السبت، 2 أبريل 2016

تأصيل "مسألة ذكر الحسنات والسيئات لمن كان من أهل البدع"

تأصيل  "مسألة
ذكر الحسنات والسيئات
لمن كان من أهل البدع"

الحمد لله وحده, والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
أما بعد, فمن الأحكام الشرعية ما تكون معلَّقة بالمصالح والمفاسد, فيدور حكمها معها وجودا وعدما.
ومسألة ذكر الحسنات والسيئات لمن كان من أهل البدع تابعة للمصالح والمفاسد, فإذا كانت المصالح راجحة في ذكر الحسنات مع السيئات فإنها تذكر, وإذا ترتب على ذكر الحسنات مفاسد راجحة فإنها لا تذكر, وإذا تساوت المصالح والمفاسد, فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
فالأحوال ثلاثة:
1-أن يكون في ذكر الحسنات مصلحة راجحة ومفسدة مرجوحة.
2- أن يكون في ذكر الحسنات مفسدة راجحة ومصلحة مرجوحة.
3- أن تتساوى المصالح والمفاسد في ذكر الحسنات مع السيئات.
ولا يصح إيجاب ذكر الحسنات مطلقا, أو تحريم ذكرها مطلقا, وإنما الصواب: التفصيل,
فيختلف الحكم بحسب المقام والمخاطَبين.
فإذ كان المقام:
1-مقام تحذير فليس من المصلحة ذكر الحسنات؛ لأنه سيترتب على ذكرها مفاسد أرجح.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحذر من أقوام من غير ذكر حسنات لهم, كما حذر من رأس الخوارج ذي الخويصرة, وغيره.
وعدم ذكر الحسنات للمبتدع هو من باب العقوبة.
قال رافع بن أشرس: " كان يقال: إن من عقوبة الكذاب أن لا يقبل صدقه , قال: وأنا أقول: ومن عقوبة الفاسق المبتدع أن لا تذكر محاسنه " الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي (117)
وهو من العدل؛ لأنه وضع للشيء في موضعه, والذي يناسب التحذير عدم ذكر الحسنات.
ويحقق مصلحة حفظ الدين.
وقد درج على هذا أئمة السلف في تحذيراتهم.
قال ابن المبارك في تهذيب الكمال (21/ 555): ((  لا تحدثوا عن عمرو بن ثابت؛ فإنه كان يسب السلف )).
وفي ترجمة إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى في الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة (1/ 222): ((قال البخاري: جهمي تركه ابن المبارك والناس, وقال أحمد: قدري معتزلي جهمي كل بلاء فيه, وقال يحيى القطان: كذاب ))
2- مقام ترجمة أو تقييم؛ فهنا المناسب أن يذكر ما له وما عليه.
قال ابن تيمية في أصل التصوف "مجموع الفتاوى" (11/ 17): ((  فطائفة ذمت " الصوفية والتصوف " . وقالوا : إنهم  مبتدعون خارجون عن السنة ونقل عن طائفة من الأئمة في ذلك من الكلام ما هو معروف وتبعهم على ذلك طوائف من أهل الفقه والكلام . وطائفة غلت فيهم وادعوا أنهم أفضل الخلق وأكملهم بعد الأنبياء وكلا طرفي هذه الأمور ذميم . و " الصواب " أنهم مجتهدون في طاعة الله كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة الله ففيهم السابق المقرب بحسب اجتهاده وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين وفي كل من الصنفين من قد يجتهد فيخطئ وفيهم من يذنب فيتوب أو لا يتوب . ومن المنتسبين إليهم من هو ظالم لنفسه عاص لربه . وقد انتسب إليهم طوائف من أهل البدع والزندقة ...))
وأيضا يختلف بحسب المخاطَب, فإذا كان المخاطَب معظما لمن يراد تحذيره منه فقد تكون من المصلحة ذكر شيء من حسناته؛ للوصول بذلك إلى قلب هذا المعظِّم؛ حتى يقبل التحذير.
ومن ذلك ما فعله شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (3/ 377) لما خاطب الأتباع: ((  والشيخ عدي " - قدس الله روحه - كان من أفاضل عباد الله الصالحين, وأكابر المشايخ المتبعين, وله من الأحوال الزكية والمناقب العلية ما يعرفه أهل المعرفة بذلك, وله في الأمة صيت مشهور ، ولسان صدق مذكور, وعقيدته المحفوظة عنه لم يخرج فيها عن عقيدة من تقدمه من المشايخ الذين سلك سبيلهم, كالشيخ الإمام الصالح " أبي الفرج عبد الواحد بن محمد بن علي الأنصاري الشيرازي ثم " الدمشقي " وكشيخ الإسلام الهكاري " ونحوهما .
وهؤلاء المشايخ لم يخرجوا في الأصول الكبار عن أصول " أهل السنة والجماعة ", بل كان لهم من الترغيب في أصول أهل السنة والدعاء إليها والحرص على نشرها ومنابذة من خالفها مع الدين والفضل والصلاح ما رفع الله به أقدارهم وأعلى منارهم ، وغالب ما يقولونه في أصولها الكبار جيد, مع أنه لا بد وأن يوجد في كلامهم وكلام نظرائهم من المسائل المرجوحة والدلائل الضعيفة ؛ كأحاديث لا تثبت ومقاييس لا تطرد, مع ما يعرفه أهل البصيرة ، وذلك أن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ...))
فتبين لنا: أن الحكم يختلف بحسب المقام والمخاطَب؛ وذلك راجع لتحقق المصلحة الراجحة وعدمها, فليست هناك قاعدة مستمرة.
قال الشيخ العثيمين في لقاء الباب المفتوح: (( عندما نريد أن نقوِّم الشخص يجب أن نذكر المحاسن والمساوئ؛ لأن هذا هو الميزان العدل، وعندما نحذر من خطأ شخص نذكر الخطأ فقط؛ لأن المقام مقام تحذير، ومقام التحذير ليس من الحكمة أن نذكر المحاسن؛ لأنك إذا ذكرت المحاسن فإن السامع سيبقى متذبذباً، فلكل مقام مقال )).

وأما إذا كان من أهل السنة والفضل فهنا تذكر حسناته.
قال سعيد بن المسيب: (( من كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله )) البداية والنهاية (9/ 118)
وقال: (( إنه ليس من شريف ولا عالم ولا ذي فضل إلا وفيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه )). وقال البداية والنهاية (9/ 118)
وقال الشافعي رحمه الله: «لا أعلم أحدا أعطي طاعة الله حتى لم يخلطها بمعصية إلا يحيى بن زكريا عليه السلام , ولا عصى الله فلم يخلط بطاعة , فإذا كان الأغلب الطاعة فهو المعدل , وإذا كان الأغلب المعصية فهو المجرح» الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي (79)
وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء (16/ 285): ((  وإنما يمدح العالم بكثرة ماله من الفضائل، فلا تدفن المحاسن لورطة، ولعله رجع عنها.
وقد يغفر له باستفراغه الوسع في طلب الحق ولا قوة إلا بالله )).
وأختم بكلام جميل لابن القيم يقول فيه كما في مفتاح دار السعادة (1/ 176): ((  من قواعد الشرع والحكمة أيضا: أن من كثرت حسناته وعظمت وكان له في الإسلام تأثير ظاهر فإنه يحتمل له مالا يحتمل لغيره, ويعفي عنه مالا يعفي عن غيره؛ فإن المعصية خبث والماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث, بخلاف الماء القليل, فإنه لا يحمل أدنى خبث.
 ومن هذا: قول النبي صلى الله عليه و سلم لعمر: (( وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم )) وهذا هو المانع له صلى الله عليه و سلم من قتل من حس عليه وعلى المسلمين, وارتكب مثل ذلك الذنب العظيم, ...))
وقال في إعلام الموقعين (3/ 283): (( ومن له علم بالشرع والواقع يعلم قطعا أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدم صالح وآثار حسنة وهو من الإسلام وأهله بمكان قد تكون منه الهفوة والزلة هو فيها معذور بل ومأجور لاجتهاده فلا يجوز أن يتبع فيها ولا يجوز أن تهدر مكانته وإمامته ومنزلته من قلوب المسلمين )).

والحمد لله على التمام
كتبه
د. أحمد محمد الصادق النجار
24-6-1437هـ



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق