الاثنين، 28 نوفمبر 2022

[نعي الأموات بذكر محاسنهم حال الإخبار بموتهم في مواقع التواصل والتلفاز ونحوهما من نعي أهل الجاهلية]

[نعي الأموات بذكر محاسنهم وتعدادها حال الإخبار بموتهم في مواقع التواصل والتلفاز ونحوهما من نعي أهل الجاهلية] 

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده

أما بعد, فإن النعي الذي هو الإخبار بموت الميت, قد تنوعت وسائله وتعددت صوره؛ فقد يكون مجردا وقد يصاحب الإخبار ذكر المآثر وقد يكون معه نداء وقد لا يكون...

ولقد كان لمواقع التواصل الاجتماعي أثر في كبيرة في نعي الأموات وذكر محاسنهم خصوصا بعد صدوره ممن هو محسوب على أهل العلم؛ مما يستدعي بيان حكمه، وهل هو من نعي الجاهلية أو لا؟ 

والجواب عن هذا: أن الأصل في النعي الذي فيه إعلان خبر موت الميت: النهي.

وقد نقل الفاكهاني في رياض الإفهام ٣/١٩٠ عن مالك أنه كره الإنذار بذلك على أبواب المساجد والأسواق ورآه من النعي.

وقال الحافظ في الفتح (٣/١١٦) نقلا عن ابن رشيد (إن النعي ليس ممنوعا كله وإنما نهي عما كان أهل الجاهلية يصنعونه, فكانوا يرسلون من يعلن بخبر موت الميت على أبواب الدور والأسواق)

ولهذا الأصل وخوفا من الوقوع في المحرم: استحب جماعة من أهل العلم أن لا يعلم الناس بجنائزهم؛ منهم: ابن مسعود وأصحابه: علقمة، والربيع بن خيثم، وعمرو بن شرحبيل [انظر المغني ٣/٥٢٤] 

لكن النهي الوارد في النعي ليس متعلقا بمطلق النعي, وإنما هو متعلق بنعي مخصوص كان عليه أهل الجاهلية يرجع إلى علة تهييج النفوس وتعظيم المصاب وإثارة الأحزان.

فليس كل صورة للنعي تكون منهيا عنها, وهذا يستدعي ذكر الصور وبيان حكمها, وهي على النحو الآتي:

الصورة الأولى: النعي المعلن الذي يصاحبه ذكر المحاسن والمفاخر وتعدادها بما يكون سببا في تهييج النفوس وتعظيم المصاب, فهذا النعي من نعي أهل الجاهلية؛ فيكون حراما، فقد أخرج الترمذي عن حذيفة رضي الله عنه أنه قال: (إذا مت فلا تؤذنوا بي أحدًا، إني أخاف أن يكون نعيًا، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن النعي)

وعن عبد الله بن مسعود أن النبي ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ قال: “إيّاكم والنَّعي، فإن النَّعي مِن عَمل الجاهليّة” أخرجه الترمذي

وهذا النوع قد جُمع فيه بين إعلان خبر الموت وذكر المحاسن بما يهيج النفوس ويعظم المصاب ويدعو إلى التسخط..

وهو مخالف لمقصد الشارع من تخفيف المصاب؛ حتى يستسلم للقدر

قال النووي في شرح مسلم (٧/٢١) لما ذكر نعي النجاشي:( وفيه استحباب الإعلام بالميت لا على صورة نعي الجاهلية، بل مجرد إعلام الصلاة عليه وتشييعه وقضاء حقه في ذلك، والذي جاء من النهي عن النعي ليس المراد به هذا، وإنما المراد نعي الجاهلية المشتمل على ذكر المفاخر وغيرها)

وما نشاهده اليوم في الفيس والقنوات من ذكر المحاسن التي تهيج والنفوس وتضخم المصاب عند الإخبار بموت الميت يدخل في نعي أهل الجاهلية، وهو منهي عنه وإن صدر من طائفة من أهل العلم, فهم وإن قصدوا مقصدا حسنا إلا أن وسيلته منهي عنها.

قال النووي في "المجموع" (5/174): " والصحيح الذي تقتضيه الأحاديث التي ذكرناها وغيرها أن الإعلام بموته لمن لم يعلم ليس بمكروه , بل إن قصد به الإخبار لكثرة المصلين فهو مستحب وإنما يكره ذكر المآثر والمفاخر والتطواف بين الناس بذكره بهذه الأشياء , وهذا نعي الجاهلية المنهي عنه" 

الصورة الثانية: النعي الذي يصاحبه تسخط ونياحة فهذا من نعي أهل الجاهلية. 

الصورة الثالثة: النعي المعلن المجرد الذي يكون بعد الدفن ولا غرض له صحيح ولا مصلحة شرعية معتبرة, فهذا منهي عنه.

الصورة الرابعة: النعي الذي يكون فيه ذكر المحاسن التفصيلية بعد دفنه مباشرة بما يهيج النفوس ويجدد الأحزان ويعظم المصاب, فهو داخل في علة المنع من النعي المنهي عنه.

الصورة الخامسة: النعي المعلن المجرد الذي يكون المقصد منه شهود جنازة الميت والترحم عليه ونحو ذلك من الأغراض الدينية فهذا جائز؛ لما ورد في صحيح مسلم “إنَّ أخاكم النجاشيَّ قد مات، فقوموا فصلُّوا عليه”.فرتب الصلاة على الإخبار بموته علنا بالفاء.

ولما ورد في البخاري من نعي النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر جعفرا وعبد الله بن رواحة وزيد ين ثابت؛ لأجل إخبار الناس بما وقع لهم.

ولما يحقق الإعلان بالإخبار المجرد من مصالح راجحة، مراعاتها أولى وأرجح من مراعاة ما اشتمل عليه الأصل من مفاسد.

فيتبين لنا أن هذه الصورة استثنيت من عموم النهي؛ لما تحققه من مصلحة راجحة، ولما دل عليه حديث نعي النجاشي, ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لما فقد المرأة التي تقم المسجد وأخبروه بدفنها قال: هلا آذنتموني، دلوني على قبرها. 

الصورة السادسة: النعي الذي يصاحبه ذكر المحاسن اليسيرة المجملة التي لا تهيج النفوس ولا تعظم المصاب ولا تكون وسيلة للتسخط, ككونه رجلا صالحا, كما نعى النبي صلى الله عليه وسلم النجاشي, فقال: (مات اليوم عبد لله صالح...) كما في صحيح مسلم, فهذا ليس من النعي المنهي عنه, ويحقق مصلحة تشجيع الناس للصلاة عليه.

 

كتبه:

د. أحمد محمد الصادق النجار

أستاذ مساعد بكلية علوم الشريعة -المرقب

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق