الخميس، 24 سبتمبر 2026

مناقشة أسباب استمرار مجلس البحوث في تحريم معاملة الألفي دولار

 مناقشة أسباب استمرار مجلس البحوث في تحريم معاملة الألفي دولار

وكأن المسألة أخذت منعطفا جديدا؛ إذ أعلن المانعون استمرارهم بالمنع ولم يكتفوا بما بينوه سابقا.

والأسباب التي صرحوا بها مؤخرا تتلخص في ثلاثة أسباب، نناقشها تباعا:

السبب الأول للمنع: قولهم: ذكر السعر عند الوعد بالصرف والاتفاق عليه هو في حكم العقد.

والتعقيب عليه:
اعتبار تحديد سعر الصرف وقت حجز العملة بمثابة إبرام عقد صرف مؤجل البدلين، هو عين محل النزاع، فكيف يجعل سببا ومقدمة لإثبات التحريم؟!!

والذي يقتضيه التحقيق الفقهي أن تثبيت السعر في منظومة الحجز لا يعدو كونه إعلاما وتواعدا غير ملزم؛ إذ تتيح المنظومة للزبون إلغاء الحجز والعدول عنه في أي وقت قبل التنفيذ دون أن يترتب عليه أي التزام مالي أو جزائي، فإن كان الحجز في حقيقته لا ينشئ التزاما ملزما على أي من الطرفين، ولا تنتقل به ملكية العملة ولا تنشغل به الذمة، وإنما يتم إنشاء عقد الصرف عند التنفيذي، فإن تثبيت السعر لا ينشئ عقدا محرما بذاته.

وقد ذهب جمهور الفقهاء المعاصرين، وهو المعتمد في المعيار الشرعي لهيئة المحاسبة والمراجعة أيوفي وفتاوى الهيئات الشرعية إلى جواز الوعد بالصرف إذا كان من طرف واحد، أو كان غير ملزم للطرفين بحيث يحق للزبون التراجع والعدول عن إتمام العملية قبل القبض والتنفيذ الفعلي.

وعليه، فإن محل البحث هنا ليس مجرد ذكر سعر الصرف، وإنما هل أدى الحجز إلى إنشاء التزام ملزم على الطرفين أو بقي في دائرة التواعد غير الملزم؟
فإذا كان غير ملزم للطرفين، وكان لكل منهما العدول عنه قبل إنشاء عقد الصرف، فلا يصح جعله عقد صرف آجل لمجرد تثبيت السعر.

السبب الثاني:  قولهم: إعطاء الخيار للزبون بعد العقد وما في حكمه لا يحل الإشكال لسببين:
أ- عقد الصرف لا يجوز فيه الخيار.
ب- الخيار لا معنى له لأن الزبون مجبر على شراء النقد الأجنبي (عقد إذعان)

والتعقيب عليه:
هذا القول مبني على افتراض أن العقد قد وقع بمجرد الحجز، وهذا هو عين محل النزاع في السبب الأول، فلا يصح البناء عليه هنا كمسلمة.
وأما القول بمنع الخيار في الصرف فصحيح في أصله إذا كان المقصود به خيار الشرط في عقد قائم تم تقابضه؛ لأن اشتراط الفسخ بعد تمام العقد ينافي استقرار الملكية والتقابض الناجز.
​أما في معاملة (2000 دولار)، فإن خيار الزبون عند الحجز ليس خيار فسخ لعقد ناجز، وإنما هو خيار الإقدام أو العزوف في مرحلة المواعدة وقبل التنفيذ والانعقاد، وهذا ليس خيار شرط في عقد صرف قائم، وإنما هو حق في العدول عن إبرام العقد أصلا ما دام الحجز لم ينشئ عقد الصرف.

وأما دعوى أن الزبون مجبر على شراء النقد الاجنبي.
فهذا يحتاج تفريقا بين اضطرار عموم الناس للتعامل عبر القنوات الرسمية لغياب البديل، وهذه حاجة عامة لا تسلب الرضا في صفقة بعينها، وإلا لبطلت عقود الإذعان في الخدمات الاحتكارية العامة كالكهرباء والماء، وبين إلزام الزبون بعينه بإتمام هذا الحجز بعينه.
فمجرد حاجة العميل إلى العملة الأجنبية، واقتصار الحصول عليها نظاما على هذه القناة: لا يساوي شرعا الإكراه على إبرام هذا العقد المعين، ما دام له أن يعدل عن الحجز المعين دون جزاء.

السبب الثالث: قولهم: شركات الصرافة وكيل عن المصرف، فلا تأخذ أجرتها من العميل، والمصرف يطلب منها ضمانا بجعل وهو غير جائز.

والتعقيب عليه:
تكييف عمل شركة الصرافة لا ينحصر في الوكالة المحضة عن المصرف، وإنما تكييفها المركب والدقيق هي أنها وسيط تنفيذي ومقدم خدمة تقنية ولوجستية للزبون والمصرف معا.
وقد أباح الشارع أخذ العوض على الدلالة والوساطة والخدمة من أحد الطرفين أو كليهما بالمعروف.

وتحديد المصرف المركزي لسقف العمولة هو تنظيم لتحديد معلومية الأجرة، فتدخل من حيث الأصل في باب الجعالة أو الإجارة على تقديم الخدمة، متى كانت العمولة في مقابل خدمة مباحة معلومة وليست في مقابل محض الضمان.

وأما قولهم: المصرف يطلب ضمانا من شركات الصرافة ويعطيها مقابلا على ذلك، وهذا ضمان بجعل وهو غير جائز.

فالتعقيب عليه:

هذا مبني على أن المقابل الذي تحصل عليه شركة الصرافة هو في مقابل الضمان، وهو غير صحيح وتصور ناقص، فالعمولة إنما هي في مقابل الخدمات التي تقدمها الشركة في تنفيذ العملية من وساطة ومعالجة وتسوية وخدمات تقنية وإدارية، أما الضمان وحجز القيمة المقابلة بالدينار فهو وسيلة لتأمين تنفيذ هذه الخدمة وتسوية العملية، وليس هو محل الأجرة.

وعليه، فلا يصح تكييف العمولة بأنها جعل على الضمان لمجرد اقترانها به، ما دام المقابل في حقيقته عن خدمة فعلية مستقلة، والضمان مجرد وسيلة لتأمين تنفيذ الالتزام.

والخلاصة
1-تكييف الحجز: هو وعد غير ملزم للطرفين معا، ولا يعد عقد صرف ناجزا إلا عند التنفيذ والتقابض الحكمي
2- العمولة: عمولة وساطة وخدمات تقنية وتنفيذية مأذون بها شرعا وعرفا.
3- الضمان: حجز غطاء الدينار هو وسيلة لتأمين تنفيذ الالتزام وتسوية العملية، وليس هو محل الأجرة.

كتب د. أحمد محمد الصادق النجار 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق