الجمعة، 11 نوفمبر 2022

بين قاعدة سد الذريعة وقاعدة التزاحم بين المصالح والمفاسد

 بين قاعدة سد الذريعة وقاعدة التزاحم بين المصالح والمفاسد

هاتفني أحد المشايخ الكرام يستفسر عن العلاقة بين قاعدة تزاحم المصالح والمفاسد وبين قاعدة سد الذريعة أو ما يفضي إلى الحرام كثيرا أو غالبا
فمثلا تحريم الخلوة بالأجنبية هل بني على قاعدة التزاحم أو على قاعدة الإفضاء وإن شئت قلت قاعدة سد الذريعة..
وكذا تحريم مصافحة الأجنبية وبيع العنب لقبيلة غلب عليهم استعماله في صناعة المسكر
وكذا تحريم المظاهرات...
فإذا قلنا بني على قاعدة الذرائع أو الإفضاء أيصح أن يعلق الحكم على المصالح والمفاسد أو يطلق فيها المنع..بمعنى إذا  سأل سائل عن حكم المظاهرات؟ أيقال: حرام بإطلاق بناء على قاعدة الإفضاء، أو يقال: جائزة إذا رجحت مصالحها ومحرمة إذا رجحت مفاسدها؛ بناء على قاعدة التزاحم..

أقول جوابا على هذا السؤال:
عدم التفريق بين القاعدتين يجر إلى أخطاء في الأحكام
وتوضيح ذلك:
قاعدة التزاحم يراد بها الموازنة بين المصالح فيما بينها أو الموازنة بين المصالح والمفاسد
سواء كانت المصلحة والمفسدة ذاتيتين في الفعل أو كانتا في الأمر والنهي أو في مآل ونتيجة الفعل.
وأما قاعدة الإفضاء أو سد الذريعة فيراد بها الفعل المباح في نفسه المفضي إلى الحرام غالبا أو كثيرا بالنظر إلى  نتيجته ومآله
فهو بالنظر إلى كونه وسيلة بفضي إلى محرم..
وهذا النوع مقصود الشارع رفع المفسدة ولأجله جاء الحكم بإطلاق، ولا يلتفت إلى ما في الفعل من مصلحة ولم يتسلط النهي عليها وإننا تسلط على المفضى إليه الذي هو غالب أو كثير
فبان بهذا أن قاعدة الإفضاء متعلقة بنوع من أنواع قاعدة التزاحم وهي: درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة
وكما تلاحظون أنه لا مجال لتعليق الحكم برجحان المصالح أو  برجحان المفاسد؛ لأن القاعدة في تغليب جانب المفاسد، وعدم النظر إلى المصالح
فلا يتأتى بعد ذلك تعليق الحكم على المصالح والمفاسد.
قال الشاطبي في الموافقات (٢/٤٦):( وكذلك المفسدة إذا كانت هي الغالبة بالنظر إلى المصلحة في حكم الاعتياد ف فعها هو المقصود شرعا، ولأجله وقع النهي؛ ليكون رفعها على أتم وجوه الإمكان العادي)
فمثلا: مسألة الخلوة بالأجنبية تعود إلى قاعدة درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة
فيكون الحكم التحريم
ولا يقال: الحكم معلق بالمصالح والمفاسد، فقد تكون الخلوة جائزة وقد تكون محرمة.
وكذا مسألة المظاهرات تعود إلى قاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح
فيكون الحكم: التحريم
ولا يقال الحكم معلق بالمصالح والمفاسد
قد يسأل سائل ما مستند المفاسد فيما لم يأت فيه نص بالتحريم؟
فيقال له: الاستقراء، لما استقرى العلماء واقع الفعل وجدوا أنه يفضي إلى الحرام غالبا أو كثيرا
وما هذا حاله فإنه يدخل تحت قاعدة الإفضاء التي تلتقي مع قاعدة درء المفاسد.

وهذا النوع لا يعلق بالمصالح والمفاسد وإنما يطلق الحكم فيه بالتحريم
ولا يباح على سبيل الاستثناء إلا في صورة الضرورة أو الحاجة
بقيد أن تكون المصلحة التي يراد حفظها حقيقية لا وهمية
ولا يؤدي حفظها إلى مفسدة أكبر
وكلما كانت المفسدة المفضى إليها أعظم كان الاستثناء بالنظر إلى المصلحة المرجوة أضيق.
وكلما كانت المفسدة المفضى إليها تتعلق بإذهاب الضرورات كان الاستثناء في ضروري أقوى.

والخلاصة: الوسائل التي تفضي إلى الحرام غالبا أو كثيرا
يطلق فيها الحكم فيقال: محرمة، ولا يعلق الحكم بما رجح من المصالح والمفاسد
لأنها مندرجة تحت قاعدة درء المفاسد، لا مطلق قاعدة التزاحم
ويدخلها الاستثناء كما يدخل الاستثناء حكم أكل الميتة.

كتبه د. أحمد محمد الصادق النجار


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق