منه قطعا كأبي بكر وعمر رضي الله عنهم, ولم يفت الناس برأي أبي بكر وعمر أو قال: الله أعلم؛ احتراما لهما,

ونكتة المسألة: أن العبرة بالأهلية وظهور الصواب أو غلبته على الظن, وقد تهيب طائفة من السلف الفتوى لعدم ظهور الصواب عندهم أو لعدم غلبته, وتدافعوها ورعا؛ حتى لا يخطئوا مراد الله سبحانه, فل نحمل المسائل ما لا تحتمل!!.

وإذا استحضرنا أن الاجتهاد يتجزأ, وأن الأفضلية العامة لا تنفي المزية الخاصة, بمعنى أن وجود الأعلم من حيث العموم لا ينفي وجود من هم أعلم منه في باب أو مسألة أحاط بتفاصيلها, ظهر لنا جليا وجه المسألة وهي عدم تهيب الفتوى مع وجود من هو أعلم.

فإن قيل: لابد من الرجوع إلى مفت واحد في البلد حتى يصدر الناس عن قول واحد وتجتمع الكلمة.

قيل: صدور أهل بلد عن رأي واحد في مسائل الاجتهاد غير واقع كونا ولا هو مطلوب شرعا, وإنما يطلبه بعض الناس عاطفة من غير إدراك لواقعهم الذي صار العالم فيه كقرية صغيرة, ومن غير إدراك أيضا لمقصد الشارع من وقوع الخلاف في مسائل الاجتهاد؛ إذ إن المقصود من احتمال الأدلة ووقوع الخلاف فيها: التوسعة على الناس ورفع الحرج عنهم, ولا ينافي ذلك مقصد اجتماع الكلمة على الحق؛ إذ الحق في هذه المسائل تسويغ الخلاف واجتماع الناس على هذا التسويغ, فلا ينكر بعضهم على بعض, وتبقى القلوب مؤتلفة مجتمعة, كما كان الأمر في عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم.

قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (30/ 80): (وكان عمر بن عبد العزيز يقول: ما يسرني أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا؛ لأنهم إذا اجتمعوا على قول فخالفهم رجل كان ضالا وإذا اختلفوا فأخذ رجل بقول هذا ورجل بقول هذا كان في الأمر سعة. وكذلك قال غير مالك من الأئمة: ليس للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه. ولهذا قال العلماء المصنفون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أصحاب الشافعي وغيره: إن مثل هذه المسائل الاجتهادية لا تنكر باليد وليس لأحد أن يلزم الناس باتباعه فيها؛ ولكن يتكلم فيها بالحجج العلمية فمن تبين له صحة أحد القولين تبعه ومن قلد أهل القول الآخر فلا إنكار عليه).

وإنما الذي ينافي الاجتماع على الحق من ينادي بمثل هذه الدعوات, ويريد أن يلزم الناس -بصنيعه هذا- على قول مفت أو مؤسسة؛ مما يكون سببا للنزاع وإيقاع العدوات وتفريق كلمة المسلمين وتحزيبهم, فغير الحق يفرق ولا يجمع.

فإن قيل: أنكر ابن مسعود على عثمان إتمام الصلاة في السفر ثم صلى خلفه متما. وقال الخلاف شر.

قيل: ابن مسعود لم يكن يرى وجوب القصر, فترك المستحب لمصلحة أعظم وهي تأليف القلوب, وليست هي من باب إلزام الناس بقول الإمام الأعظم, فضلا عمن دونه, قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (22/ 407): (ويستحب للرجل أن يقصد إلى تأليف القلوب بترك هذه المستحبات لأن مصلحة التأليف في الدين أعظم من مصلحة فعل مثل هذا كما ترك النبي صلى الله عليه وسلم تغيير بناء البيت لما في إبقائه من تأليف القلوب وكما أنكر ابن مسعود على عثمان إتمام الصلاة في السفر ثم صلى خلفه متما. وقال الخلاف شر).

فالواجب هو التأدب بأدب الخلاف, ودفع كل ما يؤدي إلى العداوة والنزاع, والعلم رحم بين أهله.

كتبه ناصحا: أحمد محمد الصادق النجار

الأربعاء، 3 فبراير 2021

[وقفة مع فتوى المنع من المضاربة في معاملة العشرة آلاف دولار]

 

[وقفة مع فتوى المنع من المضاربة في معاملة العشرة آلاف دولار]

قرأت فتوى لدار الإفتاء -وفقها الله - بتأريخ 1-2-2021 جوابا على سؤال ورد إليها بخصوص مسألة العشرة آلاف دولار (لدي بطاقة الأغراض الشخصية (عشرة آلاف دولار) ولا أملك مالا لشحنها, فهل يجوز لي أن أعرض على شخص أن يقوم بشحنها على أن يكون شريكا لي في اقتسام المكسب بعد إرجاع رأس المال)

فمنعوا المعاملة وجعلوها قرضا جر نفعا؛ لأن المقصود هو السلف.

وجعلوا أصلها مسألة من عين سلعة وعقد عليها أو وجدها تبتاع ولم يقدر على ثمنها فجاء إلى آخر فطلب منه ثمنها على أن يشاركه في الربح.

وقبل مناقشتهم في هذا لابد من التنبيه إلى أن ما ذكره السائل صورة من صور المضاربة الواقعة في البلاد, فهناك صورة أخرى وهي أن العرض والطلب يكون من صاحب المال لا من صاحب البطاقة, فيعطي صاحب المال صاحب البطاقة مالا للاتجار, فليس المقصود السلف وإنما الاتجار والمشاركة, وأما تقييد صاحب المال المضارب بالاتجار في نوع معين وسلعة معينة فهذا يدخل في خلاف العلماء في المضاربة المقيدة من صاحب المال, والأقرب جوازها؛ لأنه عقد يصح تخصيصه بنوع فصح تخصيصه في رجل بعينه وسلعة بعينها كالوكالة, ثم هو لا يمنع مقصود المضاربة وإنما يقلله.

كما أن القول باعتباره يتوافق مع مصلحة الفقير في ليبيا, ويدفع الحرج ويرفع المشقة. انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (6/ 98) المغني (5/ 184)

نعود إلى مناقشة الفتوى: انبنت الفتوى على أن السلعة متى كانت متعينة معلومة مسماه جرت إلى أن يكون الدافع لصاحب المال في إعطاء ماله هو الربح المعلوم المقدر, ولولاه ما أعطى المال, فأشبه السلف بمنفعة, فنظروا إلى المقصد وأهملوا ظاهر اللفظ.

وقد راعى المالكية في هذا أصلهم في باب المضاربة وهو أنها خلاف القياس, فهي مستثناه من الإجارة المجهولة ومن سلف جر منفعة. انظر: التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب (7/ 31)

ولما كان الأصل الذي انطلقوا منه في مسألتنا السلف الذي جر منفعة فسأسلط الضوء عليه, فأقول: 

هناك فرق بين السلف والمضاربة؛ مما يجعل المضاربة أصلا بنفسها وليست مستثناه من سلف جر منفعة؛ وذلك أن السلف يكون صاحب المال فيه رابحا لا خاسرا, وماله مضمون, وهذا يختلف مع المضاربة, فإن صاحب المال والمضارب يشتركان في الربح والخسارة, فإن حصل ربح اشتركا فيه, وإن حصلت خسارة اشتركا في الحرمان, فالخسارة في المال يقابلها خسارة جهد العامل, ولذا كانت المضاربة من جنس المشاركات والمقابلات.

كما أن مقصودهما متنافيان, فالسلف يرجع إلى التبرعات, والمضاربة ترجع إلى المعاوضات والمقابلات, ومع اختلاف المقصود لا يصح أن تكون المضاربة مستثناه من سلف جر منفعة.

ومع مناقشتهم في أصل القول, نناقشهم أيضا في التنزيل على معاملة العشرة آلاف؛ إذ إن صورة المضاربة وشروطها متحققة فيها؛ وذلك أن صاحب المال أعطى ماله للاتجار والمشاركة مع تحمل الخسارة إن وجدت, ولم يعط ماله تبرعا مع عدم الخسارة.

ثم إن الربح الحاصل في هذه المعاملة هو نماء حاصل من مال صاحب المال وجهد صاحب بطاقة عشرة آلاف دولار, وهذه حقيقة المضاربة.

أضف إلى ذلك: أنه ليس لمالك المال منفعة يختص بها عن صاحب البطاقة زائدة على مقصود المضاربة.

وبهذا لا يصح حمل المعاملة على السلف الذي جر منفعة, فمعاملة العشرة آلاف تصح مضاربة بجميع صورها.

والمسألة تبقى مسألة اجتهادية تحتمل الصواب والخطأ, فليس لأحد أن يلزم أحدا في المسائل الاجتهادية, ولو كان القائل بأحد الاحتمالين الخليفة الراشد مع وجود من يخالفه.

عن ابن أبي مليكة، قال: قال عروة لابن عباس: حتى متى تضل الناس يا ابن عباس؟ قال: ما ذاك يا عرية؟ قال: تأمرنا بالعمرة في أشهر الحج، وقد نهى أبو بكر وعمر فقال ابن عباس: " قد فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم " فقال عروة: " هما كانا أتبع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعلم به منك " أخرجه أحمد

كتبه: أحمد محمد الصادق النجار