الخميس، 2 أبريل 2026

اعتراضات وإجابات حول مسألة الفارق بين سعر النقد والبطاقة المصرفية

 اعتراضات وإجابات حول مسألة الفارق بين سعر النقد والبطاقة المصرفية

شهدت مسألة حكم رفع سعر السلع عند الدفع بالبطاقة المصرفية مقارنة بسعر النقد، جدلًا فقهيًا
وقد اطّلعتُ على مقالٍ سعى صاحبه إلى دفع اعتراضات المانعين، مؤسسًا قوله على فكرة مفادها: حماية التاجر من الضرر، ولو آل ذلك إلى تحميل عموم المستهلكين تبعة تلك الحماية.

ومحصّل هذا المسلك: أن التاجر لما كان يتضرر بتأخر السيولة وفرض العمولات من قبل المصرف، جاز له أن يزيد في السعر عند الدفع بالبطاقة، وجُعلت هذه الزيادة في مقابل الفارق الزمني بين قبض المشتري للسلعة وانتفاعه بها، وبين قبض التاجر للثمن وانتفاعه به.

فلأجل حماية التاجر من تآكل رأس ماله بسبب عدم التزام المصرف بتوفير السيولة مع فرض العمولة عليه
جوز للتاجر الزيادة في السعر عند الدفع بالبطاقة، وجعل هذه الزيادة لأجل الزمن، أي: لأجل الفارق الزمني بين استلام الزبون للسلعة وانتفاعه بها، والزمن الذي يستلم فيه البائع للثمن وانتفاعه به. فحمل تكاليف هذا الزمن على عموم المستهلكين...

وهذا المسلك لا يخلو من نظرٍ من وجوه:

أولًا: أنه نظر إلى المسألة من جهة واحدة، فاعتبر مصلحة التاجر، وأغفل مصلحة المستهلك، ولم يراع المآلات العامة، وهذا قصور في التصور؛ إذ الشريعة إنما تقيم ميزان العدل بين المتعاملين، لا أن ترجّح طرفًا بإيقاع الضرر على آخر.

ثانيًا: أنه خلط بين جهتين متباينتين في التعاقد؛ فالعلاقة بين التاجر والمصرف شيء، والعلاقة بين التاجر والمشتري شيء آخر.
فمسألة تأخر السيولة أو فرض العمولة إنما هي ناشئة عن عقد التاجر مع المصرف، لا عن عقده مع المشتري. وإذا أخلّ أحد المتعاقدين بالتزامه، فإنما يثبت للطرف الآخر حق الفسخ أو المطالبة، ولا يُسوّغ له نقل تبعة هذا الإخلال إلى طرفٍ أجنبي عن العقد. والقاعدة المقررة أن “العقد لا يلزم إلا عاقديه”، فلا يجوز تحميل المشتري ما ليس من موجبات عقده
وانتبه إلى هذا

ثالثًا: أن تعليل الزيادة في السعر بكونها في مقابل الزمن تعليل غير منضبط؛ لأنه مبني على قياسٍ مع الفارق. فالزيادة في البيع الآجل إنما تقابل زمنًا ينتفع به المشتري، حيث يُمهل في دفع الثمن.
أما في الدفع بالبطاقة الاي هي وسيلة دفع لا زمن فيها، فالمشتري قد دفع الثمن حالًا من جهته، وانتقلت ذمته إلى المصرف، فالعقد بينه وبين التاجر عقدٌ حالّ، لا يتضمن تأجيلًا في حقه. وأما التأخر في قبض التاجر للثمن، فهو أثرٌ لعلاقته بالمصرف، لا للمشتري فيه يد. وعليه، فلا يصح جعل المشتري محمّلًا بزيادةٍ في مقابل زمنٍ لم ينتفع به، ولا التزامٍ لم يلتزمه. ثم إن الأصل أن الثمن يتبع السلعة، لا وسيلة الدفع.

رابعًا: أن تحميل المستهلك هذه التكاليف يتعارض مع جملة من القواعد الكلية؛ فمنها قاعدة “الغُنم بالغُرم”، فإن المنتفع بالخدمة هو التاجر، فيتحمل تبعتها. وما يلحقه من عمولات أو فروقات هو من قبيل المخاطر التجارية التي دخل فيها باختياره، فلا يُنقل أثرها إلى غيره.
كما يتعارض مع قاعدة “لا ضرر ولا ضرار”، إذ لا يُدفع الضرر عن التاجر بإيقاعه على المستهلك.
وكذلك قاعدة “الضرر لا يزال بالضرر”، فإن رفع ضررٍ خاص بإحداث ضررٍ عام أو مماثل ليس من مقاصد الشريعة.
وفيه أيضًا فتحٌ لباب الذرائع إلى الغرر والغبن، إذ التوسع في مثل هذه الزيادات يؤدي إلى انفلات التسعير ووقوع الجهالة وعدم الانضباط.

وإذا نُظر إلى المسألة نظرًا مقاصديًا، فإن القول بإباحة هذه الزيادة يفضي إلى آثارٍ غير محمودة: من إرهاق عموم الناس، وتعطيل وسائل الدفع الحديثة، وزيادة الاعتماد على النقد، بما يعمّق الإشكالات الاقتصادية القائمة بدل معالجتها.

وعليه، فإن تنزيل هذه النازلة على أصول الشريعة وقواعدها يقتضي المنع من هذه الزيادة..

كتب
د. أحمد محمد الصادق النجار

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق