السبت، 1 أغسطس 2026

هل قول الرازيين: "ومن وقف في القرآن جهلا بُدِّع وعُلِّم ولم يُكفَّر ينفي اشتراط إقامة الحجة في التبديع؟

 #قول الرازيين: "ومن وقف في القرآن جهلا بُدِّع وعُلِّم ولم يُكفَّر" 


يقول بعضهم: إن الرازيين حكما على الواقف جهلا بالتبديع دون أن يشترطا إقامة حجة، فدل هذا على أن التبديع لا يُشترط فيه إقامة الحجة أصلا.


وهذا فيه خلل من وجهين: 


الوجه الأول: لو سلمنا أن المراد من قولهما "ومن وقف فيه جهلا بُدِّع وعُلِّم" هو أن مجرد الوقف في القرآن مع الجهل يوجب التبديع بلا قيد ولا تفصيل لكان هذا مخالفا لصريح كلام الإمام أحمد بن حنبل وأحمد البغوي. 


قال أحمد بن منيع البغوي: "من زعم أنه مخلوق فهو جهمي، ومن وقف فيه فإن كان ممن لا يعقل مثل البقالين والنساء والصبيان سكت عنه وعُلِّم". 

فلم يصفه بالبدعة وإنما أمر بالسكوت عنه وتعليمه. 


وعن عبد الله بن الإمام أحمد قال: سمعت أبي يُسأل عمن وقف؟ قال أبي: "من كان يخاصم ويُعرف بالكلام فهو جهمي، ومن لم يُعرف بالكلام يُجاوَب حتى يرجع، ومن لم يكن له علم يُسأل ويتعلم". 

فالإمام أحمد يفرق بين ثلاثة أصناف: 


الأول: من لا علم له أصلا، فهذا يُعلم ولا يُبدع. 


الثاني: من تعلقت به الشبهة تقليدا، وليس من أهل الكلام والخصومة، فهذا يُناقش ويُبيَّن له حتى يرجع، فإن أصر بعد البيان بُدِّع. 


الثالث: من كان يخاصم عن نظر، ويُعرف بعلم الكلام والمجادلة عنه، منظرا لمقالته، فهذا جهمي، ومعنى هذا اللفظ أن مسلكه بعينه هو مسلك الجهمية، لا أن عينه مكفَّرة على كل حال.


وعن محمد بن مسلم أن أبا عبد الله قيل له: فالواقفة؟ قال: "أما من كان لا يعقل فإنه يُبصَّر، وإن كان يعقل ويمارس الكلام فهو مثلهم". 

فجعل الإلحاق بالجهمية خاصا بمن يعقل ويمارس الكلام، وأما من لا يعقل فهذا يكتفى فقط بتبصيره. 


ويظهر من مجموع هذه النصوص أن الجاهل الذي لا أهلية له للنظر لا يُبدَّع، وإنما يُعلَّم، كما يظهر من كلام الإمام أحمد أن المقلد يُبيَّن له أولا، فإن أصر بعد البيان بُدِّع. 


فإذا حُمل كلام الرازيين على إطلاقه بحيث يشمل كل جاهل ولو كان ممن لا يعقل كالنساء والصبيان لزم التعارض بين أقوال السلف، والمنهجية الصحيحة تقتضي إثبات كلام السلف على وجه لا يكون فيه تعارض ولا تناقض ما أمكن . 


الوجه الثاني: كلام الرازيين هنا مجمل من جهة أنه لم يفصّل في حال الواقف: هل هو ممن لا يعقل أو ممن يعقل ويمارس علم الكلام؟ 


ولا يصح حمله على كل جاهل، بل يجب تفسيره في ضوء النصوص الأخرى 


وقد يقال: إن قولهما: "علم" منفردا أليق بالصنف الثاني الذي نص أحمد على أنه "يُجاوَب حتى يرجع"، أي: يحتاج بيانا يسبق حكما عليه، لكن حمل جملة الرازيين بكاملها على هذا الصنف يصطدم بإشكالين: 


الأول: أن نفي التكفير "ولم يُكفَّر" لا معنى له إلا في حق من يُتوهَّم في حقه التكفير أصلا، والمقلد الجاهل المتعلق بشبهة لم يرد في حقه عند أحمد أي تلميح لتوهم كفر، بخلاف الصنف الثالث الذي حكم عليه أحمد بـ"فهو جهمي"، فهذا وحده الذي يستدعي تبادر التكفير إلى الذهن


الثاني: أن وصفه بالتبديع من غير بيان قبله يصادم صراحة نص أحمد "يُجاوَب حتى يرجع"، الذي يجعل التبديع معلقا على مرحلة سابقة من البيان وعدم الرجوع، بينما ظاهر كلام الرازيين تقديم الحكم بالتبديع، ثم ذكر التعليم بعده، وهذا لا ينسجم مع كلام الإمام أحمد. 


والذي،يترجح لي هو حمل كلامهما على الصنف الثالث عند الإمام أحمد، وهو: من قال بالوقف مؤسسا لمذهبه على منظومة استدلالية كلامية، منظرا لها، مجادلا عنها. وهذا يستقيم معه ترتيب "بُدِّع وعُلِّم" استقامة تامة: 


- الوصف ب"بُدِّع" قبل إقامة الحجة: لأنه تبنى منهجا كلاميا استدلاليا يخالف طريقة السلف في الاستدلال.

- الوصف ب"عُلِّم": وهذا تعليم لاحق للحكم لا سابق له، غرضه استصلاحه ودعوته للرجوع بعد أن استقر تبديعه.

-الاحتراز ب "ولم يُكفَّر": لأن إلحاق مسلكه من جهة النوع بمسلك الجهمية يستدعي توهم تكفيره، فاحتاج الرازيان إلى التنصيص على دفع هذا التوهم؛ إذ تكفيره عينا موقوف على إقامة الحجة التفصيلية. 


وبهذا يستقيم الجمع بين نص الرازيين وسائر نصوص السلف على وجه واحد متسق لا تعارض فيه ولا تناقض. 


فإن قيل: الإمام أحمد جاءت عنه روايات في الواقفة لم يستفصل فيها وأطلق، قال الخلال في السنة: (أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ ثَوَابٍ الْمُخَرِّمِيُّ، أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ: الْوَاقِفَةُ؟، قَالَ:«هُمْ شَرٌّ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ، اسْتَتَرُوا بِالْوَقْفِ»).

وقال أيضا: «مَنْ شَكَّ فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ وَقَفَ فَهُوَ كَافِرٌ»).


قيل: هذه الإطلاقات لا تنقض ما تقدم، وإنما هي تندرج تحت أصل مقرر في فهم كلام السلف، وهو أن تناول الإطلاق للأفراد إنما هو تناول لا على سبيل التعيين؛ فالحكم المطلق، كقول أحمد "من وقف في القرآن فهو كافر" ، إنما يتناول حكم النوع، ويتناول فردا غير معيّن ممن تحقق فيه موجب الحكم، لا كل من صدر منه الوقف على أي حال كان. 

أما تنزيل هذا الإطلاق على كل معيّن، فهو قدر زائد على مجرد دلالة اللفظ، ولا يثبت بمجرد اندراجه تحت العموم، بل لا بد فيه من تحقق مناط الحكم في حقه، وتوفر شروطه، وانتفاء موانعه، كما هو مطرد في نظائره من نصوص الوعد والوعيد. 


ومن الشواهد العملية على ذلك أن الإمام أحمد اعتبر جهل المعتصم مؤثرا في الحكم عليه، ففي المحنة قال الإمام أحمد:(كان أبو إسحاق لا يعلم ولا يعرف، ويظن أن القول قولهم ولا يدري..) وقال:(قد جعلت أبا إسحاق في حل..) وكانت مسامحته للمعتصم قبل ندمه، فقد سامحه بعد أن خرج منه... 

وسامح كل من حضر وحللهم إلا أحمد بن أبي دراد ومن كان مثله..واستغفر لهم ولو كانوا مرتدين لم يجز له الاستغفار لهم... 


ويؤكد ما سبق أن عدم تنزيل الحكم المطلق على المعين إلا بعد قيام موجبه هو محل إجماع، فقد حكى ابن أبي عاصم في كتاب السنة ما اتفق أهل العلم على نسبته للسنة وذكر أمورا إلى أن قال:(ومن قال مخلوق ممن قامت عليه الحجة فكافر بالله العظيم، ومن قال من قبل ان تقوم عليه الحجة فلا شيء عليه)

فهذا الاتفاق المحكي متعلق بفرد بعينه ولا ينفي ما يحكيه أئمة السلف بأن من قال بخلق القرآن فهو كافر؛ لأنه محكي لبيان الحكم بإطلاق، كما تقدم توضيح ذلك. 


فالإطلاقات الواردة عن الإمام أحمد هي أحكام على النوع، أو على فرد غير معيّن ممن تحقق فيه موجب الحكم، وليست أحكامًا على كل معيّن اتصف بمجرد الوصف. ومن حملها على ظاهرها في جميع الأعيان، وأعرض عن الروايات المفسرة والتطبيقات العملية للإمام أحمد، فقد اقتصر على بعض كلامه دون بعض، مع أن المنهج الصحيح في فهم كلام الأئمة هو جمع نصوصهم ورد مجملها إلى مفسرها، ومطلقها إلى مقيدها، لا إعمال بعضها وإهمال بعضها الآخر. 


كتب د. أحمد محمد الصادق النجار

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق