للمتخصصين
سأل سائل معترضا:
ما المعنى الحقيقي المحدد الذي يبقى لليد بعد تجريدها من العضوية والجسمية المحدثة؟ وما الدليل من لسان العرب على أن هذا المعنى هو أصل الوضع، وليس معنى مجازيا أو استعمالا خاصا؟
وكما تلاحظ أن هذا الاعتراض ينطلق من مصادرة منهجية خاطئة مؤداها: أن حقيقة الألفاظ الذاتية الخبرية كاليد أو الوجه وضعت ابتداء للجسمية المخلوقة والأعضاء المحدثة, فمتى جردت من خصائص المخلوق خلت من المعنى!
وهذا لعمر الله خلط بين حقيقة المفهوم اللغوي الكلي وبين عوارض المحل المخلوق الذي وجدت فيه تلك الصفة
ولتفكيك هذه الشبهة لابد أن تعلم أن الألفاظ لم توضع لمعان مجردة في الأذهان قبل الاستعمال, وإنما الوضع يؤخذ من الاستعمال المتكرر الذي استقر عليه عرف أهل اللسان, فالعربي استعمل الألفاظ مطلقة ومقيدة ومضافة, ودلالتها على القدر المشترك الكلي دلالة أصيلة في صلب الاستعمال.
فليس هناك وضع مجرد للفظ, ولا وضع أول, وإنما هناك استعمالات, فحينما يستعمل العربي اللفظ في أفراد ومحال متعددة, فإن الذهن العربي ينتزع من مجموع هذه الاستعمالات معنى كليا مجردا عن القيود والخصائص الفردية, تارة نسميه بالمسمىى الكلي الذهني, وتارة بالمفهوم الكلي, وتارة نسميه بالقدر المشترك وتارة نعبر عنه بأصل الوضع تجوزا
فالمعنى الذي فهمه السامع واستقرت عليه اللغة هو المفهوم الكلي المشترك .
بناء على هذه المقدمة نعود للجواب عن سؤال: ما المعنى الحقيقي المحدد الذي يبقى للوجه واليد بعد تجريدهما من العضوية المخلوقة والجسمية المحدثة؟
في صفة الوجه
لفظ الوجه لم يوضع له ابتداء معنى مجردا, بحيث إن العربي تصورا للوجه معنى قبل أن يستعمله, هذا لا يوجد في لغة العرب, وإنما العربي استعمل لفظ الوجه في أفراد ومحال متعددة, فتجده يقول: وجه الثوب ووجه الإنسان ووجه النهار ونحو ذلك, وهنا يأتي الذهن العربي لينتزع معنى كليا ذهنيا مجردا تشترك فيه جميع الأفراد, فيتصور معنى الوجه بصفته مفهوما كليا متواطئا مجردا عن كل القيود والخصائص, أما في الوجود العيني الخارجي فلا يوجد وجه مطلق, وإنما يتعين في الخارج بحسب ما يضاف إليه.
والقدر المشترك للوجه الذي يشترك فيه جميع الأفراد: ما تقع به المواجهة, أيا كانت صورته في الموصوف.
فوجه الإنسان: ما تقع به المواجهة الحسية, ووجه الثوب ما يواجه منه عند لبسه, ووجه النهار ما يواجه من الزمان.
فأثبتنا بذلك معنى كليا مجردا في الذهن عن العضوية المحدثة، وهذا المعنى إذا أُضيف إلى الله تعين بالإضافة على ما يليق به سبحانه، وبقيت خصائصه مناسبة لذاته سبحانه
وهذا الجامع الذي استخرجناه من شواهد اللغة أكده القرآن والسنة وصدقاه, فقد دل النص على ان الوجه المضاف إلى الله يوصف بالجلال والإكرام وأنه ينظر إليه يوم القيامة وأن له سبحات.. إلى آخر ما دل عليه النص الشرعي
[ما أروع مذهب أهل الحديث وما أسهل تصوره]
وفي صفة اليد
القدر المشترك لليد الذي يشترك فيه جميع الأفراد: ما يحصل به القبض والبسط والإمساك والتصرف, أيا كانت صورته في الموصوف.
وهذا الجامع الذي استخرجناه من شواهد اللغة أكده القرآن والسنة وصدقاه, فقد دل النص على ان اليد المضافة إلى الله يحصل بها:
- القبض والبسط والإنفاق: ﴿بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء﴾.
- الخلق، مع تخصيص آدم بقوله: ﴿خلقت بيدي﴾.
- الطي والإمساك والكتابة, إلى غير ذلك مما ورد به النص الشرعي
ننتقل بعد ذلك إلى جواب السؤال الثاني وهو ما الدليل من لسان العرب على أن هذا المعنى هو أصل الوضع، وليس معنى مجازيا أو استعمالا خاصا؟
الدليل من لسان العرب، هو: استقراء استعمالات العرب واستصحاب أصل التواطؤ, فإذا تتبعت لسان العرب وجدت العرب يطلقون اليد مثلا على الجمادات والظواهر والأدوات، فيقولون : يد القوس ويد السيف ويد الدلو، ويراد به محل الإمساك، ويد الإنسان ما يحصل به القبض والبسط، ويد الريح، أي ما يحصل به تصرفها فيما تهب عليه.
وكلها تجتمع في قدر مشترك حقيقي هو ما يحصل به القبض والإمساك والتصرف، ويدل على أنه جامع أنه يدور مع مادة لفظ اليد اشتقاقا واستعمالا, فطرده وانعكاسه في الاستعمال يدل على أنه جامع.
والاشتراك المعنوي أرجح من الاشتراك اللفظي ومن المجاز على القول به، لأنه لا يستلزم تعدد الوضع ولا قرينة صارفة، فيترجح أن اللفظ موضوع لهذا القدر في الذهن؛ لأنه إذا بطل الاشتراك اللفظي والمجاز تعين البقاء على الأصل وهو الاشتراك المعنوي
أما ادعاء المتكلمين اختصاص اللفظ ببعض أفراده المحدثة فهو تحكم لا دليل عليه, ولهذا لما ادعى بعضهم أن الذوق خاص بالفم, رده الخليل بن أحمد وبين أن الذوق يراد به: وجود طعم الشيء والإحساس به حقيقة, لا أن أصل اللفظ مقصور على الفم..
وبهذا يتبين أن تخصيص الوجه واليد بالعضو المحدث عند السامع إنما نشأ من الإضافة والغلبة، والغلبة الاستعمالية طارئة لا تنفي أصل الاشتراك المعنوي الكلي.
فدعوى أن يد الإنسان هي أصل الوضع، وأن يد القوس مجاز: تحتاج إلى دليل تاريخي ولغوي يعين السبق الزمني لأحدهما، وهو مفقود, فمن يدعي أن اليد وضعت للعضو المحدث ثم نقلت ليد القوس مجازا فهو يدعي التقييد والنقل, وهي دعوى حادثة فإذا عجز عن إثباتها بالدليل التاريخي سقطت دعواه ورجعنا إلى الأصل.
وبهذا التحرير السلفي يتبين أن:
1-تجريد الصفة الذاتية الخبرية عن الخصائص المحدثة هو تجريد للمفهوم اللغوي عن عوارض المحل.
2-القدر المشترك هو حقيقة لغوية أصيلة ثابتة بالتواطؤ ولسان العرب.
3-مذهب أهل الحديث والسلف الصالح هو أصح المذاهب تصورا واستدلالا؛ إذ يثبت الحقائق اللغوية والشرعية للأسماء والصفات بلا تشبيه ولا تعطيل.
كتب د. أحمد محمد الصادق النجار
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق