الأربعاء، 3 فبراير 2021

[وقفة مع فتوى المنع من المضاربة في معاملة العشرة آلاف دولار]

 

[وقفة مع فتوى المنع من المضاربة في معاملة العشرة آلاف دولار]

قرأت فتوى لدار الإفتاء -وفقها الله - بتأريخ 1-2-2021 جوابا على سؤال ورد إليها بخصوص مسألة العشرة آلاف دولار (لدي بطاقة الأغراض الشخصية (عشرة آلاف دولار) ولا أملك مالا لشحنها, فهل يجوز لي أن أعرض على شخص أن يقوم بشحنها على أن يكون شريكا لي في اقتسام المكسب بعد إرجاع رأس المال)

فمنعوا المعاملة وجعلوها قرضا جر نفعا؛ لأن المقصود هو السلف.

وجعلوا أصلها مسألة من عين سلعة وعقد عليها أو وجدها تبتاع ولم يقدر على ثمنها فجاء إلى آخر فطلب منه ثمنها على أن يشاركه في الربح.

وقبل مناقشتهم في هذا لابد من التنبيه إلى أن ما ذكره السائل صورة من صور المضاربة الواقعة في البلاد, فهناك صورة أخرى وهي أن العرض والطلب يكون من صاحب المال لا من صاحب البطاقة, فيعطي صاحب المال صاحب البطاقة مالا للاتجار, فليس المقصود السلف وإنما الاتجار والمشاركة, وأما تقييد صاحب المال المضارب بالاتجار في نوع معين وسلعة معينة فهذا يدخل في خلاف العلماء في المضاربة المقيدة من صاحب المال, والأقرب جوازها؛ لأنه عقد يصح تخصيصه بنوع فصح تخصيصه في رجل بعينه وسلعة بعينها كالوكالة, ثم هو لا يمنع مقصود المضاربة وإنما يقلله.

كما أن القول باعتباره يتوافق مع مصلحة الفقير في ليبيا, ويدفع الحرج ويرفع المشقة. انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (6/ 98) المغني (5/ 184)

نعود إلى مناقشة الفتوى: انبنت الفتوى على أن السلعة متى كانت متعينة معلومة مسماه جرت إلى أن يكون الدافع لصاحب المال في إعطاء ماله هو الربح المعلوم المقدر, ولولاه ما أعطى المال, فأشبه السلف بمنفعة, فنظروا إلى المقصد وأهملوا ظاهر اللفظ.

وقد راعى المالكية في هذا أصلهم في باب المضاربة وهو أنها خلاف القياس, فهي مستثناه من الإجارة المجهولة ومن سلف جر منفعة. انظر: التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب (7/ 31)

ولما كان الأصل الذي انطلقوا منه في مسألتنا السلف الذي جر منفعة فسأسلط الضوء عليه, فأقول: 

هناك فرق بين السلف والمضاربة؛ مما يجعل المضاربة أصلا بنفسها وليست مستثناه من سلف جر منفعة؛ وذلك أن السلف يكون صاحب المال فيه رابحا لا خاسرا, وماله مضمون, وهذا يختلف مع المضاربة, فإن صاحب المال والمضارب يشتركان في الربح والخسارة, فإن حصل ربح اشتركا فيه, وإن حصلت خسارة اشتركا في الحرمان, فالخسارة في المال يقابلها خسارة جهد العامل, ولذا كانت المضاربة من جنس المشاركات والمقابلات.

كما أن مقصودهما متنافيان, فالسلف يرجع إلى التبرعات, والمضاربة ترجع إلى المعاوضات والمقابلات, ومع اختلاف المقصود لا يصح أن تكون المضاربة مستثناه من سلف جر منفعة.

ومع مناقشتهم في أصل القول, نناقشهم أيضا في التنزيل على معاملة العشرة آلاف؛ إذ إن صورة المضاربة وشروطها متحققة فيها؛ وذلك أن صاحب المال أعطى ماله للاتجار والمشاركة مع تحمل الخسارة إن وجدت, ولم يعط ماله تبرعا مع عدم الخسارة.

ثم إن الربح الحاصل في هذه المعاملة هو نماء حاصل من مال صاحب المال وجهد صاحب بطاقة عشرة آلاف دولار, وهذه حقيقة المضاربة.

أضف إلى ذلك: أنه ليس لمالك المال منفعة يختص بها عن صاحب البطاقة زائدة على مقصود المضاربة.

وبهذا لا يصح حمل المعاملة على السلف الذي جر منفعة, فمعاملة العشرة آلاف تصح مضاربة بجميع صورها.

والمسألة تبقى مسألة اجتهادية تحتمل الصواب والخطأ, فليس لأحد أن يلزم أحدا في المسائل الاجتهادية, ولو كان القائل بأحد الاحتمالين الخليفة الراشد مع وجود من يخالفه.

عن ابن أبي مليكة، قال: قال عروة لابن عباس: حتى متى تضل الناس يا ابن عباس؟ قال: ما ذاك يا عرية؟ قال: تأمرنا بالعمرة في أشهر الحج، وقد نهى أبو بكر وعمر فقال ابن عباس: " قد فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم " فقال عروة: " هما كانا أتبع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعلم به منك " أخرجه أحمد

كتبه: أحمد محمد الصادق النجار

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق