الخميس، 4 فبراير 2021

[فلان أعلم منك فلماذا تخالفه؟]

 

[فلان أعلم منك فلماذا تخالفه؟]

هذه معارضة فاسدة؛ لأن العالم الفلاني قد خالفه من هو نظيره أو من هو أعلم منه في هذه المسألة الاجتهادية.

وليس القول الذي قال به أدنى المجتهديْنِ اخترعه من عنده أو أنه لم يُسبق إليه, أو لا تحتمله المسألة احتمالا قريبا, ولهذا كانت المعارضة فاسدة في نفسها ولا تصح أن تكون حجة لعدم المخالفة والإفتاء بخلاف ما عليه الأعلم, فقد أخرج البخاري في صحيحه (2/ 142) عن مروان بن الحكم، قال: شهدت عثمان، وعليا رضي الله عنهما وعثمان «ينهى عن المتعة، وأن يجمع بينهما»، فلما «رأى علي أهل بهما، لبيك بعمرة وحجة»، قال: «ما كنت لأدع سنة النبي صلى الله عليه وسلم لقول أحد»

قال ابن حجر في فتح الباري (3/ 425): (وفيه أن المجتهد لا يلزم مجتهدا آخر بتقليده؛ لعدم إنكار عثمان على علي ذلك مع كون عثمان الإمام إذ ذاك)

وعدم الإنكار كان في حضور الصحابة؛ مما يعد إجماعا.

وقد ناظر  بعض الناس ابن عباس في المتعة فقيل له: هذا قول أبي بكر وعمر، فقال ابن عباس: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول قال رسول الله: وتقولون قال أبو بكر وعمر!!.

فلم يكن ابن عباس يهاب الفتوى مع وجود من هو أعلم منه قطعا كأبي بكر وعمر رضي الله عنهم, ولم يفت الناس برأي أبي بكر وعمر أو قال: الله أعلم؛ احتراما لهما,

ونكتة المسألة: أن العبرة بالأهلية وظهور الصواب أو غلبته على الظن, وقد تهيب طائفة من السلف الفتوى لعدم ظهور الصواب عندهم أو لعدم غلبته, وتدافعوها ورعا؛ حتى لا يخطئوا مراد الله سبحانه, فل نحمل المسائل ما لا تحتمل!!.

وإذا استحضرنا أن الاجتهاد يتجزأ, وأن الأفضلية العامة لا تنفي المزية الخاصة, بمعنى أن وجود الأعلم من حيث العموم لا ينفي وجود من هم أعلم منه في باب أو مسألة أحاط بتفاصيلها, ظهر لنا جليا وجه المسألة وهي عدم تهيب الفتوى مع وجود من هو أعلم.

فإن قيل: لابد من الرجوع إلى مفت واحد في البلد حتى يصدر الناس عن قول واحد وتجتمع الكلمة.

قيل: صدور أهل بلد عن رأي واحد في مسائل الاجتهاد غير واقع كونا ولا هو مطلوب شرعا, وإنما يطلبه بعض الناس عاطفة من غير إدراك لواقعهم الذي صار العالم فيه كقرية صغيرة, ومن غير إدراك أيضا لمقصد الشارع من وقوع الخلاف في مسائل الاجتهاد؛ إذ إن المقصود من احتمال الأدلة ووقوع الخلاف فيها: التوسعة على الناس ورفع الحرج عنهم, ولا ينافي ذلك مقصد اجتماع الكلمة على الحق؛ إذ الحق في هذه المسائل تسويغ الخلاف واجتماع الناس على هذا التسويغ, فلا ينكر بعضهم على بعض, وتبقى القلوب مؤتلفة مجتمعة, كما كان الأمر في عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم.

قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (30/ 80): (وكان عمر بن عبد العزيز يقول: ما يسرني أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا؛ لأنهم إذا اجتمعوا على قول فخالفهم رجل كان ضالا وإذا اختلفوا فأخذ رجل بقول هذا ورجل بقول هذا كان في الأمر سعة. وكذلك قال غير مالك من الأئمة: ليس للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه. ولهذا قال العلماء المصنفون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أصحاب الشافعي وغيره: إن مثل هذه المسائل الاجتهادية لا تنكر باليد وليس لأحد أن يلزم الناس باتباعه فيها؛ ولكن يتكلم فيها بالحجج العلمية فمن تبين له صحة أحد القولين تبعه ومن قلد أهل القول الآخر فلا إنكار عليه).

وإنما الذي ينافي الاجتماع على الحق من ينادي بمثل هذه الدعوات, ويريد أن يلزم الناس -بصنيعه هذا- على قول مفت أو مؤسسة؛ مما يكون سببا للنزاع وإيقاع العدوات وتفريق كلمة المسلمين وتحزيبهم, فغير الحق يفرق ولا يجمع.

فإن قيل: أنكر ابن مسعود على عثمان إتمام الصلاة في السفر ثم صلى خلفه متما. وقال الخلاف شر.

قيل: ابن مسعود لم يكن يرى وجوب القصر, فترك المستحب لمصلحة أعظم وهي تأليف القلوب, وليست هي من باب إلزام الناس بقول الإمام الأعظم, فضلا عمن دونه, قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (22/ 407): (ويستحب للرجل أن يقصد إلى تأليف القلوب بترك هذه المستحبات لأن مصلحة التأليف في الدين أعظم من مصلحة فعل مثل هذا كما ترك النبي صلى الله عليه وسلم تغيير بناء البيت لما في إبقائه من تأليف القلوب وكما أنكر ابن مسعود على عثمان إتمام الصلاة في السفر ثم صلى خلفه متما. وقال الخلاف شر).

فالواجب هو التأدب بأدب الخلاف, ودفع كل ما يؤدي إلى العداوة والنزاع, والعلم رحم بين أهله.

كتبه ناصحا: أحمد محمد الصادق النجار

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق