الأحد، 14 أبريل 2024

فتوى اقتحام المعابر في الميزان الشرعي

 

فتوى اقتحام المعابر في الميزان الشرعي

(تقصير الأمة حكاما وشعوبا في تحرير الأ قصى وإنقاذ إخوانهم, وعدم استعدادها, وبعدها عن دينها: لا يعالج بإقحامهم في أمر مضرته راجحة, ويؤدي إلى إزهاق أنفس مسلمة بما لا مصلحة فيه راجحة, ويفتح الباب لتسلط الاعداء على بلدان المسلمين واحتلالها)

لنتصور المسألة

(بعيدا عن تصور صاحب اللحظات, وإطلاقاته, وعدم تحقيقه للمناطات,...)

 

بلاد فلس طين محتلة, وواجب على (جميع المسلمين من حيث هو جميع) جها دهم, ويتعين ابتداء على أهل فلس طين من ذوي الأهلية وعدم المانع عند (وجود القدرة الشرعية), لأن الواجب يحصل بهم؛ لحضورهم, فإن عجزوا فمن يليهم بقيد (وجود الاستطاعة الشرعية), إلى أن يعم جميع الأمة بنفس القيد ...

وهذه (الاستطاعة الشرعية) المشروطة لا تعني الخوف من الموت؛ حتى يقال فتنة علو الكفر أعظم من فتنة الموت, ولا تعني حصرها في العجز الحسي؛ حتى تحصر في الأعمى ونحوه, ولا تعني التمكن من هزيمة العدو ...

ولا علاقة لها باشتراط (التكافؤ بين الجيشين), فلم تشترط الشريعة في المقاتلين التكافؤ في العدد والعدة؛ لأنه يبذل نفسه فيما فيه مصلحة للمسلمين، بل يجب على المقاتلين ألا يتركوا القتال وإن كانوا لا طاقة لهم بقتال الكفار إذا ترتب على انصرافهم من القتال استيلاء الكفار على النساء ومن يخلفون من المسلمين.

 

طيب ماذا تعني القدرة الشرعية أو الاستطاعة الشرعية؟

وإنما تعني ألا يكون في الإقدام على الفعل مع سلامة الآلات مفسدة راجحة, كما قال ابن تيمية في منهاج السنة النبوية (3/ 49): (فالشارع لا ينظر في الاستطاعة الشرعية إلى مجرد إمكان الفعل، بل ينظر إلى لوازم ذلك، فإذا كان الفعل ممكنا مع المفسدة الراجحة لم تكن هذه استطاعة شرعية).

وهذا له نظائر في الشريعة, كمن يقدر على الصلاة قائما إلا أنه يلحقه ضرر بالقيام, أو يقدر على الحج إلا أنه يلحقه ضرر راجح إذا حج؛ فهنا لا يعد قادرا في الشريعة ولا مستطيعا الاستطاعة الشرعية.

قال الجويني: (وقد أجمع المسلمون قاطبة على أن من غلب على الظن إفضاء خروجه إلى الحج إلى تعرضه أو تعرض طوائف من المسلمين للغرر والخطر، لم يجز له أن يغرر بنفسه وبذويه، ومن يتصل به ويليه، بل يتعين عليه تأخير ما ينتحيه، إلى أن يتحقق تمام الاستمكان فيه). الغياثي (ص: 176)

ولعدم فهم هذا القيد على وجهه جاءت مثل هذه الفتاوى التي لم يراع فيها المآلات ولا لوحظت فيها القدرة الشرعية.

(والغريب أن التصور الخاطئ لسألة من يتوجه إليه الخطاب ويتعين في الواجب العيني والواجب الكفائي هو من منشأ الغلط عند الكثير في هذه المسائل

فعندما يأتي أحدهم ويقول: جها د الدفع واجب على الأعيان, وأن اشتراط القدرة الشرعية هو من باب الخلط بين جها د الطلب وجها د الدفع: عندها تدرك حقيقة الإشكال عند هؤلاء.

وبعضهم يظهر الإشكال عنده في تفسيره شرط القدرة بمجرد وجود مقاتلين بعتادهم مما يتحقق معه نكاية بالعدو, وبتفسيره انتفاء المفسَدة المحضة بحصول الموت في المسلمين مع عدم النكاية بعدوهم,

والجامع لغلطهم, هو: عدم تصور شرط القدرة الشرعية على وجهه, وظنهم أن النكاية بالعدو مقصد شرعي في جها د الدفع, بينما هي مقصد في جها د الطلب.)

 

وحتى لا أطيل, سأقتصر على بيان خطأ التصور في توجه الخطاب وتعينه؛ لأن له تعلقا بفتوى اقتحام المعابر:

إذا اقتحم العدو بلدة مسلمة , فهل يصبح قتاله فرض عين على كل واحد في الأمة ؟

هنا تأتي مسألة توجه الخطاب وتعينه

المطلوب شرعا دفع العد و, ويتعين دفعه ابتداء على أهل تلك البلدة, وعندما نقول يتعين على أهل تلك البلدة لابد أن نلحظ تحقق الأهلية وعدم المانع, ولابد أن نلحظ أمرا آخر مهما يغفل عنه الكثير, وهو: ألا يترتب عليه إضرار أكبر بالمسلمين وإذهاب للدين...

وتعين القتال على أهل تلك البلدة ينفي تعينه على غيرهم, فإذا لم تحصل الكفاية بأهل تلك البلدة,

فمن جهة تعلق الخطاب وتوجهه فإنه يتوجه إلى جميع أهل البلدة المجاورة من حيث هو جميع, وذلك بإيقاعه منهم من أي فاعل فعله حتى يدفع العدو, ولا يتعين على كل واحد, وإنما يتعين إما بأمر الحاكم, أو أن يغلب على ظن المكلف أن غيره لم يقم به...إلخ

ولا يتعين إلا على من تتحقق به المصلحة وتدفع به المفسدة, وقد أبدع الشاطبي لما تكلم عن الواجب الكفائي فقال: (... وكذلك الجهاد -حيث يكون فرض كفاية-  إنما يتعين القيام به على من فيه نجدة وشجاعة، وما أشبه ذلك من الخطط الشرعية؛ إذ لا يصح أن يطلب بها من لا يبدئ فيها ولا يعيد؛ فإنه من باب تكليف ما لا يطاق بالنسبة إلى المكلف، ومن باب العبث بالنسبة إلى المصلحة المجتلبة أو المفسدة المستدفعة، وكلاهما باطل شرعا.) الموافقات (1/ 278)

وانتقال التعين إلى من يليهم مقيد بوجود القدرة الشرعية, فعند عدم وجودها ينتفي تعين القتال, ولهذا استثنى بعض الفقهاء  إذا خشي غير المفجوئين معرة على نسائهم وعيالهم وبيوتهم من عدو بتشاغلهم بالدفع عمن فجأهم العدو.

 ولا يلزم من انتفاء تعين القتال انتفاء واجب النصرة؛ لأنه أعم...

 (ولا نشك في تقصير الحكا م والشعوب, وعدم فعلهم ما يجب عليهم من التهيئة والاستعداد...إلخ)

وفتوى اقتحام المعابر بنيت على عدم اعتبار القدرة الشرعية في تعين القتال من جهة, وعلى نظر خاطئ في تعين القتال على كل معين في الأردن ومصر من جهة أخرى؛ حتى جُعل موت أهل الأردن ومصر ليس بأولى من موت أهل غ ز ة, هكذا بكل سطحية.

والدعوة إلى وجوب نصرة أهلنا في غ ز ة لا يلزم منها أن يكون باقتحام المعابر الذي ضرره أكثر من نفعه, ولا أظن أن عاقلا ينازع في الضرر الذي سيحصل للمسلمين في هذا الاقتحام...

وأما وصف عدم اقتحامهم بالتخذيل فبعيد عن التحقيق؛ لأن عدم وجود القدرة الشرعية مانع شرعي.

 

كتبه د. أحمد محمد الصادق النجار

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق