الاثنين، 26 أبريل 2021

مفهوم توحيد الحاكمية عند من جعله أخص خصائص الألوهية

مفهوم توحيد الحاكمية

عند من جعله أخص خصائص الألوهية

د. أحمد بن محمّد النّجار

محاضر في كليّـة علوم الشّريعة / جامعة المرقب

 

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.

أما بعد, فإن توحيد الحاكمية مصطلح حادث أول من أظهره أبو الأعلى المودودي في ظل هيمنة حاكمية البشر في الهند, وعنى به: إفراد الله بالتشريع والحكم, ولا يكون التحاكم إلا لله سبحانه.

وهو إلى هذا الحد لا إشكال فيه؛ إذ إنه يجب على المسلم أن يعتقده ويؤمن به, فالسلطة العليا لله وشرعه, وهو بهذا يناقض العلمانية التي تجعل السلطة العليا للبشر, ومنها تفرعت الديمقراطية وقامت أسسها عليه.

فالواجب اعتقاد وجوب الحكم بما أنزل الله, وأن من استحل الحكم بغير ما أنزل الله أو امتنع من التحاكم لما أنزل الله فهو كافر مرتد, وهذا باتفاق أهل السنة.

وتوحيد الحاكمية بالمعنى المذكور داخل تحت نوعي التوحيد: توحيد الربوبية؛ بالنظر إلى أن الله منفرد بالحكم والتشريع, وتوحيد الألوهية بالنظر إلى تحاكم العبد الذي هو فعله, وليس هو قسما مستقلا.

والاشكال في تعدي ما تقدم إلى جعله أعظم شيء في الألوهية وأخص خصائصها, وأن نقصه ناقض من نواقض التوحيد؛ حتى فسرت كلمة التوحيد به, وكفرت المجتمعات الإسلامية التي لا تحكم بالشرع بإطلاق, وجعلوها مجتمعات جاهلية.

فنبتت نابتة القاعدة وداعش وهما يحملان هذا الفكر أسوة بمن قبلهم من الخوارج الذين حذر منهم النبي صلى الله عليه وسلم وقاتلهم علي رضي الله عنه.

قال إمامهم في العصر الحديث أبو الأعلى المودودي: « فخلاصة القول أن أصل الألوهية وجوهرها هو: السلطة, سواء أكان يعتقدها الناس من حيث أن حكمها على هذا العالم حكم مهيمن على قوانين الطبيعة، أو من حيث أن الإنسان في حياته الدنيا مطيع لأمرها وتابع لإرشادها، وأن أمرها في حد ذاته واجب الطاعة والإذعان »([1])

وقال الرجل الثاني سيد قطب([2]): « ..ومن ثم إفراده بالحاكمية, فهي أخص خصائص الألوهية »([3])

وقال: « إن أخص خصائص الألوهية- كما أسلفنا- هي الحاكمية »([4])

وقال: « لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا الدين إلى البشرية بلا إله إلا الله, فقد ارتدت البشرية إلى عبادة العباد، وإلى جور الأديان, ونكصت عن لا إله إلا الله، وإن ظل فريق منها يردد على المآذن: «لا إله إلا الله» دون أن يدرك مدلولها، ودون أن يعني هذا المدلول وهو يرددها، ودون أن يرفض شرعية «الحاكمية» التي يدعيها العباد لأنفسهم- وهي مرادف الألوهية- سواء ادعوها كأفراد، أو كتشكيلات تشريعية، أو كشعوب. فالأفراد، كالتشكيلات، كالشعوب، ليست آلهة، فليس لها إذن حق الحاكمية.. إلا أن البشرية عادت إلى الجاهلية، وارتدت عن لا إله إلا الله. فأعطت لهؤلاء العباد خصائص الألوهية. ولم تعد توحد الله، وتخلص له الولاء..

البشرية بجملتها، بما فيها أولئك الذين يرددون على المآذن في مشارق الأرض ومغاربها كلمات: «لا إله إلا الله» بلا مدلول ولا واقع.. وهؤلاء أثقل إثماً وأشد عذاباً يوم القيامة، لأنهم ارتدوا إلى عبادة العباد- من بعد ما تبين لهم الهدى- ومن بعد أن كانوا في دين الله!.. »([5])

 

وتفسيرهم كلمة التوحيد بالحاكمية وجعلها أخص خصائص الألوهية وأنهما مسمى لأمر واحد منقوض من وجوه:

الوجه الأول: أن الإله بمعنى معبود, ولا يعرف في لغة العرب تفسير الإله بالحكم.

فالهمزة واللام والهاء أصل واحد، وهو التعبد.

ويقال: تأله الرجل: إذا تعبد. ([6])

الوجه الثاني: أن التعبد فعل العبد, وهو يتضمن غاية الحب مع غاية الذل, فلابد للعبد حتى يكون متعبدا لله أن يفرد الله في طلبه وقصده, فقصر غاية المحبة والتذلل لله وحده هو التعبد.

وهذا الإفراد متعلق بكل ما يدخل تحت مسمى العبادة, ولا يصح حصرها في نوع دون نوع.

الوجه الثالث: كون الحاكمية تدخل تحت مفهوم لا إله إلا الله, لا يدل على أنها أخص وصف فيها, بل ولا يدل على أن مجرد التحاكم لغير الله ينقض أصل لا إله إلا الله.

فليس كل ما دخل تحت لا إله إلا الله إذا انتقض يكون ناقضا لكلمة التوحيد من أصلها.

يوضح هذا: أن إفراد الله بالحلف به داخل تحت كلمة التوحيد, ومع ذلك فإن مجرد الحلف بغير الله لا يكون شركا أكبر, وكذلك مجرد الحكم بغير ما أنزل الله وإن كان داخلا تحت كلمة التوحيد لا يدل على أنه ناقض لكلمة التوحيد من أصلها.

الوجه الرابع: أنهم فسروا العبادة بمعنى: الدينونة لله وحده، والخضوع له وحده، واتباع أمره وحده, سواء تعلق هذا الأمر بشعيرة تعبدية، أو تعلق بتوجيه أخلاقي، أو تعلق بشريعة قانونية, فمن حكم بغير ما أنزل الله لم يكن خاضعا متبعا, ومنازعة الله في الحكم تخرج من حد العبادة.  ([7])

والجواب: أن العبادة لا تقوم على الخضوع وحده, وإنما تقوم على الخضوع والمحبة, فمن خضع لغير الله من غير محبة لا يكون قد خرج من العبودية, وإن كانت العبودية قد تكون عنده ناقصة.

فهذا خلط في معرفة حقيقة العبادة.

قال ابن تيمية: «وقد ذكرت أن أسم العبادة يتناول غاية الحب بغاية الذل وهكذا الدين الذي يدين به الناس في الباطن والظاهر لا بد فيه من الحب والخضوع بخلاف طاعتهم للملوك ونحوهم فإنها قد تكون خضوعا ظاهرا فقط »([8])

وقال: « والعبادة: اسم يجمع غاية الحب له وغاية الذل له, فمن ذل لغيره مع بغضه لم يكن عابدا, ومن أحبه من غير ذل له لم يكن عابدا »([9])

الوجه الخامس: حصرهم الحاكمية في استيراد القوانين والأنظمة من غير شرع الله مع التهوين من الشرك المتعلق بالأوثان, كما قال المودودي: «  فإذا دعاهم القرآن ألا يتخذوا من دون الله إلهاً، ظنوا أنهم وفّوا مطالبة القرآن حقها لما تركوا الأصنام واعتزلوا الأوثان؛ والحال أنهم لا يزالون متشبثين بكل ما يسعه ويحيط به مفهوم (الإله) ما عدا الأوثان والأصنام »([10])

وهذا ينقضه: قوله تعالى:                  ﭿ                                                                     يوسف: ٤٠ فقد جعل الله من أعظم ما أمر به, ويدخل تحت حكمه عبادة الله وحده, وهو يتضمن النهي عن اتخاذ الأوثان آلهة تصرف لها أنواع من العبادة.

فهذا هو حقيقة الشرك لا ما يدعيه هؤلاء.

قال الطبري: « وقوله:                             ، يقول: وهو الذي أمر ألا تعبدوا أنتم وجميع خلقه، إلا الله الذي له الألوهية والعبادة خالصة دون كل ما سواه من الأشياء »([11])

 

وإن من المنكر الإنكار على العلماء الذين اكتفوا بتوحيدي الربوبية والألوهية على ذكر توحيد الحاكمية بالمعنى الصحيح؛ لكونه داخلا فيهما, فيأتي من انحرف فيضللهم ويتهمهم!

ولو أنه اعتقد الاعتقاد الصحيح لما تجاسر على الإنكار والاتهام والطعن في النيات.

فصل

مناط التكفير بالإخلال بتوحيد الحاكمية

إن مناط التكفير بالإخلال بتوحيد الحاكمية عند المنتمين لمذهب السلف هو: التكذيب أو الامتناع, وهذا المعنى هو التي دلت عليه النصوص دلالة قطعية بمجموعها.

قال ابن عباس: «من جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أقرَّ به ولم يحكم، فهو ظالم فاسقٌ»([1]).

وقال ابن تيمية: «والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه، أو حرم الحلال المجمع عليه، أو بدل الشرع المجمع عليه كان كافرًا مرتدًّا باتفاق الفقهاء.

وفي مثل هذا نزل قوله على أحد القولين: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ أي: هو المستحل للحكم بغير ما أنزل الله»([2]).

وقال الشيخ الشنقيطي: «ومن لم يحكم بما أنزل الله، معارضة للرسل وإبطالًا لأحكام الله، فظلمه وفسقه وكفره كلها كفر مخرج عن الملة، ومن لم يحكم بما أنزل الله معتقدًا أنه مرتكب حرامًا، فاعل قبيحًا، فكفره وظلمه وفسقه غير مخرج عن الملة»([3]).

وتراهم يطلقون الأحكام من غير إنزالها على المعينين؛ إذ إن تنزيل الحكم المطلق على المعين متوقف على توفر شروط وانتفاء موانع.

 

وأما مناط التكفير بالإخلال بتوحيد الحاكمية عند الخوارج ومن تأثر به فهو مجرد الحكم بغير ما أنزل الله, فيرون أن مجرد التحليل والتحريم تشريعٌ يوجب الكفر، حتى وإن كان المحلل أو المحرم جاهلًا بحكم الله، فمن أحلَّ ما حرم الله، أو حرم ما أحل الله فهو كافر كفرًا أكبر.

قال عبد القاهر البغدادي في الفرق بين الفرق (ص: 55): (قال شيخنا أبو الحسن الذى يجمعها إكفار على وعثمان وأصحاب الجمل والحكمين ومن رضى بالتحكيم وصوب الحكمين او أحدهما ووجوب الخروج على السلطان الجائر )

وهو ما صرح به سيد قطب في قوله: «وما من شك أن الذين يُحلُّون ما حرم الله ينطبق عليهم وصف الكفر والإثم، ولو قالوا بألسنتهم ألف مرة: لا إله إلا الله محمد رسول الله...»([4]).

وقد قال الظواهري في جريدة الشرق الأوسط: (إن سيد قطب هو الذي وضع دستور الجهاديين في كتابه الديناميت معالم في الطريق ..)

وقال أبو مصعب السوري في دعوة المقاومة الإسلامية: (إن المدرسة الفكرية لتنظيم الجهاد بدأت بمكتبة سيد قطب, والتي تضم أساسيات الفكر الجهادي المعاصر)

وقال يوسف القرضاوي في كتابه "أولويات الحركة الإسلامية " (110): (( في هذه المرحلة ظهرت كتب سيد قطب التي تمثل المرحلة الأخيرة من تفكيره الذي تنضح بتكفير المجتمع.......وإعلان الجهاد الهجومي على الناس كافة )).

وتراهم ينزلون الأحكام المطلقة على المعينين بإطلاق.

قال أبو المظفر السمعاني في تفسيره: (واعلم أن الخوارج يستدلون بهذه الآية, ويقولون: من لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر, وأهل السنة قالوا: لا يكفر بترك الحكم )

وقال ابن عبد البر: «وقد ضلت جماعة من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة في هذا الباب، فاحتجوا بهذه الآثار ومثلها في تكفير المذنبين، واحتجوا من كتاب الله بآيات ليست على ظاهرها، مثل قوله ۵: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾»([5]).

فالمناطان مختلفان تماما, فلا يلزم من الاتفاق صورة بالإقرار بتوحيد الحاكمية الاتفاق معنى, والعبرة بالمعاني لا بالاتفاق في الصورة.

وختاما يقول ابن تيمية فيمن اتخذ الأرباب: «وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا؛ حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله يكونون على وجهين:

أحدهما: أن يعلموا أنهم بدَّلوا دين الله فيتبعوهم على التبديل، فيعتقدوا تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله اتباعًا لرؤسائهم، مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل، فهذا كفر، وقد جعله الله ورسوله شركًا -وإن لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون لهم- فكان من اتبع غيره في خلاف الدين مع علمه أنه خلاف الدين، واعتقد ما قاله ذلك دون ما قاله الله ورسوله؛ مشركًا مثل هؤلاء.

والثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحلال وتحليل الحرام ثابتًا، لكنهم أطاعوهم في معصية الله، كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاص؛ فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب»([6]).

وهذا تفصيل دقيق من شيخ الإسلام؛ فإن من حلل ما حرم الله مع علمه بالتحريم من غير شبهة معتبرة، وكذلك مَن اتبعه على ذلك مع علمه واعتقاد تحليل ما حرم الله فإنه يكون قد انتفى عنه الانقياد الذي جِماعه الخضوع لله، فيكون بذلك قد انتفى عنه أصل الإيمان، فيكون كافرًا كفرًا أكبر.

 


 



([1]) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/333).

([2]) «مجموع الفتاوى» (3/267-268)

([3]) «أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن» (2/125).

([4]) «في ظلال القرآن» (1/328).

([5]) «التمهيد» (17/16).

([6]) «مجموع الفتاوى» (7/70).

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

 



([1])  المصطلحات الأربعة في القرآن (15)

([2])  هو: سيد قطب بن إبراهيم, مصري.

     انضم إلى الإخوان المسلمين، فترأس قسم نشر الدعوة وتولى تحرير جريدتهم, وسجن معهم، فعكف على تأليف الكتب ومنها: ظلال القرآن, الذي اشتمل على مخالفات كثيرة, وكذلك العدالة الاجتماعية في الإسلام, والتصوير الفني في القرآن.

     ولد: 1324 هـ = 1906 م   وتوفي: 1387 هـ =1967 م       انظر: الأعلام (3/ 147-148)

([3])  في ظلال القرآن (2/ 688)

([4])  في ظلال القرآن (2/ 890)

([5])  في ظلال القرآن (2/ 1057)

([6])  انظر: مقاييس اللغة (1/ 127)

([7])  انظر: في ظلال القرآن (4/ 1991)

([8])  جامع الرسائل لابن تيمية (2/ 219-220)

([9])  مجموع الفتاوى (15/ 162)

([10])  المصطلحات الأربعة في القرآن (7)

([11])   تفسير الطبري


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق