الجمعة، 20 مايو 2016

تأصيل مسألة التصوير الفوتغرافي

تأصيل مسألة التصوير الفوتغرافي

  التصور الفوتغرافي من المسائل المستجدة, والصور الحادثة.
ولكي يُعرف حكمه فلابد من تصوره أولا تصورا صحيحا عن طريق أهل التخصص, ومعرفة المعنى الذي يرجع إليه, ثم بعد ذلك تُنزَّل الأدلة الشرعية, والقواعد الكلية, والمعاني العامة, والمقاصد الشرعية على هذا التصور؛ للخروج بحكم صحيح.
وهذه هي طريق تحقيق المسائل.
وأهل التخصص يقولون عن التصوير هو: تسليط ضوءٍ على ما يراد تصويره, فتنعكس أشعة صورة الشيء, فتحفظها العدسة.
 ويعرف أيضا بالتصوير الضوئي.
فالصورة, هي: انعكاس ضوء تحفظه العدسة.
فهذه  هي حقيقة الصورة والتصوير الفوتغرافي.
 وقبل معرفة حكمه بتنزيل الأدلة والقواعد والمقاصد على ما تمَّ تصوره؛ لابد من معرفة محل الوفاق والخلاف بين أهل العلم في حكم التصوير الفوتغرافي.
فقد اتفق العلماء على:
1-جواز الصورة عند الضرورة والحاجة, كالصورة لجواز السفر, ونحو ذلك.
2-أن تصوير المحرم محرم, للقاعدة:"ما كان وسيلة لمحرم فهو محرم",ومن ذلك: التصوير للتعظيم, أو تصوير الأجنبية, ونحو ذلك.
3-جواز تصوير ما لا روح فيه, كالشجر, على خلاف يسير فيه.
فهذه المسائل الثلاث خارج محل النزاع, وليس عليها مدار الكلام.

واختلفوا فيما: عدا ما تقدم, أو بعبارة أخرى: التصوير من حيث هو من غير نظر للمتعلَّق.
وقد اختلف فيه العلماء المعاصرون على قولين:
القول الأول: التحريم.
واحتجوا بـ:
1-عن ابن عباس رضي الله عنه قال: سمعت محمدا صلى الله عليه وسلم يقول: «من صور صورة في الدنيا كلف يوم القيامة أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ»
قالوا: الصورة الفوتغرافية تدخل في قوله: "صورة", كما أن المصور بالصورة الفوتغرافية يدخل في عموم قوله: "من صور".
قالوا: وترتب العذاب على الصورة يدل على حرمتها, وأنها من كبائر الذنوب.
2-عن عائشة رضي الله عنها: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفر، وقد سترت بقرام لي على سهوة لي فيها تماثيل، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم هتكه وقال: «أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله» قالت: فجعلناه وسادة أو وسادتين اخرجه البخاري
قالوا: العلة التي من أجلها حرم التصوير: المضاهاة, وهذه العلة موجودة في التصوير الفوتغرافي.
إلى غيره من الأدلة الدالة على تحريم التصوير, واستدلالاتهم بها على نحو ما تقدم.
القول الثاني: جائز.
واحتجوا بـ:
- أن التصوير المحرم شرعا, هو: ما كان من صنع الإنسان, والتصوير الفوتغرافي ليس من صنع الإنسان, وإنما هو حبس ظل فقط.
-قياسا على المرآة؛ بجامع الانعكاس.
-أن علة المضاهاة ليست موجودة في التصوير الفوتغرافي.
والراجح: أن التصوير الفوتغرافي جائز؛ لأنه لا يدخل في أحاديث النهي من جهتين:
الأولى من جهة حقيقته: فالتصوير الذي جاءت به النصوص حقيقته: صنع مثل ما خلق الله, بخلاف التصوير الفوتغرافي فحقيقته: نقلٌ لخلق الله.
وهذا هو التصور الصحيح .
فالصورة الفوتغرافية مسمى عرفي, لا شرعي, ولا يجوز حمل المصطلح الشرعي على العرفي الحادث.
وقد جاءت النصوص بلفظ:"المصورون"و " من صور" وجاء في لفظ عند البخاري :" يصنعون هذه الصور"
وهذه الألفاظ تدل على فعل الإنسان وصنعه في تخليق الصورة التي تضاهي خلق الله.
وهذا المعنى لا يوجد في الصورة الفوتغرافية, لأن غاية عمله راجع لإظهار ما نقله من خلق الله, وليس فيه صنعة لمضاهاة خلق الله.
وما يسمى صورة هو في الحقيقة نقل لخلق الله, وينسب الخلق إلى الله.
وقد قرب هذا المعنى الشيخ العثيمين بقوله: (( ويدل لهذا إن الإنسان لو كتب كتابا بيده ثم وضعه في آلة التصوير وخرج من الآلة فإن الناس لا ينسبون هذا المرسوم إلى الذي صور بالآلة وإنما ينسبونه إلى الكاتب الأول ))
ويتضح ذلك بالجهة الثانية.
الثانية من جهة العلة: فعِلَّة التصوير الذي جاءت بها النصوص, هي: المضاهاة, وهي علة منصوصة, ولا توجد هذه العلة في التصوير الفوتغرافي؛ لأنه نفس خلق الله سبحانه , وليس هو بصنعة ؛ حتى يشبه ما يصنعه بما يصنعه الله.
وقد جاء في البخاري بلفظ:" ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي" والتصوير الفوتغرافي ليس فيه هذه العلة.
وأما من علل بكون الصورة وسيلة للشرك؛ فجوابه: أنه ليس كل صورة تكون وسيلة للشرك, وانما بعض أفرادها.
ومما يدل على هذا: أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز الصورة التي في الوسادة, وقال: ( إلا رقما في ثوب)
فدل ذلك على أن الصورة التي تكون وسيلة للشرك ما كان فيها تعظيم، وهي خارج محل النزاع.
فتلخص لنا: أن التصوير الفوتغرافي لا يدخل فيما ورد النهي عنه لا من جهة الحقيقة, ولا من جهة العلة.
وعليه: فيكون جائزا, ويدخل تحت القاعدة العامة: "الأصل في الأشياء الإباحة".
وليس هناك دليل ينقل عن هذا الأصل.
ويدخل تحت المقصد الشرعي:"التيسير ورفع الحرج"

تنبيه: هذه المسألة من المسائل الاجتهادية, وليست هي من المسائل التي لا يسوغ فيها الخلاف, فينبغي التنبه لذلك.

كتبه
د. أحمد محمد الصادق النجار

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق