الثلاثاء، 30 مايو 2023

لا تلازم بين الحكم بتبديع المعين مباشرة إذا خالف في مصدر التلقي وبين تأثيمه

لا تلازم بين الحكم بتبديع المعين مباشرة إذا خالف في مصدر التلقي وبين تأثيمه

(كتبديع أعيان الجهمية وأعيان الرافضة، ولا خلاف بين أهل السنة في تبديع أعيانهم، وناقش من ناقش في تكفير أعيانهم...) 


هذه المسألة من المسائل التي لا يخوض فيها إلا من كان صاحب علم بالسنة مستقرئ لكلام الأئمة

فلا يفقه القول في التبديع إلا من فقه القول في السنة وأصولها

ولا يخوض فيها أهل الجهل والتلون ممن نشأ على غير السنة والتكفير المنفلت... 


وإثبات التلازم عند التعيين لا يستقيم على أصول أهل العلم بحال، وإنما يشتبه على من لا دراية له.. 


وقد تقرر عند أئمة السنة أن الحكم قد يثبت في المعين ولا يترتب عليه أثره؛ لتخلف شرط أو انتفاء مانع؛ وذلك إذا بذل الإنسان جهده في الوصول إلي الحق وأخطأه، فهنا لا يترتب عليه الأثر؛ لعفو الله سبحانه

وإن كان ذلك قد لا يمنع من وصف فعله بالتحريم أو الحكم عليه بأنه مبتدع إذا خالف في مصدر التلقي، وإنما استحق التبديع ؛ لأنه طلب الحق من غير جهة الرسول الله صلى الله عليه وسلم...

وقد فصلت ذلك في مقال سابق، أثبت أنه هو قول السلف 

ونكتة المسألة: أنوالتأثيم لا يكتفى فيه بوجود المقتضي، بل لابد معه من توفر الشروط وانتفاء الموانع..


وعدم التلازم بين الحكم والتأثيم هو قول عامة السلف. 


قال ابن تيمية " فَإِنَّ التَّحْرِيمَ لَهُ أَحْكَامٌ مِنْ التَّأْثِيمِ وَالذَّمِّ وَالْعُقُوبَةِ وَالْفِسْقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ لَكِنْ لَهَا شُرُوطٌ وَمَوَانِعُ فَقَدْ يَكُونُ التَّحْرِيمُ ثَابِتًا وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ مُنْتَفِيَةٌ لِفَوَاتِ شَرْطِهَا أَوْ وجود مانع" مجموع الفتاوى(٢٠/٢٦٨)

وقال في نفس الصفحة"وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ السَّلَفِ وَالْفُقَهَاءِ: أَنَّ حُكْمَ اللَّهِ وَاحِدٌ وَأَنَّ مَنْ خَالَفَهُ بِاجْتِهَادِ سَائِغٍ مُخْطِئٌ مَعْذُورٌ مَأْجُورٌ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ ذَلِكَ الْفِعْلُ الَّذِي فَعَلَهُ الْمُتَأَوِّلُ بِعَيْنِهِ حَرَامًا لَكِنْ لَا يَتَرَتَّبُ أَثَرُ التَّحْرِيمِ عَلَيْهِ لِعَفْوِ اللَّهِ عَنْهُ فَإِنَّهُ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا" 


وأما في الحكم على المخطئ بأنه مبتدع مع نفي التأثيم

فقال في مجموع الفتاوى (13/ 361): "و فِي الْجُمْلَةِ مَنْ عَدَلَ عَنْ مَذَاهِبِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَفْسِيرِهِمْ إلَى مَايُخَالِفُ ذَلِكَ كَانَ مُخْطِئًا فِي ذَلِكَ بَلْ مُبْتَدِعًا وَإِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا مَغْفُورًا لَهُ خَطَؤُه". 

فجهة التأثيم قد تنفك عن جهة التبديع، ولا تلازم بينهما 


تنبيه

مناقشة أهل الجهل لا يترتب عليها المقصود، فالإعراض عنهم أولى. 


كتبه مختصرا

د. أحمد محمد الصادق النجار

الاثنين، 29 مايو 2023

هل الحكم بتبديع المعين يتوقف بإطلاق على توفر الشروط وانتفاء الموانع ؟ وإذا كان كذلك هل شروط التبديع هي نفس شروط التكفير؟

الحكم على المعين بالتبديع, وقضية الشروط وانتفاء الموانع

 

قاعدة الشريعة أن الحكم على المعين لابد فيه من توفر الشروط وانتفاء الموانع, فلا يكتفى في الحكم بوجود السبب, بل لابد معه من توفر الشروط وانتفاء الموانع 

وهذا مطرد في جميع أبواب الشريعة

فلا ينزل الاسم الشرعي أو الحكم الشرعي بمجرد وجود السبب, فمن باشر الصلاة -مثلا- لا يحكم عليه بأنه صلى إلا إذا توفرت فيه شروط الصلاة وانتفت موانعها.

وتقييد الحكم بالابتداع على المعين بتوفر الشروط وانتفاء الموانع هو الذي يتوافق مع أصول الشريعة ومقاصدها وكليتاها، وهو ما يقتضيه مقصد العدل. 

وتقييد الحكم على المعين يتوفر الشروط وانتفاء الموانع يعد من القواعد الحاكمة على كل جزئية من فعل السلف لا يصرح فيه بهذا التقييد, فكل قول أو فعل عن السلف لا ينص فيه على هذا التقييد وجب بقواعد الشريعة للتقييد به, وفهم كلام السلف عليه؛ إذ لا يمكن أن ينفك فقه السلف عن قواعد الشرع..

إذا علمنا هذه المقدمة وجب أن نعلم أن شروط التبديع هي نفس شروط التكفير، لا فرق في ذلك من حيث كون الجهل شرطا، وكون التأويل شرطا، ومن حيث معنى الجهل والتأويل وهكذا...

لأنها شروط للحكم من حيث هو حكم في خطاب الشارع، فيدخل في ذلك جميع أحكام الأسماء الشرعية، سواء كان الحكم بالكفر أو كان الحكم بالبدعة, فالشروط لازمة للحكم على المعين، وهي من الأحكام الكلية للأسماء والأحكام الشرعية... 

والتطابق في حقيقتها وكونها شرطا لا يلزم منه التطابق في متعلقها وما يترتب عليها, بمعنى: أن حكم تكفيرا أو الخلود في النار لا ينزل على المعين إلا بعد توفر الشروط وانتفاء الموانع التي تناسب حكم التكفير.

وحكم التبديع لا ينزل على المعين إلا بعد توفر الشروط وانتفاء الموانع التي تناسب حكم التبديع؛ لتفاوت حقيقة التكفير عن حقيقة التبديع, ومناطهما.

لكن الخلط والالتباس يقع في تحديد ما وقع فيه المعين هل هو من قبيل الكفر أو هو من قبيل البدعة المفسقة؟

فإذا وقع في أمر مكفر, كمنع الاحتجاج بالكتاب والسنة في العقيدة؛ لقصورها عنده ودلالتها على الكفر كان الجهل مانعا من تكفيره, وليس بلازم أن يكون مانعا من تبديعه....

ولذا كان تحديد نوع المسألة مهما في هذا الباب.

وترتب على هذا أن المحكم في تبديع المعين أن يفرق بين من لم يثبت له أصل السنة فيبدع مباشرة؛ لتلبسه بأمر كفري لو اشترطنا فيه إقامة الحجة لكان ذلك مقتضيا لتكفيره لا تبديعه

وبين من ثبت له أصل السنة فلا يبدع إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة

ومما يشهد لهذا التفريق

1-ما نقله الرازيان من إجماع السلف؛ فقد ذكر اللالكائي بسنده في شرح أصول اعتقاد أهل السنة عن عبد الرحمن بن أبي حاتم ، قال : سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين ، وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار ، وما يعتقدان من ذلك ، فقالا : أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازا وعراقا وشاما ويمنا فكان من مذهبهم..

فكان مما ذكراه : (من شك في كلام الله عز وجل فوقف شاكا فيه يقول : لا أدري مخلوق أو غير مخلوق فهو جهمي . ومن وقف في القرآن جاهلا علم وبدع ولم يكفر).

فعدم تأثير الجهل في الحكم بالتبديع راجع لنوع المسألة وتعلقها بمصدر التلقي، ولهذا قال:(ولم يكفر)؛ لأن اشتراط إقامة الحجة هنا يجعل الحكم تكفيرا لا تبديعا.

وفي هذا المعنى يقول ابن مفلح في الفروع (12/ 450) :( قَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ : وَالصَّحِيحُ أَنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ كَفَّرْنَا فِيهَا الدَّاعِيَةَ فَإِنَّا نُفَسِّقُ الْمُقَلِّدَ فِيهَا ، كَمَنْ يَقُولُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ)  .

فالعذر المعتبر الذي هو مستحق للمسلم يمنع في هذا النوع من المسائل من إلحاق حكم التكفير به وليس بلازم أن يكون مانعا من إلحاق حكم التبديع به, وإثبات أصل الإعذار باعتبار كونا مسلما إنما هو في رفع التكفير إذا كانت المسألة تجاوزت أن تكون دون الكفر، كإنكار الاحتجاج بالسنة في العقيدة وعدم تجويز ذلك 

وهذا محل إجماع أهل السنة.

2- ما نقله ابن ابن زيد عن أهل السنة؛ قال ابن ابي زيد القيرواني في الجامع(١٢١):( ومن قول أهل السنة: أنه لا يعذر من أداه اجتهاده إلى بدعة؛ لأن الخوارج اجتهدوا في التأويل فلم يعذروا)

فكلامه في رفع العذر في حكم التبديع: محمول على من طلب الحق من غير جهة الرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا ينطبق على من منع الاحتجاج بالكتاب والسنة واحتج بغيرهما، كما عليه أهل الكلام، وكذلك الخوارج الذين مثل به ابن أبي زيد، فهم لا يرون الاحتجاج بالسنة المخالفة لظاهر القرآن

ومن فقه ابن تيمية قوله:(ولا ريب أن من اجتهد في طلب الحق والدين من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأخطأ في بعض ذلك، فالله يغفر له خطأه؛ تحقيقا للدعاء الذي استجابه الله لنبيه وللمؤمنين حيث قالوا:  (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا".

فقوله: "من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم" يفيد أن من طلبه من غير جهة الرسول فإنه لا يعذر في تنزيل حكم التبديع عليه.

ويدخل في ذلك المسائل التي بنيت على الدليل الكلامي وليس لها وجه في الأدلة الشرعية كالقول بخلق القرآن وإنكار الرؤية... 

 

ولما كان أمر التفريق متقررا عند الأئمة حكموا على أعيان الرافضة والجهمية بالبدعة؛ لأن خلافهم كان في مصدر التلقي، وأصول المسائل التي خالفوا فيها السلف إنما بنوها على عدم الاحتجاج بالكتاب والسنة.

قال ابن تيمية: (وقد ذهب كثير من مبتدعة المسلمين، من الرافضة والجهمية وغيرهم، إلى بلاد الكفار فأسلم على يديه خلق كثير، وانتفعوا بذلك وصاروا مسلمين مبتدعين، وهو خير من أن يكونوا كفارًا)

فتحصل مما سبق أن الإعذار المتعلق بكل مسلم يمنع من تكفيره لا من تبديعه؛ لتعلقه بأصل الإيمان, وليس هو الإعذار المتعلق بمن ثبت له أصل السنة ووقع في بدعة؛ إذ إن هذا النوع من الإعذار يمنع من تفسيقه، وليس هو من نوع الإعذار الذي يمنع من التكفير, مع العلم أن الاسم الواحد قد يثبت من وجه وينفى من وجه آخر لتعدد الاعتبارات

ثم إذا نظرنا إلى حقيقة المانع عند الأصوليين والفقهاء وجدنا أن الإعذار أو النظر في الموانع في أحكام الدنيا يكون لمن ثبت له الأصل، فمن ثبت له الأصل كان المانع مانعا من إخراجه عن الأصل إلا لمقتض خاص يقوى على الأصل, وهذا ما دل عليه استقراء الشريعة.

والأصل المراعى في الكفر يختلف عن الأصل المراعى في البدعة, وترتب عليه اختلاف في نوع الإعذار.

 

وقد صور بعض الإخوة -(ممن لا يحسن الكلام إلا في بدايات العلوم، ويتعامل مع القضايا المركبة بجنس تعامله مع القضايا البسيطة!!

ويبني خلاصاته على مقدمات تجريدية ذهنية من غير استقراء لكلام السلف وما تقتضيه النصوص الشرعية وعرفها، ولا نظر دقيق في إجماعات أئمة أهل السنة!!)- : التفريق في التبديع بين من ثبت له أصل السنة وبين من لم يثبت له أنه تفريق خاطئ!!

وأطلق القول باشتراط إقامة في الحجة في الحكم بتبديع المعين من غير نظر إلى ثبوت أصل السنة وعدمه 

وأكثر من الدعاوى التي لا تفيد في التحقيق، ولا تعالج الإشكاليات العلمية التي يحتاج في تحريرها عدم حضور الذات ومراعاة الآخرين

مما أداه إلى الخلط بين أنواع الإعذار؛ للاشتراك الواقع في مسمى الإعذار, وتغافل عن تعدد مناط التسمية الذي يتوجه إليه الإعذار من عدمه، وأن ما كان عذرا في التكفير لا يلزم أن يكون بعينه عذرا في التبديع

وهذا ما صرح به شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى (13/ 361) لما قال: "و فِي الْجُمْلَةِ مَنْ عَدَلَ عَنْ مَذَاهِبِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَفْسِيرِهِمْ إلَى مَايُخَالِفُ ذَلِكَ كَانَ مُخْطِئًا فِي ذَلِكَ بَلْ مُبْتَدِعًا وَإِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا مَغْفُورًا لَهُ خَطَؤُه".

فصرح بالتبديع مع وجود عذري الخطأ والتأويل، وأن هذا النوع من الأعذار المتعلقة بالسنة والبدعة تنفع في المغفرة وعدم التكفير، ولا تنفع في عدم التبديع فيمن أخطأ الاستدلال السني.

ومراده بالمبتدع هنا من لم ينتسب للسنة أصلا, إذ إنه لا يعدل عن مذهب الصحابة إلا أهل البدع, كما قال شيخ الإسلام: ((  فعلم أن شعار أهل البدع : هو ترك انتحال اتباع السلف ))مجموع الفتاوى (4/155)

وهذا يقرر أن خلافهم كان في مصدر التلقي، فهم عدلوا؛ لأجل مذهب اعتقدوه مخالف لمذهب الصحابة.

يوضحه أيضا سياق هذا الكلام فقد قال((فإن الصحابة والتابعين والأئمة إذا كان لهم في تفسير الآية قول وجاء قوم فسروا الآية بقول آخر لأجل مذهب اعتقدوه وذلك المذهب ليس من مذاهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان صاروا مشاركين للمعتزلة وغيرهم من أهل البدع في مثل هذا))

 

ومن لوازم القول بعدم التفريق بين من ثبت له أصل السنة ومن لم يثبت هو: تكفير من قامت عليه الحجة لا تبديعه، بمعنى لو اشترطنا إقامة الحجة فيمن يمنع الاحتجاج بالنصوص الشرعية في العقيدة ويجعل ظاهرها كفرا لحكمنا عليه بالكفر لا بالبدعة؛ لتلبسه بأمر كفري لا بدعي مفسق, وقد استقر الأمر على أن الابتداع حكم مفسق لا حكم مكفر.

ومنشأ غلط من لم يفرق بين من ثبت له أصل السنة ومن لم يثبت له: عدم التفريق بين درجات البدع، وإثبات التلازم بين تسمية من خالف في مصدر التلقي مبتدعا ونفي حقوق الإسلام عنه!! 

ومعلوم أن البدع ليست على درجة واحدة؛ فمنها المغلظ ومنها المخفف؛ فالمغلظ كبدعة الجهمية والمعتزلة؛ والمخفف كبدعة مرجئة الفقهاء...

والبدعة المغلظة لا يفرق في التبديع بها بين الطائفة والأفراد، فالحكم بالبدعة المغلظة على الطائفة يلزم منه بالضرورة الشرعية الحكم بالبدعة على المعين، فأعيان الرافضة مبتدعة ؛ لغلظ بدعة الرافضة, والتجهم بدعة مغلظة، وكل جهمي مبتدع، وإنما تشترط إقامة الحجة لتكفيره لا لتبديعه؛ لأنه وقع في مكفر لا في مفسق، فكان التأويل مانعا من التكفير لا من التفسيق 

ومما ينبغي أن يعلم: أنه قد أطلق بعض السلف: التجهم وأرادوا به الكفر, قال الإمام أحمد: "من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو مبتدع

وأما في البدعة المخففة كبدعة مرجئة الفقهاء، فالطائفة تكون مبتدعة؛ لمخالفتها لأصل كلي, وتنزيل ذلك على الأعيان لابد فيه من توفر الشروط وانتفاء الموانع؛ لأنه وقع في مفسق لا في مكفر، فكان التأويل مانعا من التفسيق

قال ابن تيمية (أما المرجئة فليسوا من هذه البدع المعظلة، بل قد دخل في قولهم طوائــف من أهل الفقــه والعبــادة، وما كانوا يعدون إلا من أهل السنة، حتى تغلظ أمرهم بما زادوه من الأقوال المغلظة) 

فمن فهم هذا زال عنه اللبس والاشتراك...

والسلف كما فرقوا بين الحكم على الطائفة والحكم على الأعيان فرقوا أيضا بين البدع نفسها والأحكام المترتبة عليها في الأعيان.

وقد سئل الإمام مالك عن الصلاة خلف أهل البدع القدرية، فقال: ولا أرى أن يصلى خلفهم، قال ابن وهب: وسمعته وسئل عن الصلاة خلف أهل البدع؛ فقال: لا، ونهى عنه.

وقال ابن تيمية:(...فإن هؤلاء مع إيجابهم دين الإسلام وتحريمهم ما خالفه، يردون على أهل البدع المشهورين بمخالفة السنة والجماعة، كالخوارج والشيعة والقدرية والجهمية، ولهم في تكفير هؤلاء نزاع وتفصيل...)

 

والله أعلم

 

كتبه

د. أحمد محمد الصادق النجار 

أستاذ العقيدة بكلية علوم الشريعة

 

 


الجمعة، 26 مايو 2023

هل الأصل في التعامل مع أهل البدع في الأصول هو اللين والمخالطة؟

 هل الأصل في التعامل مع أهل البدع في الأصول هو اللين والمخالطة؟ 


يجيب عن هذا الإمام ابن عبد البر المالكي وهو يتكلم عن حديث كعب بن مالك رضي الله عنه وتخلفه: (وهذا أصل عند العلماء في مجانبة من ابتدع، وهجرته، وقطع الكلام عنه) (التمهيد 4/87).

ويقول البغوي في سياق كلامه عن نفس الحديث(وقد مضت الصحابة والتابعون، وأتباعهم، وعلماء السنة على هذا، مجمعين متفقين على معاداة أهل البدعة، ومهاجرتهم) ( شرح السنة 1/227) 


[وليس المقصود الخروج عن حد الأدب والعلم والعدل

ولا تغليب لغة القدح والطعن في النيات

ولا نفي التعاون في المشتركات العامة بما تقتضيه المصلحة الراجحة ولا تترتب عليه مفسدة راجحة

ولا نفي حقوق الإسلام...]


فهناك فرق كبير بين أن يجعل الأصل هو اللين ثم تستثتى الشدة في أحوال؛ لمرجح قوي 

وبين العكس...


وقد دلت إطلاقات النصوص في التعامل مع الذين يخوضون في آيات الله بالباطل على المجانبة والإعراض عنهم...

ولما أُخبر ابن عمر -كما في صحيح مسلم- عن القدرية الأُوَل قال: أخبرهم أني بريء منهم وأنهم براء مني)

ولم يجعل الأصل هو اللين!!

ولهذا جاءت إطلاقات السلف بالهجر وعدم المجالسة والشدة...

حتى قال ابن بطة: ( ولقد رأيت جماعة من الناس كانوا يلعنون أهل الأهواء ويسبونهم فجالسوهم على سبيل الإنكار والرد عليهم فما زالت بهم المباسطة وخفي المكر ودقيق الكفر حتى صَبَوا إليهم) 


وجَعْلُ الاصل: الشدة التي تقتضيها النصوص الشرعية وفقه السلف لا الشدة المبنية على الأهواء وتصفية الحسابات الشخصية، هو الذي يستقيم مع الأصول؛ ذلك أن المبتدع لما كان موجب هجره ومجانبته متحققا فيه ومتلبسا به ولازما له -وهو البدعة في الأصول- اقتضى ذلك أن يجعل الأصل فيه المجانبة والشدة

ولا يُخرَج عن ذلك إلا لمعارض راجح يقتضي التخصيص؛ فيكون مستثنى من الأصل لرجحان مصلحة الاستثناء... 


واختلاف العلماء في التطبيق الواقعي مبني على أن الواقع مبني على الموازنة، وليست هي قواعد رياضيات النتيجة فيها واحدة

فالعلماء تقرر عندهم أن الأصل المجانبة ولا يخرج عنه إلا لمرجح قوي

ولما كانت المرجحات ظنيات كان من الواضح أن يختلفوا في تقدير المصالح.


(وما ضر جماعة من طلبة العلم إلا ظنهم أن القواعد في الشريعة قواعد رياضية مبنية على التجريد التي تنتج نتيجة واحدة فيما يرجع إلى باب الموازنة بين المصالح والمفاسد)


والكلام هنا في بيان الأصل لا في تعليق الهجر والمجانبة ودفع أخف الضررين بباب المصالح والمفاسد عند التنزيل، فقد تتعذر إقامة الواجبات إلا مع من فيه بدعة، فتكون مصلحة تحصيل الواجب أعظم من مصلحة هجران المبتدع

وقد تكون بين كافر ومبتدع فتكون مصلحة تأليف المبتدع الذي تتم به المحافظة على أصل الدين أعظم...

وقد يكون ضرر المبتدع أعظم من تحصيل الواجب.... 


وكون الأصل الشدة لا يعني ظلمه والتعدي عليه أو نفي أن يكون مستحقا للموالاة بقدر ما فيه من خير... 


ومعرفة الإنسان الأصل الذي دلت عليه إطلاقات النصوص الشرعية تفيده في البقاء عليه وعدم الخروج عنه إلا لمرجح أقوى

والخروج لا يكون عنه بالكلية وإنما في جزئيات...


وقد أخطأتْ هذا الباب طائفتان:

الأولى: طردوا اللين والمجالسة مع المبتدع في كل حال، وسووا بينه وبين السني من كل جانب؛ بناء على أن الأصل هو اللين. 


الثانية: طردوا الشدة والهجر من غير نظر في الاستثناءات التي تقتضيها المصلحة الراجحة ويؤدي فواتها إلى تضييع ما هو أوجب؛ بناء على أن الاصل هو الشدة. 


قال ابن تيمية : (ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة، أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة، فإن بيان حالهم، وتحذير الأمة منهم، واجب باتفاق المسلمين، حتى قيل لأحمد بن حنبل : الرجل يصوم ويصلي ويعتكف، أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع؟ فقال : إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع، فإنما هو للمسلين، هذا أفضل. فبيّن أن نفع هذا عام للمسلمين في دينهم، من جنس الجهاد في سبيل الله، إذ تطهير سبيل الله ودينه ومنهاجه وشرعته، ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك، واجب على الكفاية باتفاق المسلمين، ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين، وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب، فإن هؤلاءإذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعًا، وأما أولئك فهم يفسدون القلوب ابتداء) 


كتبه

د. أحمد محمد الصادق النجار

الخميس، 25 مايو 2023

حكم تخصيص خمس دقائق للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الجمعة جماعة بصوت واحد

 حكم تخصيص خمس دقائق للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الجمعة 


من المعلوم بضرورة الشرع: فضل #الصلاة_على_النبي صلى الله عليه وسلم


إلا أن تخصيص وقت بالصلاة فيه على النبي صلى الله عليه وسلم جماعة 

يمنع لا لأجل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم نفسها وفضلها وحث الشرع عليها، وإنما لأجل تخصيص الصلاة بهذا الزمن، مما سيجعل الزمن معظما لذاته مقصودا، ويجر إلى اعتقاد فضل خاص فيه؛ فتتحقق منازعة الله قي تشريعه...

ولأجل استعمالها مقيدة بوقت، والنصوص الشرعية جاءت بها مطلقة لا مقيدة، وهذا أيضا فيه منازعة في التشريع.

ولأجل إحداث هيئة خاصة في الدين -وهي الصلاة جماعة بصوت واحد-، فهذه الهيئة ليس مقصودة لله ولا يريدها؛ بدليل ترك النبي صلى الله عليه وسلم لها، ولو كانت مقصودة لله لفعلها النبي صلى الله عليه وسلم أو أرشد إليها، ولفعلها الصحابة... 


فإن قال: أنا لا أعتقد أن في هذا الوقت فضلا.

قيل: مع المداومة عليها سبحصل في القلب تعظيم لهذا الوقت واعتقاد فضل فيه، فمع التعبد بالصلاة في هذا الوقت سيحصل تعظيم وإجلال لا يمكن رفعه ولا دفعه. 


والخلاصة: أن تخصيص خمس دقائق للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الجمعة جماعة بدعة من عدة أوجه، وهي داخلة في تشريع ما لم يشرعه الله. 


فإذا أمرت بها الأوقاف فلا تطاع؛ لأن أمرها من جنس الأمر بمعصية.


والذي ينبغي إظهار إنكار هذا الفعل حتى لا يصبح عادة للناس وسنة متبعة...


ثم ينظر بعد ذلك نظرا خاصا لكل إمام بعينه ولا يكون حكما عاما، فتموت السنن وتحيا البدع... 

وهو إذا ترتب على عدم فعل ما أمرت به من بدعة في الفروع مفسدة ترجح على مصلحة عدم الفعل، كأن يخلفه إمام فيه بدعة أو ينتسب إلى طائفة مبتدعة فيضل الناس...

فهنا يدفع أكبر المفسدتين باحتمال أدناهما، ويحرص على تنبيه الناس عليها .... 


كتبه. أحمد محمد الصادق النجار 

أستاذ مساعد بكلية علوم الشريعة

الثلاثاء، 23 مايو 2023

كتابة اسم الميت على القبر

حكم كتابة اسم الميت على القبر

إن من أصول الشريعة أن الفعل إذا كان يفضي إلى مفسدة، وليس فيه مصلحة راجحة يُنهى عنه...
وما حرم سدا للذريعة يباح للمصلحة الراجحة ...

وإذا استقرأنا أصول الأبواب المتعلقة بالقبور وجدنا أن الشريعة سدت كل ذريعة تفضي إلى الغلو في القبور، ولذا منعت من البناء عليها وتجصيصها والدعاء عندها...

فعلمنا من ذلك أن مقصود الشارع في هذا الباب التضييق إلا ما اقتضته المصلحة الراجحة وأمنت فيه الفتنة..

فالأصول تقتضي النهي عن كتابة الاسم على القبر؛ لكونها تفضي إلى الغلو في القبور وتعريض ما فيه اسم الله للأذى والنجاسة...
فالمانع وهو مظنة الغلو موجود في الكتابة
وليس في قصدها مصلحة راجحة؛ لإمكان معرفة القبر بوضع حجر ونحوه
فمصلحة التعرف تحصل بأدنى شيء
ويستثنى من ذلك إذا احتيج إلى الكتابة في تحقيق المقصود الشرعي، وتعذرت معرفة القبر بوضع الحجر لكثرة الأحجار أو عدم بقائها في مكانها ونحو ذلك؛ حتى تعين الإعلام بالقبر على كتابة الاسم مجردا، وأمنت فتنة الغلو فيه؛ فهنا المصلحة الراجحة تقتضي تجويز الكتابة بقدر ما يحتاج إليه في معرفة القبر والإعلام به؛ لأن ما نهي عنه سدا للذريعة يباح للمصلحة الراجحة
ولسنا نعتمد في النهي على الحديث الخاص الذي اختُلف في صحته وإنما نعتمد في ذلك على الاستقراء.....
ويقوي اعتبار هذه المصلحة ورجحانها في كتابة الإسلام إذا احتيج إليه بما ليس فيه تعظيما يفضي إلى المفسدة: القياس على وضع النبي صلى الله عليه وسلم الحجر، وَقَالَ: (أَتَعَلَّمُ بِهَا قَبْرَ أَخِي، وَأَدْفِنُ إِلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي) بجامع تعليم القبر...
فكان وضع الحجر منه صلى الله عليه وسلم محققا لمصلحة تعلم القبر به ودفن من مات من أهل الميت إليه،
فالمعنى الذي راعاه النبي صلى الله عليه وسلم هو تعليم القبر
وإذا تعذر التعليم بوضع الحجر كانت كتابة الاسم قائمة مقام وضع الحجر؛ لتحقق المعنى المقصود.
إلا أنه لا يتوسع في الكتابة؛ لأن الإفضاء إلى الغلو في الكتابة أقوى منه في وضع الحجر
وقد علمنا من استقراء أصول الشريعة المتعلقة بالقبور هو التضييق في الوسائل، ولولا قوة القياس لاقتضى المنع وكان ترك الصحابة حجة على ذلك.

وأما النهي الوارد في الكتابة على القبر-على اختلاف فيه من جهة السند- فهو مخصوص بالقياس؛ مما يقتضي حمله على:
١-غير الحاجة، ففي غير الحاجة يقوى التعليل بالإفضاء إلى الغلو والشرك، والوقوع في المعاني المحذورة كالتباهي
وأما إذا وجدت الحاجة فإن مفسدة الإفضاء تكون مغمورة في مصلحة تعليمه والتعرف عليه ومرجوحة لا يلتفت إليها.
٢-إذا وجدت الحاجة ولم تؤمن الفتنة كمن تعتقد فيه الولاية أو كان معظما..

ومما يدخل في الكتابة لغير حاجة ما زاد على كتابة مجرد الاسم من المدح والثناء وما تضمن تعظيما وتباهيا وتفاخرا، كالكتابة على الرخام، فهنا خرجت الكتابة عن المعنى الشرعي وهو تعليم القبر...

والخلاف في هذه المسألة من الخلاف السائغ الذي لا يسوغ فيه الإنكار إلا ببيان الدليل وإظهاره، وقد اختلف فيها العلماء، فمنهم من كره الكتابة على القبر مطلقا وهم الجمهور، ومنهم من كره الكتابة إذا لم يحتج إليها وذهب إليه الأحناف، ومنهم من حرم الكتابة، ومنهم من جوزها مطلقا كابن حزم...

كتبه د. أحمد محمد الصادق النجار
حكم كتابة اسم الميت على القبر

إن من أصول الشريعة أن الفعل إذا كان يفضي إلى مفسدة، وليس فيه مصلحة راجحة يُنهى عنه...
وما حرم سدا للذريعة يباح للمصلحة الراجحة ...

وإذا استقرأنا أصول الأبواب المتعلقة بالقبور وجدنا أن الشريعة سدت كل ذريعة تفضي إلى الغلو في القبور، ولذا منعت من البناء عليها وتجصيصها والدعاء عندها...

فعلمنا من ذلك أن مقصود الشارع في هذا الباب التضييق إلا ما اقتضته المصلحة الراجحة وأمنت فيه الفتنة..

فالأصول تقتضي المنع من كتابة الاسم على القبر؛ لكونها تفضي إلى الغلو في القبور وتعريض ما فيه اسم الله للأذى والنجاسة...
فالمانع وهو مظنة الغلو موجود في الكتابة
وليس في قصدها مصلحة راجحة؛ لإمكان معرفة القبر بوضع حجر ونحوه
فمصلحة التعرف تحصل بأدنى شيء
ويستثنى من ذلك إذا احتيج إلى الكتابة في تحقيق المقصود الشرعي وتعذرت معرفة القبر بوضع الحجر لكثرة الأحجار أو عدم بقائها في مكانها ونحو ذلك؛ حتى تعين الإعلام بالقبر على كتابة الاسم مجردا، وأمنت فتنة الغلو فيه؛ فهنا المصلحة الراجحة تقتضي تجويز الكتابة بقدر ما يحتاج إليه في معرفة القبر والإعلام به؛ لأن ما نهي عنه سدا للذريعة يباح للمصلحة الراجحة
ولسنا نعتمد في النهي على الحديث الخاص الذي اختُلف في صحته وإنما نعتمد في ذلك على الاستقراء.....
ويقوي اعتبار هذه المصلحة ورجحانها في كتابة الإسم إذا احتيج إليها بما ليس فيه تعظيما يفضي إلى المفسدة: القياس على وضع النبي صلى الله عليه وسلم الحجر، وَقَالَ: (أَتَعَلَّمُ بِهَا قَبْرَ أَخِي، وَأَدْفِنُ إِلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي) بجامع تعليم القبر...
فكان وضع الحجر منه صلى الله عليه وسلم محققا لمصلحة تعلم القبر، ودفن من مات من أهل الميت إليه،
فالمعنى الذي راعاه النبي صلى الله عليه وسلم هو تعليم القبر، وهو الوصف الذي أنيط به جواز وضع الحجر على القبر.
وإذا تعذر التعليم بوضع الحجر كانت كتابة الاسم قائمة مقام وضع الحجر؛ لتحقق المعنى المقصود.
إلا أنه لا يتوسع في الكتابة؛ لأن الإفضاء إلى الغلو في الكتابة أقوى منه في وضع الحجر.
وقد علمنا من استقراء أصول الشريعة المتعلقة بالقبور هو التضييق في الوسائل، ولولا قوة القياس لاقتضت المنع، وكان ترك الصحابة حجة على ذلك.

وأما النهي الخاص الوارد في الكتابة على القبر-على اختلاف المحدثين في تصحيحه من جهة السند- فهو مخصوص بالقياس؛ مما يقتضي حمله على:
١-غير الحاجة، فعدم الحاجة إلى كتابة الاسم يقوى التعليل بالإفضاء إلى الغلو والشرك، والوقوع في المعاني المحذورة كالتباهي
وأما إذا وجدت الحاجة فإن مفسدة الإفضاء-الذي هو المانع من التجويز بإطلاق- تكون مغمورة في مصلحة تعليمه والتعرف عليه، ومرجوحة لا يلتفت إليها.
٢-إذا وجدت الحاجة ولم تؤمن الفتنة كمن تعتقد فيه الولاية أو كان معظما يخشى من افتتان الناس بقبره..

ومما يدخل في الكتابة لغير حاجة: الزيادة على كتابة مجرد الاسم بالمدح والثناء وما يتضمن تعظيما وتباهيا وتفاخرا، كالكتابة على الرخام، فهنا خرجت الكتابة عن تحقيق المعنى الشرعي وهو تعليم القبر إلى غيره؛ فرجت إلى الأصل وهو النهي مع ما قارنها من أمور أخرى محرمة كالتباهي والإسراف..

وعموما
الخلاف في هذه المسألة من الخلاف السائغ الذي لا يسوغ فيه الإنكار إلا ببيان الدليل وإظهاره، وقد اختلف فيها العلماء، فمنهم من كره الكتابة على القبر مطلقا وهم الجمهور، ومنهم من كره الكتابة إذا لم يحتج إليها وذهب إليه الأحناف، ومنهم من حرم الكتابة، ومنهم من جوزها مطلقا كابن حزم...

كتبه د. أحمد محمد الصادق النجار 

مؤتمر الوسطية في المغرب

 من أعظم ما اشتمل عليه #مؤتمر_الوسطية الذي عُقد في المغرب

إذابة الخلاف العقدي بين الفرق، والدعوة إلى التعايش بقبول الخلاف وتسطيحه واحترامه!!

فيذهب بذلك أعظم مقصود من إنزال القرآن وهو الفرقان بين الحق والباطل..

وبه تميز المسلمون عن الكفار، وأهل السنة عن المبتدعة...

فإلغاء الفروق في الواقع هو فرع إلغاء الفروق التي تضمنها القرآن...

أفنجعل المسلمين كالمجرمين؟!

مالكم كيف تحكمون؟!! 


وإثبات المشتركات بين المسلمين عموما لا يلزم منه إلغاء الفروقات بين أهل السنة وغيرهم خصوصا......

والقرآن لم يسو في الخطاب بين من أخذ بالمحكمات وبين من اتبع الشبهات ...

وقد وصف من اتبع الشبهات بأنهم أهل زيغ يبتغون الفتنة، وأمر  النبي صلى الله عليه وسلم بالحذر منهم، ولم يأمر باحترامهم والذوبان معهم...

قالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: (إذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ما تَشَابَهَ منه، فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ). 


ومحاربة الغلو لا تكون إلا بالوسطية التي أرادها الله وأمر بها

لا بالوسطية المدعاة!!

فالوسطية أن يسمى الحق حقا وأن يعدل مع المخالف على الوجه الذي جاء في القرآن والسنة وسار عليه سلف الأمة، 

وليست الوسطية التسوية بين الحق والباطل، والذوبان مع المخالف...


(ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) 


كتبه

د. أحمد محمد الصادق النجار

الاثنين، 22 مايو 2023

هل ذكر الله وقراءة القرآن والصلاة على النبي جماعة بصوت واحد من البدع؟

هل ذكر الله وقراءة القرآن والصلاة على النبي جماعة بصوت واحد من البدع؟ 


جواب هذا السؤال وفقهه مبني على مقدمة، إذا أحسنا فهمها وتصورناها تصورا صحيحا تبين لنا بوضوح حكم هذه المسألة وما كان مشابها لها. 


هذه المقدمة هي: أن النصوص الشرعية المطلقة الواردة في الحض على الذكر وقراءة القرآن والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم تناولت الذكر بإطلاق 

ولم تدل على خصوص صورة ذكر الله جماعة بصوت واحد 


بمعنى أن ذكر الله جماعة بصوت واحد اشتمل على أمرين

١-ذكر الله

٢-هيئة خاصة في الذكر وهي جماعة بصوت واحد. 


فالنصوص المطلقة كقوله تعالى:[الذين يذكرون الله قياما وقعودا] الآية

دلت على مشروعية الذكر بإطلاق، وليس فيها دلالة على مشروعية هذه الهيئة الخاصة بعينها، فالهيئة الخاصة لا نعتمد في مشروعينها على الدليل العام، ومتى التزمها الإنسان فقد أعطاها وصفا من أوصاف التشريع

وغاية ما يقال فيها: إن الشارع سكت عنها، فيشترط لمشروعيتها ألا يصادمها ترك النبي صلى الله عليه وسلم وترك الصحابة؛ لأن تركهم دليل على أن الشارع لم يرد هيئة مختصة في الذكر تكون مقصودة

ولذا كان دليل الترك أقوى من سكوت الشرع ومجرد تناول النصوص المطلقة للهيئة الخاصة...


فدليل الترك يدل على المنع في نوع هذه المسائل لا مطلقا. 


خليني أقرب المسألة أكثر

لو قلت لك: ائت بزيد

فجئتَ به مربوطا

صح لي أن أقول لك: لماذا أتيت به مربوطا؛ لأن أمري لك بالإتيان به لم يدل على مشروعية هذه الطريقة بخصوصها

يعني لماذا اخترت هذه الطريقة دون غيرها؟!!

وليس لك أن تقول أنت أمرتني أن آتيَ به...

لأني سأقول لك: أنا قلت لك ائت به، ولم أقل لك ائت به مربوطا

فهذه الطريقة بخصوصها أمر زائد على مطلق أمري لك بالإتيان به

فحتى تكون مقصودة لي تحتاج أن تعرف طبعي وعرفي وما يفهمه أتباعي لما أطلب منهم أن يأتوا بفلان...

فعندما يكون أتباعي يأتون بمن أطلب منهم أن يأتوا به غير مربوط

دل ذلك على أن هذه الصورة التي فعلتها لا أريدها وليست مقصودة من قولي: ائت بزيد 

ولا هي وسيلة  مقصودة لي


فالصحابة هم أعلم الناس بمراد الله، فلما خاطبهم الله بالذكر مطلقا وبالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مطلقا

ولم يأتوا به على هيئة جماعية بصوت واحد

علمنا من ذلك أن هذه الصورة بعينها لا يريدها الله في الذكر، وليست مشروعة لا بالقصد الأول ولا بالقصد الثاني.


هذا هو المقصود من الاستدلال بدليل الترك على المنع من البدع الإضافية.


وهنا يأتي الفقه الاستقرائي لأصول الشريعة وأصول أبوابها ومقصد الشارع منها. 


كتبه

د. أحمد محمد الصادق النجار 

أستاذ مساعد بكلية علوم الشريعة


الأحد، 21 مايو 2023

هل الإمام مالك يرى جواز تقيد أهل البلد بمذهب معين؟

 هل الإمام مالك يرى جواز تقيد أهل البلد بمذهب معين؟ 


يحتج بعض من يدعو إلى الإلزام بالمذهبية وعدم مخالفة المشهور؛ بناء على توهم أن المشهور هو ما اعتاد عليه الناس في وقتنا!!

بقصة الإمام مالك مع أبي جعفر المنصور لما أراد أن يلزم الناس بالموطأ فقال له الإمام:( لا تفعل، فإن الناس قد سيقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سيق إليهم، وعملوا به، ودانوا به، من اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغيرهم، وإن ردهم عما اعتقدوه شديد، فدع الناس وما هم عليه، وما اختار أهل كل بلد لأنفسهم. ) 


فجعلوا هذه القصة دليلا على جواز أن يتقيد أهل البلد بمذهب معين ولا يحق لغيرهم مخالفته ولا الإفتاء بغيره!! 


ونحن نسلم بصحة القصة ولا نسلم بصحة ما فهموه، فالدليل لا ينتج المدلول الذي فهموه، وليست القصة في محل النزاع!!


فمدار القصة على تدخل السلطان في الإلزام بالمذاهب، وعدم مراعاة تغير الحكم بتغير العرف..

وليس مدارها على جواز تقيد أهل البلد بمذهب معين وعدم جواز مخالفته بالإفتاء بغيره...

ويكفي أن الخطاب في القصة للحاكم وليس للمفتين...

وأضف إليه أن الإمام علل بما يدل على سعة الخلاف واحتمالية الأدلة ودرء مفسدة حصر الحق في اجتهاد واحد... 


وتوضيح ذلك أن القصة دلالتها واضحة على إقرار الإمام مالك: الخلاف السائغ، 

والمنع من الإلزام وحمل الناس بقوة السلطان على مذهب واحد، 

فالإمام لفقهه وورعه رفض أن يستعمل الحاكم القوة لرفع الخلاف فيما يسوغ فيه الخلاف، وقتل روح الاجتهاد.

فمدلول القصة: المنع من استعمال القوة في إخراج الناس عما اعتادوه واختاروه بحسب ما ورد إليهم من أحاديث وفقه الصحابة، وفرض رأيه واجتهاده عليهم، وهو بشر يعلم ويجهل ويصيب ويخطئ...

وليس فيها المنع من مخالفة ما اعتاده أهل البلد بالحجة وإقامة الدليل مع الرفق وحسن الطرح وعدم الإلزام. 


وهناك جهة أخرى غفل عنها هؤلاء وهي أن في الشريعة أحكاما عُلقت بالعرف وبالمصالح، وهذه تختلف فيها الأحكام باختلاف أعراف الناس وعاداتهم،  

وقد لاحظ الإمام مالك هذا الأمر، ورأى أن إلزام الناس بالموطأ ينافي تغير الحكم بتغير عرفه ومناطه؛ إذ إن عادات الناس تختلف من بلد إلى بلد، وطبيعة بلدهم تختلف

فراعى الإمام مالك تنزيل الأدلة على الواقع وما يحتاجه من فقه ومراعاة لأصول حال التنزيل.

وهذا متعلق بنوعٍ من الأحكام...


وما ذكرته من مدلول القصة هو ما أشار إليه عمر بن عبد العزيز , فقد أخرج الدارمي في سننه عن يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن حميد، قال: قلت لعمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: لو جمعت الناس على شيء؟ فقال: «ما يسرني أنهم لم يختلفوا» قال: ثم كتب إلى الآفاق وإلى الأمصار: ليقض كل قوم، بما اجتمع عليه فقهاؤهم " 


وقال القرافي في الفروق (1/ 176): (فمهما تجدد في العرف اعتبره ومهما سقط أسقطه ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك بل إذا جاءك رجل من غير أهل إقليمك يستفتيك لا تجره على عرف بلدك واسأله عن عرف بلده واجره عليه وأفته به دون عرف بلدك والمقرر في كتبك فهذا هو الحق الواضح) 


كتبه

د. أحمد محمد الصادق النجار 

أستاذ مساعد بكلية علوم الشريعة

السبت، 20 مايو 2023

التحذير من الفوضى التي تشهدها بعض مساجد طرابلس وفقه حديث "من أمَّ قوما وهم له كارهون"

[التحذير من الفوضى التي تشهدها بعض مساجد طرابلس 

وفقه حديث "من أمَّ قوما وهم له كارهون"]


الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده

أما بعد, فإن الله جعل في الأرض بيوتا أذن فيها بذكره, وجعلها موطنا يجتمع فيها المسلمون لأداء صلواتهم ويتحقق بها مقصد الائتلاف والمحبة...

وقد صان الله المساجد من أن تكون محلا للغط واللغو وكل ما لا يليق بها من الأقوال والأفعال, ومنع من كل طريق يعكر رسالة المسجد ويذهب بمقصد صلاة الجماعة فيها.

ولذا كان من فقه أئمة السلف أنه إذا تعذرت إقامة الجماعة إلا بمن فيه بدعة كان تحصيل الجماعة أولى وأعظم؛ فمصلحة إقامة الجماعة في المسجد أعظم من مصلحة النظر في عدالة الإمام...

وهذا فقه استقرائي لعموم الشريعة وأصول أبوابها وما استقرت عليه...

ومن مقتضى الفقه الاستقرائي الذي ننادي به؛ لرفع الفوضى والإبقاء على هيبة الشعائر في القلوب وتحقيقا لمقصد الشارع منها, وحتى لا تتعطل الصلاة في المساجد  يجب الرجوع إلى الجهة المسؤولة عن المساجد ومخاطبتها إذا عينت من يكرهه الناس؛ إذ لو ترك الناس على أهوائهم لفسدت شعائر الناس, ولما استقرت لهم إمامة ولا خطابة...

وأما تهييج العامة على أئمة مساجدهم والدعوة إلى الفوضوية في بيوت الله؛ حتى تصبح المساجد ساحات حرب ولغط, وتصفية حسابات, فهذا مناف لمقصود الشارع من وضع بيوت الله, 

ويبوء بإثم ذلك كل من دعا إلى الفوضوية في المساجد وحرض عليها.


وأما حديث: من أم قوما وهم له كارهون

فهذا الحديث قد ورد من حديث أبي أمامة بلفظ:" ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم, وذكر منهم: وإمام قوم وهم له كارهون" أخرجه الترمذي وفيه اختلف فيه, وليس ضعفه شديدا وقد حسن الحديث الترمذي  بقوله حسن غريب

ورواه أيضا من الصحابة: ابن عباس  وعبد الله بن عمرو وأنس كلهم بألفاظ مقاربة للفظ أبي أمامة, وجاء أيضا مرسلا بنحو لفظ أبي أمامة.

فالحديث لا ينزل عن رتبة الحسن....


وأما فقهه:

فعند الكلام عن فقه هذا الحديث ينبغي أن  يُنظر إليه نظرا قريبا من جهة العلة,  وأن ينظر إليه نظرا بعيدا من جهة الحكمة والمقصود؛ لتكتمل الدلالة ويحسن الفهم.

أما النظر إليه من جهة العلة؛ فعلة المنع من إمامة رجل قوما وهم له كارهون: الكراهة الشرعية, 

بمعنى أن يكون سبب الكراهة أمرا ذمه الشرع؛ لأن الحكم حكم شرعي فيجب أن تكون علته علة شرعية..

فتكون الكراهة التي تمنع من أن يؤم قوما وهم له كارهون هي الكراهة الشرعية, بمعنى: أن يكون الإمام قد تلبس بأمر نهى عنه الشرع وذمه, كالظلم والفسق والبدعة أو الإخلال بواجب في الصلاة أو شرط لها, أو تعاطي ما حرم الله ونحو ذلك...

وينتفي الحكم بانتفاء العلة, فإذا انتفى السبب الشرعي للكراهة لم يترتب عليها الإثم أو الوعيد بعدم قبول الصلاة, كالكراهة بسبب الدنيا, أو بغير حق, أو كراهة المبتدعة للسني؛ فهذه الكراهة لا تمنع الإمامة ولا يترتب عليها الوعيد.

وأما النظر إلى الحديث من جهة الحكمة والمقصود وما عليه الأصول الشرعية فنقول: إن المقصود من الاجتماع للصلاة هو تحقيق الألفة والمحبة, وهذا المقصد أمر كلي حرصت عليه الشريعة وأكدته, وقدمته في بعض المواطن على المحافظة على هيئة الصلاة كما في صلاة الخوف, وقد استقرت الشريعة عليه...

وهذا النظر يقتضي أنه إذا كان بين الإمام والمأموم خلاف عقدي أو معاداة من جنس معاداة أهل الأهواء فينبغي ألا يؤم القوم من هو مخالف لهم إذا كانوا يكرهونه؛ تحقيقا لمقصد الاجتماع وعدم اختلاف القلوب في الصلاة, فتكون مراعاة عدم إمامة من يخالفونه في معتقده ونحوه لأجل المحافظة على مقصود الصلاة جماعة هو الأولى والمقدم, فمصلحة تحقيق مقصود الجماعة أعظم من مصلحة مخالفة الإمام لهم في معتقدهم بقيد إذا كرهوا أن يصلي بهم.

قال ابن تيمية: (ولو كان بين الإمام والمأمومين معاداة من جنس معاداة أهل الأهواء والمذاهب لم يسغ له أن يؤمهم، لأن في ذلك منافاة لمقصود الصلاة جماعة). المستدرك على مجموع الفتاوى (4/ 136)

والعبرة في القوم بأكثر المصلين لا الواحد والاثنين والجماعة القليلة وإذا استوى الطرفان فينبغي ألا يؤمهم.


كتب

د. أحمد محمد الصادق النجار



الأربعاء، 17 مايو 2023

هل الإفتاء بغير ما يراه المفتي صوابا من الغش والخيانة؟

 هل الإفتاء بغير ما يراه المفتي صوابا من الغش والخيانة؟


الواجب على المفتي أن يفتي بما يغلب على ظنه أنه مراد الله, وإلا كان غاشا, خائنا لله ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أفتى الناس بما يغلب على ظنه أنه ليس هو حكم الله .

قال ابن القيم في إعلام الموقعين عن رب العالمين (6/ 74): (ليحذر المفتي الذي يخاف مقامه بين يدي اللَّه سبحانه أن يفتي السائل بمذهبه الذي يقلده وهو يعلم أن مذهب غيره في تلك المسألة أرجح من مذهبه وأصح دليلًا فتحمله الرياسة على أن يقتحم الفتوى بما يغلب على ظنه أن الصواب في خلافه فيكون خائنًا للَّه ورسوله وللسائل وغاشًا له، واللَّه لا يهدي كيد الخائنين، وحرَّم الجنة على من لقيه وهو غاش للإسلام وأهله، والدين النصيحة، والغش مضادٌّ للدين كمضادة الكذب للصدق والباطل للحق، وكثيرًا ما ترد المسألة نعتقد فيها خلاف المذهب، فلا يسعنا أن نفتي بخلاف ما نعتقده)


والمفتي قد يسأله السائل عن رأي المذهب -وهو قليل ويغيب عن الذهن عند السؤال-، وقد يسأله عن اجتهاده, فإذا سأله عن المذهب فله أن يخبره بما في المذهب ثم يخبره بما يراه صوابا, وأما إذا سأله عن اجتهاده فليس له أن يخبره إلا بما يراه صوابا, ففي إعلام الموقعين عن رب العالمين (6/ 167): (وقد قال القفال: لو أدى اجتهادي إلى مذهب أبي حنيفة قلت: مذهب الشافعي كذا لكني أقول بمذهب أبي حنيفة؛ لأن السائل إنما يسألني عن مذهب الشافعي، فلا بد أن أعرِّفه أنَّ الذي أفتيتُه به غير مذهبه، فسألت شَيَخنا -قدَّس اللَّه روحه- عن ذلك فقال: أكثر المُستفتين لا يخطر بقلبه مذهب معين عند الواقعة التي يسأل عنها، وإنما سؤاله عن حكمها، وما يعمل به فيها، فلا يسع المفتي أن يفتيه بما يعتقد الصواب في خلافه).


ويزداد الأمر تغليظا إذا كان ما عليه المذهب مما يخالف الصواب عنده يوقع الناس في الضيق والحرج, فيخرج بالإفتاء به عن دلالة الدليل الجزئي في المسألة ويخرج أيضا عن دلالة الأدلة الكلية التي تدل على رفع الحرج والضيق.


نعم, إذا لم يغلب على ظن المفتي شيء فله أن يفتي الناس بمشهور المذهب بما لا يوقع في نقض أصل كلي ومقصد شرعي, والأولى له أن يتوقف.


هذا ما درج عليه الصحابة، والتابعون والأئمة الأربعة وغيرهم 

إلا أن البعض يستمسك بكلام المازري والشاطبي, وهو ما نقله الشاطبي في الموافقات (5/ 101) من قول المازري: (ولست ممن يحمل الناس على غير المعروف المشهور من مذهب مالك وأصحابه؛ لأن الورع قل، بل كاد يعدم، والتحفظ على الديانات كذلك، وكثرت الشهوات، وكثر من يدعي العلم ويتجاسر على الفتوى فيه، فلو فتح لهم باب في مخالفة المذهب؛ لاتسع الخرق على الراقع، وهتكوا حجاب هيبة المذهب، وهذا من المفسدات التي لا خفاء بها، ).

فعلق عليه الشاطبي بقوله: (فانظر كيف لم يستجز -وهو المتفق على إمامته- الفتوى بغير مشهور المذهب، ولا بغير ما يعرف منه بناء على قاعدة مصلحية ضرورية؛ إذ قل الورع والديانة من كثير ممن ينتصب لبث العلم والفتوى كما تقدم تمثيله؟ فلو فتح لهم هذا الباب لانحلت عرى المذهب، بل جميع المذاهب؛ لأن ما وجب للشيء وجب لمثله، وظهر أن تلك الضرورة التي ادعيت في السؤال ليست بضرورة).


فرأي هؤلاء العلماء هو خروج عن الأصل لمقتضى المصلحة في وقت ما، وهو اجتهاد في منع الإفتاء بما أدى إليه الاجتهاد، 

وعليه سؤال واعتراض وهو: إذا كان الإفتاء بخلاف المذهب ممنوعا لمقتضى المصلحة اجتهادا فكيف تمنعون الاجتهاد باجتهاد؟!! 

بمعنى كيف يمنع الاجتهاد بطريق الاجتهاد؟!


أما ما استندوا عليه من مصلحة

فمعلوم أن الشارع لم يغفل هذه المصلحة التي ذكرها الشاطبي وإنما سد الطرق المفضية إلى نقضها بالترهيب من الإفتاء بغير علم, والافتراء على الله, والتحذير من تتبع الرخص, 

ولم يسدها بمنع الإفتاء بخلاف المذهب!!!

ولذا رأى السلف وكثير من الأئمة أن ما يد به الشرع المفسدة يغني عن قطع باب الاجتهاد وعن المنع من الإفتاء بما يغلب على الظن صوابه وإن خالف المذهب.

فالشرع لما أمر المفتي أن يتبع الكتاب والسنة والإفتاء بهما سد كل طريق يفضي إلى غير مراد الله بالترهيب والتحذير والوعيد؛ مما أغنى عن تقييد الدليل وتخصيصه.

كيف وأن التقييد بالمذهب أو المشهور منه جر إلى مفاسد كاعتقاد صواب ما في المذهب دون غيره, وإلى فساد قول الخارج عنه, وأن المفتى بخلاف المذهب يستحق العقوبة, وجر أيضا إلى إماتة روح الاجتهاد عند بعضهم, وإلى اعتبار أن الأدلة المخالفة لمشهور المذهب إنما تقرأ تبركا؟!!

فكان المنع من الإفتاء بخلاف المذهب مفاسده أعظم من المصالح المرجوة...


ثم إذا جوزوا الاستدلال بالضعيف والشاذ للمصلحة والضرورة وراعوا الخلاف مع أنه خلاف الصواب في نظره 

فتجويز إفتاء المفتي بما غلب على ظنه صوابه أولى وأوجب.


كتبه: د. أحمد محمد الصادق النجار

أستاذ مساعد بكلية علوم الشريعة

الثلاثاء، 16 مايو 2023

هل المصلحة الشرعية تقتضي التزام المؤسسات الإفتائية في البلدان الإسلامية بمذهب فقهي واحد أو لا؟

 هل المصلحة الشرعية تقتضي التزام المؤسسات الإفتائية في البلدان الإسلامية بمذهب فقهي واحد أو

لا؟

واقع المؤسسات الإفتائية في البلدان الإسلامية بين اعتماد مذهب فقهي واحد تعتمد عليه في الفتوى وبين عدم اعتماد مذهب فقهي واحد في الفتوى وإن كانت تنتسب في الترتيب العلمي إلى مذهب فقهي واحد، من غير أن تخرج إلى الأقوال الشاذة وضعيفة المدرك.

وحتى نصل إلى ما تقتضيه المصلحة الشرعية الراجحة فهذا يستوجب منا أن نذكر ما ذكره أصحاب هذين الاتجاهين من مصالح ومفاسد:

١-أصحاب اتجاه التزام المؤسسة الإفتائية بمذهب واحد تعتمد عليه في الفتاوى
يرون أن ذلك يحقق مصلحة:
-انضباط الناس على قول واحد.
-انضباط الفتوى بانضباط المذهب في أقواله.
-عدم تعدد الآراء والاجتهادات.


٢-أصحاب اتجاه عدم التزام المؤسسة الإفتائية بمذهب واحد تعتمد عليه في الفتوى
يرون أن ذلك يحقق مصلحة:
- تحقيق مصالح الناس بحسب زمنهم وحالهم وعرفهم  في الأحكام المتغيرة.
-عدم التحجير على الناس والتضييق عليهم فيما يتعلق بحاجياتهم وما تعلق بنوازلهم.
-عدم التضييق على الناس فيما قصد الشارع فيه التوسعة.
-مواكبة مستجدات العصر وما توسع فيه الناس بما لا يجعلهم في حرج ولا يخرج عن أصول الشريعة وصحة الاستدلال ومن غير إحداث قول جديد فيما تكلم فيه المتقدمون.

والصواب من الاتجاهين هو الاتجاه الثاني؛ لأن المصالح التي ذكروها هي مصالح اعتبرها الشرع وأجرى عليها أحكاما
ولم يلزم منها مفاسد راجحة

وأما من تجرأ على الفتوى فأفتى بغير علم وادعى إعمال الأدلة والقواعد أو تتبع الرخص والشواذ فقد أغلقت الشريعة هذه المفسدة بالترهيب من التقول على الله بغير علم وترتيب العقوبة عليه والتحذير من تتبع الرخص...

بقي أن نبين أن المصالح التي ذكرها أصحاب الاتجاه الأول هي مصالح ملغاة قي الشريعة، ويترتب على اعتبارها مفاسد راجحة ...

ومن تلك المفاسد:
-إلزام المفتي أن يفتي بما يغلب على ظنه أنه ليس هو حكم الله في المسألة.
- التضييق على الناس فيما وسعه الشارع.
-عدم إمكانية الالتزام بمذهب واحد في المسائل المستجدة المتعلقة بالاقتصاد والأمور المالية المعاصرة؛ مما ينقض عليهم ما ذكروه من مصالح.
-التزام مشهور المذهب تارة والخروج عنه تارة أخرى؛ بدعوى تغير أحوال الناس وما يقتضيه القول من إيقاع العبد في الحرج الشديد ونحو ذلك؛ مما ينقض أن الاعتماد على مذهب واحد لا مفسدة فيه.

والذي أوصي به هو عدم الاعتماد على مذهب واحد في المؤسسة الإفتائية مع التشديد في أهلية المفتين
ولا يفتي في النوازل والمستجدات إلا مجموعة تتوفر فيهم أهلية الاجتهاد على اختلاف تخصصاتهم وفنونهم يتم تعيينهم بالنظر إلى أهليتهم...

وعدم التقيد بمذهب واحد يمكنهم من إعمال الأدلة والنظر في دلالتها وتحقيق مناطاتها والنظر في مقاصد الشريعة من غير أن يكون المذهب سببا للجمود عليه...

كتبه
د. أحمد محمد الصادق النجار 

المناطات التي تتعلق بها مسألة مخالفة المؤسسة الإفتائية في الشأن العام والنوازل

هل القضايا العامة والنوازل لا يفتي فيها إلا المؤسسات الإفتائية في الدولة ولا يحق لغيرهم إظهار مخالفتهم؟ 


تقدم معنا في مقال سابق أن المصلحة التي علق عليها عدم مخالفة المؤسسة الإفتائية هو انضباط الناس على قول واحد، 

وقد بينا أن هذه مصلحة ألغاها الشارع ولم يعتبرها، ولا فرق في عدم اعتبارها بين أن تكون المسألة متعلقة بالشأن العام والنوازل وبين أن تكون مسألة خاصة... 


وقد روى البخاري (1563)، ومسلم (1223) عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الحَكَمِ، قَالَ: "شَهِدْتُ عُثْمَانَ وَعَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَعُثْمَانُ يَنْهَى عَنِ المُتْعَةِ، وَأَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا، فَلَمَّا رَأَى عَلِيٌّ؛ أَهَلَّ بِهِمَا، لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ، قَالَ:مَا كُنْتُ لِأَدَعَ سُنَّةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَوْلِ أَحَدٍ".

ورواه أحمد (1139) وفيه: " فَقَالَ عُثْمَانُ: " تَرَانِي أَنْهَى النَّاسَ عَنْهُ وَأَنْتَ تَفْعَلُهُ؟

قَالَ: "لَمْ أَكُنِ أَدَعُ سُنَّةَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَوْلِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ". 


وقد أجمع على ذلك الصحابة إجماعا سكوتيا؛ فقد أفتى ابن عباس بما يخالف حكم الحاكم -وهو أبو بكر رضي الله عنهم- في حجة التمتع، فقد كان أبو بكر وعمر ينهيان نهيا عاما في مسألة تتعلق بأعظم مجمع للمسلمين

ومع ذلك أظهر ابن عباس المخالفة، ولم يعتبر مناط انضباط الناس على قول واحد.

وكذا أبو سعيد الخدري أظهر مخالفة معاوية وهو أمير المؤمنين رضي الله عنهم في أن المُدّين من سمراء الشام تعدل صاعا من تمر ...

وعن أبي هريرة رضي الله عنه يقول سألت عمر رضي الله عنه عن رجل من أهل البحرين طلق امرأته تطليقة أو تطليقتين فتزوجت ثم إنَّ زوجها طلقها ثم إنَّ الأول تزوجها على كم هي عنده قال هي على ما بقي من الطلاق" رواه عبد الرزاق (11150) وسعيد بن منصور (1525) وابن أبي شيبة (5/101)

واظهر ابن عباس وابن عمر مخالفته

فعن ابن عباس: "أنَّه قال النكاح جديد والطلاق جديد " رواه عبد الرزاق (11166) 

 وعن ابن عمر: "قال النكاح جديد والطلاق جديد " رواه عبد الرزاق (11164) 

فدل إجماع الصحابة على أن مصلحة انضباط الناس على قول واحد غير معتبرة.. 


ثم إن العلماء المجتهدين في كل عصر يخالفون ما عليه المفتون في بلدانهم ويظهرونه للناس، ويرون أن كتمانه من كتمان العلم... 


وقد دلت النصوص الشرعية أن الحكم الشرعي الواجب الاتباع أو بعبارة أخرى: الشرع اللازم هو حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فليس لأحد أن يلزم أحدا إلا بحكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فمن ألزم بجهة دون غيرها فيما تحتمله الأدلة فهو في الحقيقة يلزم الناس بغير ما يقطع فيه أنه حكم الله؛ إذ قد يكون حكم الله في القول الآخر. 


فإن قالوا: مستندنا في ذلك المصلحة، لا الإلزام بقول الجهة وجعلها شرعا ملزما.

قيل: هي مصلحة ألغاها الشارع ولم يعتبرها.


قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى: (35/372) ليس المراد بالشرع اللازم لجميع الخلق حكم الحاكم ولو كان الحاكم أفضل أهل زمانه بل حكم الحاكم العالم العادل يلزم قوما معينين تحاكموا إليه في قضية معينة لا يلزم جميع الخلق ولا يجب على عالم من علماء المسلمين أن يقلد حاكما لا في قليل ولا في كثير إذا كان قد عرف ما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم بل لا يجب على آحاد العامة تقليد الحاكم في شيء بل له أن يستفتى من يجوز له استفتاؤه وإن لم يكن حاكما. 


أضف إلى ما تقدم أن القائلين باختصاص الحاكم أو المؤسسات الإفتائية بالقضايا العامة هم مختلفون في تحديدها، فمنهم من أخرج باب العبادات إلا تبعا

وقال في الذخيرة(١٠/١٣٣):(...العبادات كلها لا تقبل الحكم، وهلال رمضان وذي الحجة إنما حظ الحاكم فيه إثبات السبب الذي هو رؤية الهلال...)

ومنهم من أدخل باب العبادات... 


وهنا يأتي سؤال: هل إذا ألزم الحاكم رعيته بعدم إظهار مخالفة المؤسسة الإفتائية يكون إلزامه واجب الأخذ به شرعا؟

والجواب: أن إلزام الحاكم المفتين بالأخذ بفتاوى المؤسسة الإفتائية وعدم الخروج عنها في المسائل الخلافية المحتملة الأدلة والتي لا يترتب على مخالفتها مفسدة تعود إلى ضرر على عموم المسلمين فيما يتعلق بضروراتهم وإلحاق الحرج الشديد بهم: لا يجوز

وهو من باب إلزام الناس بما لا يلزمهم شرعا، ولا يحقق مصلحة شرعية اعتبرها الشرع وأجرى عليها الأحكام...

وقد دلت النصوص الشرعية على أن الحكم الشرعي الواجب الاتباع أو بعبارة أخرى: الشرع اللازم هو حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فليس لأحد أن يلزم أحدا إلا بحكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فمن ألزم بجهة دون غيرها فيما تحتمله الأدلة فهو في الحقيقة يلزم الناس بغير ما لا يلزمهم شرعا

وبما لا يقطع فيه أنه حكم الله؛ إذ قد يكون حكم الله في القول الآخر.

ولما سئل ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (٣٠/٧٩) 

"عَمَّنْ وَلِيَ أَمْرًا مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ وَمَذْهَبُهُ لَا يُجَوِّزُ "شَرِكَةَ الْأَبْدَانِ" فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ مَنْعُ النَّاسِ؟ 

فَأَجَابَ:

لَيْسَ لَهُ مَنْعُ النَّاسِ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ وَلَا مِنْ نَظَائِرِهِ مِمَّا يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ وَلَيْسَ مَعَهُ بِالْمَنْعِ نَصٌّ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا إجْمَاعٍ وَلَا مَا هُوَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ؛ لَا سِيَّمَا وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى جَوَازِ مِثْلِ ذَلِكَ وَهُوَ مِمَّا يَعْمَلُ بِهِ عَامَّةُ الْمُسْلِمِينَ فِي عَامَّةِ الْأَمْصَارِ. وَهَذَا كَمَا أَنَّ الْحَاكِمَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْقُضَ حُكْمَ غَيْرِهِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَلَا لِلْعَالِمِ وَالْمُفْتِي أَنْ يُلْزِمَ النَّاسَ بِاتِّبَاعِهِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ؛ وَلِهَذَا لَمَّا اسْتَشَارَ الرَّشِيدُ مَالِكًا أَنْ يَحْمِلَ النَّاسَ عَلَى "مُوَطَّئِهِ" فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ. وَقَالَ: إنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَفَرَّقُوا فِي الْأَمْصَارِ وَقَدْ أَخَذَ كُلُّ قَوْمٍ مِنْ الْعِلْمِ مَا بَلَغَهُمْ. وَصَنَّفَ رَجُلٌ كِتَابًا فِي الِاخْتِلَافِ فَقَالَ أَحْمَد: لَا تُسَمِّهِ "كِتَابَ الِاخْتِلَافِ" وَلَكِنْ سَمِّهِ "كِتَابَ السُّنَّةِ" ."

تنبيه مهم

لا يلزم من نفي أن يكون انضباط الناس على قول واحد مناطا صحيحا على عدم إظهار مخالفة فتوى المؤسسة الإفتائية: نفي عدم جواز إظهار مخالفة المؤسسة الإفتائية بإطلاق؛ لأنه يمكن تصحيح عدم مخالفتها بمناط آخر ويكون خاصا بالمسائل المتعلقة بهذا المناط دون غيرها من قضايا الشأن العام والنوازل والسياسة

بشرط أن تكون منطلقات المؤسسة الإفتائية وأصولها صحيحا على طريقة العلماء الراسخين وأصول أهل السنة وطريقة الفقهاء في الاستدلال وتحقيق المناط... 

وهذا المناط الذي نصحح به عدم جواز إظهار مخالفة المؤسسة الإفتائية هو درء المفسدة ولحوق الضرر العام بالمسلمين، فيكون الضرر الراجح راجعا لعموم المسلمين وضروراتهم...

ومنه أخذ ابن مسعود بإتمام عثمان؛ دفعا للضرر العام والمفسدة الراجحة المتعلقة بالاجتماع على أمر الخليفة....

وبالتالي تكون المسائل محتملة الأدلة المختلف فيها التي يحق للمؤسسة الإلزام بقولها او عدم مخالفتها: ما كانت مخالفتها فيها تترتب عليه مفسدة راجحة متعلقة بمصلحة عموم المسلمين وشعائر دينهم ... ولا يمكن دفعها إلا بمنع مخالفتها... 

وليس من هذا الباب مخالفتها في مسائل الطلاق أو البيوع ونحو ذلك... 

وأيضا يمكن تصحيحه بمناط تغير الأحكام بتغير الحال والعرف والزمن في الأحكام المعلقة بالمصلحة والعرف، فمتى كان حكم المؤسسة الإفتائية مرتبا ترتيبا صحيحا على ما علق عليه الحكم ولم يُخِل بمقصد من مقاصد الشريعة كان قولها ملزما في الأحكام العملية...

لأن هذا النوع من الأحكام يحتاج إلى فقه خاص واجتهاد عال ولا يقدم عليه من لم يكن متمكنا عالما بالأصول وفقه الاستقراء ومقاصد الشريعة

وهذا التصحيح لا يشمل كل مسائل الشأن العام، وإنما هو خاص بالمسائل التي لا نص فيها يبين حكمها وإنما علقت بالمصالح والعرف... 

هذا هو تحرير المسألة  في ظني

فهي تحرر بطريقين:


الاول: إطلاق جواز إظهار مخالفة المؤسسة الإفتائية فيما أفتت به في الشأن العام والنوازل وما يتعلق بالسياسة

ثم نعود على هذا الإطلاق بالتقييد فيما لم تكن فيه مفسدة راجحة تعود على المسلمين بالضرر المتعلق بحفظ الضرورات ومكملاتها.

وهذا الطريق  في التحقيق يسلكه الشاطبي في الموافقات.. 


الثاني وهو الأدق: ألا يطلق الحكم بالجواز ولا بالمنع وإنما ينظر في ذلك إلى المناطات وما تعلق بها من مسائل، فيجوز إظهار المخالفة بالنظر إلى مناط، ولا يجوز بالنظر إلى مناط آخر، وتتنوع المسائل في أحكامها بتنوع مناطاتها.

وهذا الطريق يسلكه ابن تيمية وغيره في كتبهم.. 


كتبه

د. أحمد محمد الصادق النجار 


الأربعاء، 10 مايو 2023

حكم #المسبحة

حكم #المسبحة

وبعبارة تحليلية(حكم استعمال الخرز والمسبحة الالكترونية آلة يسبح بها)
وبعبارة أخرى تحدد محل النزاع(هل التسبيح باليد مقصود للشارع لا يريد لأحد أن يتجاوزه؟)

حتى نقف على حكم هذه المسألة نحتاج أن نعرف هل باب الذكر باب وسع الشارع في أدواته أو ضيق؟

إذ لا يكتفى بانطباق تعريف البدعة على الفعل حتى يكون بدعة شرعا
وإنما مع ذلك لابد من النظر في أصول الأبواب ومراعاة مقصد الشارع فيها وما جرى عليه عرف الشريعة في نظائر المسألة المبحوثة...
فالحكم بالبدعة فقه ونظر إلى ما  جرى عليه عرف الشارع، وليس هو مجرد اعتماد على التعريفات والحدود والنظر إلى القواعد نظرا رياضيا ..

نقول:
لم يقصد الشارع في باب الذكر التضييق في الأدوات التي تعين على الذكر، وإنما قصد التوسعة...
بل باب العبادات لم يقصد الشارع التضييق في الآلات والأدوات التي يتحقق بها الفعل التعبدي ويترتب عليها تحقق مقصوده
ومن شواهد ذلك:
استعمال مكبر الصوت في نقل صوت المؤذن والإمام، وركوب السيارة لصلاة الجماعة...
وحتى وسائل الطاعة منها ما جرى عرف الشارع في الباب على كونها مقصودة لا يريد الشارع من العبد أن  يتجاوزها، ومنها ما لا يظهر في الباب هذا المعنى...

ومن المعلوم أن مراعاة مقصد الشارع وأصوله في الأبواب مما يقيد الاحتجاج بترك النبي صلى الله عليه وسلم
فالترك في هذه الحال لا يقتضي المنع، بل ليس محله ما أراد الشارع فيه التوسعة، وإنما محله ما قصد الشارع منه عدم مجاوزة ما حده وشرعه...
ولا يظهر لي صحة الاحتجاج بالترك في الذكر بالمسبحة؛ لعدم إغلاق الشارع الأدوات في باب الذكر
ولذا كان من فقه الصحابة والتابعين عدم النهي عن العد بالحصا في التسبيح؛ لموافقتها أصول الأبواب
جاء في مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه.
لإسحاق بن منصور الكوسج.
أنه قال للإمام أحمد: "قُلْتُ: يُسبِّحُ الرجلُ بالنَّوى؟
قال: قَدْ فَعلَ ذلك أبو هريرةَ وسعد رضي اللَّه عنهما.
وما بأسٌ بذلك!
النبيُّ صلى اللَّه عليه وسلم قد عَدَّ.
قال إسحاق بن راهويه: كمَا قال".

وما ورد عن ابن مسعود من النهي إنما كان في الاجتماع على الذكر وعد الحسنات، فمحل إنكاره الصورة المركبة..

أضف إلى ذلك أنه لما كان الذكر مشروعا وعده مشروعا لم يشدد الله في وسيلته؛ لأنها وسيلة ليست مقصودة لذاتها،
فالعد لما كان مشروعا كانت وسيلته مشروعة؛ لشهادة الأصول على عدم المنع منها...

وهذا يدلنا على جواز استعمال السبحة في التسبيح، وسكوت النصوص الحزئية عنها لا يدل على عدم جوازها..

وإن كان الأفضل هو العد بأصابع اليد؛ لأنها مسؤولة مستنطقة، لكن لم يقصد الشارع حصر وسائل الذكر فيها، ولذا علل بما لا يفيد الحصر، وهو إنما أرشد إلى ما هو أيسر وأفضل.
والإرشاد إلى ما هو أفضل لا ينافي جواز ما دونه.

وأما احتجاج بعض العلماء على المنع بالتشبه بالأمم السابقة
فجوابه من وجهين:
الأول: لو سلم أنها أخذت من الأمم السابقة فليس في شرعنا ما يمنع منها، بل تشهد الأصول العامة على جوازها
والقول بجوازها هو قول أكثر الفقهاء؛ مما يعد قرينة قوية على عدم منع الشريعة منها.
الثاني: أن علة الاختصاص قد زالت بمشاركة المسلمين لهم قي الاستعمال.

ويحب أن يعلم أن الحكم يتغير بتغير مناطه، فإذا كان استعمال السبحة مظنة الرياء أو مشابهة المرائين فإنه يحرم أو يكره لا لكونها آلة وإنما لكونه مظنة للرياء أو للتشبه
وكذا إذا استعملت السبحة للمن على الله بالذكر وعد الحسنات فهنا أيضا يحرم؛ فقد أخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي قال: "كان عبد الله -يعني ابن مسعود رضي الله عنه- يكره العَدَّ، ويقول: أّيُمَنُّ على الله حسناته؟!".
وكذا يحرم إذا خرجت السبحة عن كونها وسيلة إلى كونها مقصودة لذاتها فاعتقد المسبح فضلها واستحبابها.
وكذا يحرم إذا كان على الصورة التي يختص بها أهل البدع.

والخلاصة: الجواز إذا
لم يعتقد استحبابها ولا أنها أفضل من التسبيح باليد بإطلاق
ولم تكن مظنة للرياء والتفاخر
ولم يُمَن بها على الله بكثرة الذكر
ولم يكن اتخاذها على الصورة التي يختص بها أهل البدع. 

وهناك من العلماء المتأخرين من منع وحكم ببدعيتها.

كتبه
د. أحمد محمد الصادق النجار
أستاذ مساعد بكلية علوم الشريعة/المرقب

http://abuasmaa12.blogspot.com/2023/05/blog-post_10.html

الثلاثاء، 9 مايو 2023

الاستغاثة بغير الله

الاستغاثة بغير الله 


[محل البحث في الاستغاثة التي يجامعها غاية الخضوع والافتقار لا مطلق الاستغاثة بغير الله]


الاستغاثة بالمخلوق نوع طلب مباشر من غير الله

والمعنى الذي روعي في الدعاء والاستغاثة هو إظهار الذل والاخضوع والانكسار الذي لا يكون إلا لله -وهو غايته- وما يصحب ذلك ويقارنه من تعلق القلب بغير الله وقيام غاية الخضوع به..

وهذه هي سمة التعبد وركنه 

وجزء ماهيته... 


ولما كانت حقيقة الاستغاثة لا تنفك عن هذا المعنى كانت عبادة... 


والحكم على هذا النوع بالشرك الاكبر لمن صرفه لغير الله هو من ضرورة الشرع، فهو ينافي المقصود الأعظم للشريعة وهو تحقيق العبودية لله وحده، وفي هذا النوع من الاستغاثة صرف نوع من أنواع العبودية لغير الله 


ولما كان ذلك متقررا في قلوب الصحابة وعلمهم لم يستغث أحد منهم بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته، فهم يعلمون علم يقين أن هذا النوع من الاستغاثة مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام أنه شرك؛ لتحقق صرف كمال الخضوع والتذلل الذي قارن الطلب من غير الله .


وأنبه هنا أنه قد توجد صورة الاستغاثة ولا توجد حقيقتها فلا تكون عبادة، 

إذ لا يلزم من وجود صورة الاستغاثة وجود حقيقتها........

وتوجد صورة الاستغاثة في الطلب من حي حاضر قادر يسمع

فهذه الصورة لا يوجد معها الافتقار والذل الذي لا يكون إلا لله ولا هو من جزء ماهيتها

وهي جائزة 


وجواز هذه الصورة من ضرورة طبيعة البشر واتخاذ بعضهم بعضا سخريا، ومن ضرورة التعايش فيما بينهم. 


وقد خلط بعض المجوزين للاستغاثة بغير الله من القبوريين بين صورة الاستغاثة التي هي جائزة وبين حقيقة الاستغاثة التي هي شرك الأكبر؛ فيستدل على جواز الثانية بالشواهد والأدلة التي تدل على جواز الأولى، وهذا من تغاير المحل بين المقدمات والنتيجة المطلوب الوصول إليها.

وبعضهم أخرج حقيقة الاستغاثة عن تضمنها للتعبد بإضافة قيد أجنبي في حقيقة العبادة وهو اعتقاد الربوبية في المستغاث به!!

فحرف مفهوم العبادة والتعبد؛ ليسلم له تجويز الاستغاثة الشركية!!!

ومعلوم من دلالة النصوص الشرعية وفقه السلف أن اعتقاد الربوبية ليس جزءا من حقيقة العبادة ولا هي متضمنة فيها. 


وبعضهم بنى جواز الاستغاثة على نفي تأثير الأسباب في مسبباتها

بمعنى أن المستغيث عندما يطلب من المستغاث به فهو في الحقيقة يطلب من الله ولا يعتقد في المستغاث به التأثير، وإنما هو علامة فيتحقق المطلوب عنده لا به!! 


وفي هذا إبطال ما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام من جعل الله للأسباب قوة التأثير في المسببات، فخلق في بعضها من القوى الطبيعية ما يكون مؤثرا في الشيء كما خلق في الأكل ما يكون مؤثرا لسد الجوع، وجعل النبات إنما يكون بالماء

وإبطال أيضا لما يعلم من ضرورة الشرع من إبطال شرك العرب واستغاثتهم بالأصنام مع عدم اعتقادهم استقلاليتها بالتأثير. 


فإن قيل: الاستغاثة بغير الله من باب المجاز العقلي

بمعنى أن إضافة الاستغاثة إلى المخلوق من باب الاسناد الفعل إلى غير من يقوم به كقول القائل بنى الأمير القصر.

فأسندت الاستغاثة إلى المخلوق والمقصود بها الخالق... 


قيل: يلزم منه نفي ما علم بالضرورة من الشرع من كفر مشركي العرب ووقوعهم في الشرك؛ بسبب الاستغاثة بالأصنام ودعائها من دون الله، ولم يحمل فعلهم على المجاز العقلي

وينافي أيضا ما علم بضرورة الحس من وقوع من يستغيث بغير الله من المسلمين في غاية الخضوع والذل لصاحب القبر أو للمستغاث به، وأن إسناد الفعل إليه حقيقي لا مجازي.

ثم إن هناك فرقا بين الحكم على فعل الاستغاثة وبين الحكم على الفاعل، فلا ينظر في الحكم على الفعل إلا إلى حقيقة الفعل فإذا وجد في الفعل طلب من المخلوق مع غاية الخضوع والذل تحقق فيه معنى الاستغاثة وأما في الحكم على الفاعل فينظر إلى مقصوده ومراده. 


والبحث في المسألة يطووول 


د. أحمد محمد الصادق النجار

الأحد، 7 مايو 2023

التبرك بالصالحين

 التبرك


 وهو طلب البركة.

 والبركة هي ثبوت الخير ونماؤه وكثرته هكذا في لغة العرب. 

والبركة لا تكون إلا من الله, قال تعالى:[ وباركنا عليه وعلى اسحاق ].


  ولا تضاف البركة على جهة الإطلاق إلا على الله، فلا يجوز لك أن تقول لرجل إذا زارك : زارتنا البركة.

 وتصح أن تضاف إلى المخلوق على سبيل التقييد،  كما في الحديث ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر. 


والبركة تكون من الله تعالى وتكون أيضا فيما شرعه، وفيما وضع فيه البركة؛ فان الله تعالى يجعل بعض المخلوقات مباركة, 

لكن البركة لا تطلب الا من الله, أو بأمره,  فليس كل ما كان مباركا في نفسه صح أن تطلب منه البركة، وإنما لا بد في ذلك من الشرع، فما شرع لنا طلب البركة منه جاز طلبها منه، وما لم يشرع وان كان مباركا فلا يجوز طلب البركة منه.

فالكعبة مباركة ولا يجوز لنا أن نتمسح بها. 


وعلى هذا فالتبرك -وهو طلب البركة- ينقسم إلى قسمين:

الأول: مشروع: وهو ما ورد به النص في جواز التبرك به.

الثاني: غير مشروع: وهو ما لم يأت النص بجواز طلب البركة منه.


والمشروع وغير المشروع أنواع:

1-بالنسبة للاشخاص، فيشرع التبرك بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ لورود النص بذلك, كما جاء في قصة الحديبية فقد كان الصحابة يتبركون بآثار رسول الله, ويلتقطون فضل وضوئه، وكان لأم سلمة شعرة من شعرات رسول الله صلى الله عليه وسلم تداوي بها المرضى.


 وأما غيره من الأشخاص فحكم التبرك بهم يرجع إلى فهم مقصود الشارع من أبواب التوحيد وعموم التشريع

والمقصود الاعظم للشريعة هو تحقيق العبودية ومنع كل طريق يوصل إلى نقضه. 

وإذا نظرنا إلى الصحابة رضوان الله عليهم وجدنا أنهم تركوا التبرك بأفضل الخلق بعد الأنبياء وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي, فلم يتبركوا بهم مع وجود المقتضي وزوال المانع,

وهذا الترك من الصحابة: 

موافق لأصول الشريعة؛ فالله عز وجل سد في باب التوحيد كل طريق يوصل إلى نقضه وإنقاصه, فما شرعه الله في باب التوحيد راعى فيه إغلاق كل باب يقدح فيه,

فهذا الباب قصد الشارع إلى تضييقه 

وهذا يقتضي منع التبرك بآثار الصالحين؛ لأنه ذريعة إلى نقض التوحيد بالتعلق بالصالحين وسؤالهم من دون الله ورجائهم...

ولترك الصحابة وموافقته للأصول, 

وبالنظر إلى تضييق الشارع في الأبواب التي تفضي إلى الغلو في الصالحين 

فترك الصحابة والتابعين التبرك بآثار الصالحين يدل على عمق فهمهم واستقرائهم للشريعة وعلمهم بمقصد الشارع في التنزيل..


ولم يكن فقههم في هذه المسألة محصورا في استعمال القياس الجزئي أو النظر في بعض النصوص والآثار التي فهم منها المجوزون جواز التبرك 

من غير التفات إلى عرف الشارع في أبواب التوحيد ومقصوده في إغلاق كل طريق يقدح في كمال التوحيد..


فما استدل به المجوزون مما صح سنده -إن سلمت لهم مقدماته الاستدلالية- لا يقوى على رفع أصول التشريع وقواعده في باب التوحيد من جهة, وإجماع الصحابة والتابعين على تركه من جهة أخرى, 

ومستند الإجماع : قواعد الشريعة في باب التوحيد, ومجموع النصوص التي تحمي حمى التوحيد وتقطع كل طريق يوصل به إلى نقضه أو نقصه.

وهذا يرفع من الإجماع ويقويه..

وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إطرائه, وكان سبب شرك قوم نوح: الغلو في الصالحبن

وأخرج عبد الرزاق الصنعاني في المصنف (2/ 118) عن المعرور بن سويد قال: كنت مع عمر بين مكة والمدينة، فصلى بنا الفجر، فقرأ: ألم تر كيف فعل ربك، ولئيلاف قريش، ثم رأى أقواما ينزلون فيصلون في مسجد، فسأل عنهم فقالوا: مسجد صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «إنما هلك من كان قبلكم أنهم اتخذوا آثار أنبيائهم بيعا، من مر بشيء من المساجد فحضرت الصلاة فليصل وإلا فليمض»


وأما تحري سلمة بن الأكوع الإسطوانة التي كان يصلي إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنما كان يتحراها لكمال اتباع النبي صلى الله عليه وسلم ولأجل الصلاة لا للتبرك بالاسطوانة.


ومن جنسه فعل ابن عمر رضي الله عنه, فقد كان يفعل ذلك؛ لكمال متابعة النبي صلى الله عليه وسلم


ولما كان من أصول الإمام مالك سد الذريعة منع التبرك بآثار الصالحين:

قال ابن وضاح: وكان مالك بن أنس وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد وتلك الآثار للنبي صلى الله عليه وسلم ما عدا قبا واحدا. البدع لابن وضاح (2/ 88)

وقال ابن الحاج: (... لأن التبرك إنما يكون بالاتباع له - عليه الصلاة والسلام - وما كان سبب عبادة الجاهلية للأصنام إلا من هذا الباب

ولأجل ذلك كره علماؤنا رحمة الله عليهم التمسح بجدار الكعبة، أو بجدران المسجد، أو بالمصحف إلى غير ذلك مما يتبرك به سدا لهذا الباب ولمخالفة السنة؛ لأن صفة التعظيم موقوفة عليه - صلى الله عليه وسلم -، فكل ما عظمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نعظمه ونتبعه فيه، فتعظيم المصحف قراءته، والعمل بما فيه لا تقبيله ولا القيام إليه كما يفعل بعضهم في هذا الزمان، وكذلك المسجد تعظيمه الصلاة فيه لا التمسح بجدرانه). المدخل لابن الحاج (1/ 263)

2-الاماكن، كمكة ومنى التي عظمها الله؛ فيتبرك فيها بالأعمال الصالحة المشروعة فيها كالطواف والمبيت بمنى في الحج, وبما ورد به الشرع من تقبيل الحجر الأسود, ولا يتبرك بترابها ولا بأستار الكعبة

وأما الأماكن التي لم يعظمها الله ولم يشرع فيها عبادات, كالمشاهد التي على القبور، فلا يتبرك بها لا في ذاتها ولا حتى بالأعمال الصالحة.


3- ما يتعلق بالأقوال والأفعال: فالمشروع منهما أفعال وأقوال النبي صلى الله عليه وسلم, والتبرك بها يكون باتباعها. 

وغير المشروع الأقوال البدعية والشركية.


4-الأزمنة، كرمضان وعشر ذي الحجة من الأزمنة المعظمة شرعا، والتبرك فيها يكون بالإعمال الصالحة المشروعة فيها, فالأعمال تعظم في الأزمنة الفاضلة من جهة الكيف لا الكم.

وأما غير المشروع: فهو الشركي والبدعي كالأعياد المحدثة

تنبيه

لا يتجاوز المشروع في المشروع، فمجاوزة المشروع في التبرك يخرجه إلى غير المشروع. 

مثلا يقول النبي صلى الله عليه وسلم ماء زمزم لما شرب له، فلو أن إنسانا غسل وجهه بزمزم تبركا، يكون قد وقع في مجاوزة المشروع؛ لأنه جاوز الشرب.


والتبرك بحسب ما يناقض التوحيد ينقسم إلى قسمين:

1-ينقض أصل التوحيد: إذا اعتقد أن المتبرك به مؤثر بذاته. 

2-ينقض من جهة كماله الواجب: إذا تبرك بغير المشروع على أنه سبب، مثل إنسان جاء لشيخ فتمسح وتبرك به دون اعتقاد بركة ذاته, ولكن اعتقاد أنه سبب، فهذا شرك اصغر.


كتبه

د. أحمد محمد الصادق النجار

الثلاثاء، 2 مايو 2023

حكم التوسل بجاه الصالحين وذواتهم

حكم #التوسل بجاه الصالحين وذواتهم

التوسل بالجاه والشخص قد يقصد منه أن يكون الشخص مطلوبا منه وهذه هي حقيقة الاستغاثة
وقد يقصد منه أن يكون الشخص مطلوبا به
فمتى جُعل المتوسل به منزلة الشريك لله سبحانه كان التوسل- على التسليم بتسميته توسلا- شركا أكبر, وهو ينافي ما قطع به الشرع والعقل والفطرة من كون المخلوق عبدا لا شريكا
وأما إذا جُعل المتوسل به سببا لقضاء الحوائج؛ فالفعل هنا يدور بين المحرم والمباح لا بين التوحيد والشرك.
وقد جوّزه طائفة من الناس، ونقل في ذلك آثار عن بعض السلف, وهو الصحيح من مذهب الحنابلة, وذكره بعض متأخري المالكية في كتبهم...
قال أبو العباس ابن تيمية في قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (1/ 123): (وساغ النزاع في السؤال بالأنبياء والصالحين دون الإقسام بهم لأن بين السؤال والإقسام فرقا...)

وشرط كون الخلاف يدور بين المشروع وغير المشروع أن يكون المتوسل به معظما له جاه عند الله كالأنبياء والملائكة أو من يرجى له الجاه والمكانة كالصالحين؛ ذلك أن المعظم الذي له جاه عند الله يقتضي جاهه أن تقبل شفاعته...
لكن محل النزاع هل نفس جاهه يقتضي إجابة المتوسل به من غير سبب من المتوسل؟
بعد الاتفاق على أنه لا يشرع السؤال بسبب لا يقتضي إجابة الدعاء وحصول المطلوب.

والمستقرئ لفروع الشريعة والناظر في كلياتها وما جرت عليه الأبواب: يقطع أن الشريعة جرت أن حصول المطلوب متعلق بسبب من الطالب نفسه
وطرده في الشريعة أن إجابة الدعاء متعلقة ببذل سبب من العبد نفسه إما بطاعته  فيكون سببا لإجابة دعائه, أو نتيجة سبب منه كدعائهم له, ونحو ذلك.
فنفس الجاه والمكانة عند الله ليس سببا في حصول المطلوب, وإنما يعود نفعه إلى صاحبه ولا يتعدى إلى غيره.
ولذا علقت الشريعة إجابة الدعاء على الأسباب التي من العبد: كإيمان العبد وطاعته, وطلب الدعاء من صالح؛ فصح التوسل بها.
وهذا الذي دل عليه حديث الأعمى؛ فقد توسل بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم له.
ومما يدل على أن نفس الذات والجاه ليس سببا يقتضي الإجابة: عمل الصحابة وجمهور السلف, فلم يتوسلوا بذات النبي صلى الله عليه وسلم مع وجود السبب وليس هناك مانع، فعدم فعلهم دليل على أنه لا يشرع وليس من الدين.

وذهب بعض المتأخرين إلى جواز التوسل بالصالحين؛ لتوسل عمر  بالعباس في وجود الصحابة رضي الله عنهم
وهذا الاحتجاج فيه ضعف؛ لأن التوسل بالعباس لو كان توسلا بذاته لكان الأولى أن يتوسلوا بذات النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه الأفضل, فلما لم يتوسلوا بالرسول - صلى الله عليه وسلم - وتوسلوا بالعباس علم أنه ليس توسل بالذات والجاه, وإنما توسل بدعاء الحي وشفاعته.

كتبه
د. أحمد محمد الصادق النجار