الاثنين، 11 مايو 2020

الاعتكاف في البيت في ظل وباء ( #فايروس_كورونا )


الاعتكاف في البيت
في ظل
وباء ( #فايروس_كورونا )
د. أحمد بن محمّد النّجار
كليّـة علوم الشّريعة / جامعة المرقب
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
أما بعد؛ فإن الاعتكاف قربة شرعه الله في المساجد, ونهى عن الجماع المباح لأجله, قال تعالى: [ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد].
والاعتكاف مع كونه عبادة في نفسه إلا أنه لم يأت فيه فضل خاص, قال أبو داود في مسائله للإمام أحمد: (( قلت لأحمد: تعرف في فضل الاعتكاف شيئا؟ قال: لا، إلا شيئا ضعيفا )). مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود السجستاني (ص: 137)
والمسنون منه ما كان في العشر الأواخر من رمضان, ويبدأ بـ (غروب شمس ليلة إحدى وعشرين ) وينتهي بـ (غروب شمس ليلة العيد).
وشرطه أن يكون في المسجد؛ لقوله تعالى: [وأنتم عاكفون في المساجد ].
واختلف العلماء في صفة المسجد:  فمنهم من قال: الاعتكاف مختص بالمساجد الثلاثة, ومنهم من قال: أن يكون مسجد جماعة, ومنهم من قال: في كل مسجد إلا إذا تخلل اعتكافه جمعة.
فقد روى النجاد عن علي رضي الله عنه؛ قال: «لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة».
وعن ابن عباس؛ قال: «لا اعتكاف إلا في مسجد تقام فيه الصلاة».
وعن عائشة رضي الله عنها: أنها قالت: «لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة».
والاعتكاف شرع مقيدا, فهو قربة خصت بالمساجد بالنص لقوله تعالى: [وأنتم عاكفون في المساجد ], والعبادات المقيدة إنما تفعل مقيدة لا مطلقة؛ لأن إطلاق المقيد يحتاج إلى دليل وإلا كان تشريعا.
هذا هو الأصل.
وفي نازلة وباء فايروس كورونا استجدت مسألة وهي حكم الاعتكاف في البيت في ظل إغلاق المساجد.
وقد بحث الفقهاء مسألة وهي: اعتكاف المرأة في مسجد بيتها, وهو الموضع الذي أعدته للصلاة, فذهب الأحناف إلى أن المرأة لا تعتكف إلا في مسجد بيتها؛ لأن صلاتها فيه أفضل, وخوفا عليها من الفساق. [انظر: المبسوط للسرخسي (3/ 119)]
ولأن له حكم المسجد في حقها في حق الصلاة لحاجتها إلى إحراز فضيلة الجماعة, فأعطي له حكم مسجد الجماعة في حقها. [بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (2/ 113)]
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة؛ لأن مسجد البيت ليس له حكم المسجد لا حقيقة ولا حكما؛ بدليل جواز البيع فيه, وجواز النوم فيه للجنب والحائض, وقد قيد الاعتكاف بالمسجد.
ولأن المقصود تعظيم البقعة فيختص ببقعة معظمه شرعا، وذلك لا يوجد في مساجد البيوت.
ولأن النساء كن يعتكفن في المساجد, ويضرب لهن فيه الخيم.

والسؤال هنا: هل نُخرِّج نازلتنا على قول الحنفية في اعتكاف المرأة في البيت؟
والذي يظهر : لا؛ لأمرين:
الأول: أن الحكم في المرأة عند الحنفية معلق بموضع أعدته للصلاة فكان مسجدا لها باعتبار إدراك الفضل في الصلاة, وهذا يخالفها فيه الرجل في الفرض.
ومع هذا لا يسلم للحنفية؛ لأن الحديث أثبت أفضلية للمرأة في خصوص الصلاة, ولم يعط ذلك الموضع أحكام المسجد؛ بدليل جواز مكث الحائض فيه .
ولو كان اعتكاف أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في غير المسجد العام ممكناً؛ لاستغنين بذلك عن ضرب الأخبية في المسجد كما استغنين بالصلاة في بيوتهن عن الجماعة في المساجد, ولأمرهن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك..[انظر: شرح العمدة (2/ 740)]
 الثاني: أن الاعتكاف شرع مقيدا بالمسجد والنهي عن المباشرة بالنص, فلا يكون مشروعا إلا في المسجد وأن يكون العاكف منهيا فيه عن المباشرة, فتخصيصه بالذكر يقتضي أن ما عداه بخلافه.
قال ابن تيمية في شرح العمدة (2/ 720): (وإذا لم يكن العاكف في غير المسجد منهيّاً عن المباشرة؛ علم أنه ليس باعتكاف شرعي؛ لأنا لا نعني بالاعتكاف الشرعي إلا ما تحرم معه المباشرة)
وعليه فمن اعتكف في غير المسجد خرج عن الاعتكاف الشرعي, ومادام أن محل الاعتكاف مغلق بسبب الوباء العام ودفع ضرره فإن الاعتكاف يسقط.
وقد عده ابن عباس الاعتكاف في البيت من البدع, فقد سئل عن امرأة جعلت عليها أن تعتكف في مسجد نفسها في بيتها؟ فقال: بدعة, وأبغض الأعمال إلى الله تعالى البدع, لا اعتكاف إلا في مسجد تقام فيه الصلاة». رواه حرب.
وما حُكم عليه بأنه بدعة فإنه لا يكون مشروعا, ولا فرق في ذلك بين ما دعت إليه الضرورة والحاجة أو لا.
ومما يدل أيضا على أنه يجب في المسجد حتى مع وجود العذر: ما جاء عن عائشة قالت: «اعتكف مع النبي صلى الله عليه وسلم بعض أزواجه, وكانت ترى الدم والسفرة والطست تحتها وهي تصلي». رواه البخاري
فمع كونها مستحاضة قد تُلوث المسجد لم يشرع لها الاعتكاف في البيت؛ مما يدل على أنه لا يكون إلا في المسجد.
وإذا نظرنا إلى حِكَم شرعية الاعتكاف في المساجد منعنا منه في غير المسجد, فمن الحِكَم: أن البقعة معظمة, فتتناسب مع ملازمة العبادة والتفرغ لها والابتعاد عن أمور الدنيا, وتسليم النفس إلى الله, وهذا لا يتحقق في البيوت.
إلا أن بقاء الرجل في المكان المعد للصلاة والاشتغال فيه بالعبادة وانتظار الصلاة بعد الصلاة مما يرجى له فيه الخير من غير أن يعتقد أنه اعتكاف وقربة؛ لما جاء في الموطأ وغيره عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه ما لم يحدث اللهم اغفر له اللهم ارحمه)
فقوله في مصلاه أي: في الموضع الذي صلى فيه.
وسئل مالك عن رجل صلى جماعة ثم قعد بموضعه ينتظر صلاة أخرى أتراه في صلاة بمنزلة من كان في المسجد كما جاء في الحديث؟ قال: نعم إن شاء الله أرجو أن يكون كذلك ما لم يحدث فيبطل ذلك ولو استمر جالسا.[ شرح الزرقاني على الموطأ (1/ 553)]

والخلاصة: لا يصح الاعتكاف في البيت؛ لأنه تغيير للصفة المشروعة بلا موجب شرعي يقتضي التغيير, وإذا سقطت هئية صلاة الجمعة في البيت للضرر مع وجوبها فسقوط الاعتكاف من باب أولى؛ لعدم وجوبه.
ولأن مصلحة الاعتكاف لا تتم إلا في المسجد؛ لعظم البقعة, وهذا غير متحقق في البيت.
ولأن الشارع لم يرخص الاعتكاف في البيت مع وجود العذر كما في المستحاضة, فدل ذلك على أنه لا يشرع إلا في المسجد, وأن العجز يسقطه.
فإن قيل: المسجد شرط في الاعتكاف ومصلحته مكملة لا أصلية, والشروط تسقط بالعجز, ولا تعود على أصلها بالبطلان.
قيل: إلغاء الشرط هنا يذهب الصفة المشروعة ويغيرها, فيجعل غير المشروع مشروعا بلا دليل, كما هو الحال في الجمعة, فالمسجد جزء أصيل في الحقيقة الشرعية،فتنتفي الماهية بانتفائه.
 ثم إن ذهابه لا يتحقق معه المقصود من الاعتكاف؛ إذ إن البقعة مقصودة, ولها أثر في تفرغ القلب وعدم انشغاله بالدنيا.
وليس الشرط هنا من جنس ما كان مكملا لحكمة المشروط وعاضدا لها كشرط الطهارة للصلاة؛ إذ إن عدم الطهارة لا يغير من هيئة الصلاة شيئا, وليس هي من جنش اشتراط العدالة في الإمام؛ لأن عدمه لا يغير من الصلاة والاقتداء بالإمام ومتابعته, وليس هي من جنس اشتراط الصيام في الاعتكاف عند من يشترطه.
فإن قيل: هل المكان مقصود بذاته.
قيل, نعم, مقصود بذاته, فالاعتكاف انقطاع إلى العبادة على وجه لائق بلزوم المسجد؛ بدليل عدم سقوطه مع العذر, فكما تقدم عن عائشة قالت: «اعتكف مع النبي صلى الله عليه وسلم بعض أزواجه, وكانت ترى الدم والسفرة والطست تحتها وهي تصلي». رواه البخاري
فمع كونها مستحاضة قد تُلوث المسجد لم يشرع لها الاعتكاف في البيت؛ مما يدل على أنه لا يكون إلا في المسجد.
والمسجد معظم شرعا ورتب الشارع عليه أحكاما تخصه, كما أنه اشترط في الاعتكاف عدم المباشرة؛ مما يدل على أن البقعة مقصودة, ولاشك أن لها تأثيرا في الاعتكاف.
وإنما جوز الأحناف للمرأة الاعتكاف في الموضع الذي أعدته للصلاة؛ لما تعتقده من تعظيم هذه البقعة, وهو أيضا وجه الرد عليهم في أن المرأة ليس لها أن تعكتف في بيتها.
ثم إن ما علق بمكان لا يعلق بغيره إلا بدليل, ولا دليل يوجب تغيير مكان الاعتكاف, ولا يصح قياسه بترك المبيت في منى لعذر, وتجاوز الميقات؛ لوجود الدليل, أو ليس المكان من حقيقته الشرعية.
فإن قيل: الضرورة موجبة للتغيير.
قيل: الضرورة تسقطه, ولا توجب تغييرا في صفته, فهو انقطاع بلزوم المسجد, فلزوم المسجد من حقيقته الشرعية, كما هو الحال في صلاة الجمعة.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق