الأربعاء، 8 يونيو 2022

إغلاق الحقول النفطية في ليبيا

 

إغلاق الحقول النفطية في ليبيا

 تكلمت في مقالات سابقة عن تنزيل المفتي الشيخ الصادق الغرياني وفقه الله للأحكام المطلقة المجردة على وقائع مخصوصة لها ملابساتها ومناطاتها؛ مما ينتج عنه مفاسدة كبرى..

وهذا التنزيل سيتصادم حتما مع مقاصد الشريعة التي منها منع التكليف بما ليس في مقدور المكلف.

ولذلك أمثلة, منها:

حكمه على من أقفل الحقول النفطية..

إذا نظرنا إلى الواقع وجدنا أن الحكومة عاجزة عن الذهاب للحقول النفطية للتصوير فيها فضلا عن أن تكون هي الآمرة الناهية, كما أن من أقفلها ليسوا مجرد نفر يريدون قطع الطريق والإفساد وإنما وراءهم دول كبرى تأمرهم وتنهاهم عبر نوابهم في البلاد.

والظاهر ممن تصدر مشهد الإقفال أنهم في الظاهر يطالبون بحقوق ويظنون أنهم على حق.

هذا جانب من الواقع...

وإذا تأملنا في فتوى الشيخ الصادق وجدنا أنه يكيف الفعل على أنه حرابة, ويأمر الدولة العاجزة عن قتالهم واسترداد الحقوق منهم!!

فبالله عليكم أتصح هذه الفتوى على هذا الواقع؟!!

أولا: إذا أهملنا النظر إلى الملابسات الدولية المتحكم الفعلي في النفط, واتجه نظرنا إلى أولئك الذين أغلقوا الحقول وخرجوا على الحكومة وجعلوه ورقة ضغط على الحكومة؛ ظنا منهم أنهم على حق, لكان الأقرب في التكييف أن يكونوا بغاة.

قال ابن رشد الجد في المقدمات الممهدات (3/ 236): (وأما من حارب على تأويل فقتل وأخذ المال مثل الحرورية والإباضية والقدرية وأهل الأهواء كلهم ثم أخذ ولم يتب فإنه لا يقام عليه حد الحرابة ولا يؤخذ منه ما أخذ من المال وإن كان موسرا إلا أن يوجد بيده شيء بعينه فيرد إلى ربه).

وجاء في بداية المجتهد ونهاية المقتصد (4/ 177): (...وجنايات على الأموال، وهذه ما كان منها مأخوذا بحرب سمي حرابة إذا كان بغير تأويل، بتأويل سمي بغيا)

وتختلف أحكام البغاة عن أحكام المحاربين في جوانب, كما هو مدون في كتب الفقه ..

ثانيا: لو سلمنا أنهم محاربون, فإشكال فتوى الشيخ في إنزال الحكم المطلق وهو وجوب مقاتلتهم على الحكومة التي سلطنها التنفيذية محدودة.

والنظر الواقعي يثبت أن الحكومة لن تجرأ على هذا الفعل؛ لعجزهم وعدم إعطاء الدول الكبرى الإذن لهم.

ثم لو تجرأت وقاتلت لترتب على ذلك مفسدة كبرى وربما زوالها وتسليط من يرتضونه عليها ودخول البلاد في حرب.

ومما هو متقرر شرعا أن الله لا ينظر في الاستطاعة الشرعية إلى مجرد إمكان الفعل، بل ينظر  مع إمكان الفعل إلى عدم ترتب مفسدة راجحة عليه, وهذا مما رأيت الشيخ وفقه الله لا يراعيه في جملة من فتاويه.

فأي حكم هذا الذي يفتي به الشيخ وفقه الله وهو يعلم عدم إمكان وقوعه؟!!

ولو أمكن وقوعه لترتب عليه مفسدة راجحة؟!!

ثم لو أن الشيخ جلس مع الحكومة ونظر إلى ما يمكن فعله وما لا يمكن فعله وما يترتب على ما أمكن فعله من مصالح أو مفاسد ثم أصدر فتواه بناء على ذلك لما صح مني أن أتكلم, لكن ...

وليست إشكاليتي مع الشيخ في تصور الواقع وإنما في إنزال الحكم المطلق على هذا الواقع مع ما في الإنزال من التكليف بما ليس بممكن شرعا، وما فيه من حرج تأباه الشريعة

ويراه الأتباع صدعا بالحق ووقوفا ضد الحكومات !!


وهنا أنبه أن الحكومة إذا عجزت عن تنفيذ حكم مطلق لملابسات خاصة فإنها تكون معذورة, كما عذر  النبي صلى الله عليه وسلم النجاشي عن تطبيق الشريعة والحكم بها.

وعليها أن تبحث بالطرق التي لا يمنع منها الشرع عن كيفية الخروج من هذا الأمر؟

 

ومثل هذا الحكم لا يتوافق مع عاطفة كثير من الأتباع وممن تربى على الحماس العاطفي, فيتوهمون أن فيه إلغاء الجهاد وإلغاء أحكام الله والصدع بها ...

وعلى عاطفتهم: ففي إعذار النبي صلى الله عليه وسلم للنجاشي تضييع لتحكيم الشريعة !!

هؤلاء المتحمسون غلبت عاطفتهم على التأصيل العلمي, وكم نتمنى من الشيخ أن يغير بطانته, فقد يؤتى الإنسان ممن حوله, والله المستعان

وهذه آخر مقالاتي الإصلاحية في هذا الباب, وفي الجعبة كثير, هداني الله وإياكم, وغفر لي ولكم

كتبه د. أحمد محمد الصادق النجار

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق