الأربعاء، 12 أكتوبر 2022

اجتماع كلمة المسلمين أمام أعدائهم أولوية من الأولويات

 


اجتماع كلمة المسلمين أمام أعدائهم أولوية من الأولويات

إن اجتماع كلمة المسلمين ووحدة صفهم (أمام أعدائهم) تقوم على أساسين -بالنظر الشرعي- لا يتحقق الاجتماع إلا بهما، وهما:
الأساس الأول: الاعتصام بالكتاب والسنة، فلا يمكن للمسلمين أن تتوحد كلمتهم إلا إذا توحدت أصولهم التي يستمدون منها عقائدهم وفقههم وسلوكهم...
وهنا تأتي المعضلة الكبرى واقعيا وهو اختلاف أهل الإسلام في جنس ما يكون دليلا ثم اختلافهم في كيفية وآلية فهم الكتاب والسنة
فالاختلاف بين أهل الحديث وأهل الكلام اختلاف في جنس الدليل وهو خلاف أصول
والاختلاف بين المذاهب الأربعة اختلاف في فهم الدليل؛ لاحتماله، واختلاف في آلية الترجيح، وهو اختلاف فروع..

لما كان الأمر كذلك احتجنا في تحقيق الاجتماع الذي نحتاج إليه للوقوف أمام تسلط الكفار على المسلمين إلى الأساس الثاني؛ حتى يُرَشَّد الخلاف بما يحفظ به الدين، ويبقى معه أصل الاجتماع وإن تعذر كماله...
وهذا الأساس الثاني هو: سلامة القلوب وحسن التعامل مع الخلاف والمخالف؛ ذلك أنه لما كان الخلاف بين أهل الإسلام تارة يكون خلاف أصول وتارة يكون خلاف فروع
كان لابد من سلامة القلب لكل من أخطأ وهو يريد أن يصل إلى مراد الله، ومن حسن التعامل معه..

ولا تعني هذه السلامة تصويب من أخطأ في الأصول ولا جعل اجتهاده من الاجتهاد السائغ ولا جعل قوله من القول المعتبر..

فقد أخطأ خطأ عظيما من جعل اجتماع كلمة المسلمين سبيلا لتصحيح الأقوال والاعتقادات التي لم تبن على جنس الدليل المعتبر، أو سبيلا لتصحيح كل اجتهاد واعتباره سائغا..
ولا تعني أيضا عدم التشهير بمن كان ضرره على عموم المسلمين أعظم إذا اقتضى المقام ذلك وتوقف عليه حفظ الأمة، ولا تحفظ الأمة إلا بحفظ دينها؛ إذ التصدع الداخلي ببث مزيد من الفرقة والابتعاد عن مصدر الوحي وما عليه الصحابة سبب لهلاك الأمة وتسلط الأعداء عليها
قال الشاطبي ِ-رحِمه الله- في ( الاعتصام (2/ 731) ): “فمثل هؤلاء لابد من ذكرهم, والتشهير بِهم؛ لأن ما يعودُ على الْمُسلمين من ضررهم إذا تُركوا أعظم من الضرر الْحَاصل بذكرهم, والتنفير عنهم, إذا كان سبب ترك التعيين الْخَوف من التفرق والعداوة, ولا شكَ أن التفرق بين الْمُسلمين والداعين للبدعة وحدهم إذا أقيمَ عليهم أسهل من التفرق بين المسلمين ومن شايعهم واتبعهم, وإذا تعارض الضرران فالمرتكب أخفهما وأسهلهما, وبعض الشرِّ أهون من جَميعه, كقطع اليد الْمُتآكلة, إتلافها أسهل من إتلاف النفس, وهذا شأن الشرع أبدًا: أن يطرح حكم الأخفِّ وقايةً من الأثقل”

ويجب التنبيه على أنه لا تعارض بين اجتماع كلمة المسلمين وبين النقد والردود التي تكون بين الطوائف والمذاهب؛ لما فيها من مصلحة لعموم المسلمين، فهذه الردود مما يصلح الله بها بعض المسلمين ببعض ..
ولذا كان من أصول الإسلام: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا الأصل يقتضي النصح بين أفراد الأمة، وهو مما يحفظ الله به الأمة...
وكما أن إقامة الحد وإنزال العقوبة على العصاة لا ينافي اجتماع كلمة المسلمين كذلك ما تقتضيه مصلحة الأمة من الرد على المخالف وإنزال العقوبة الشرعية عليه لا ينافي اجتماع الكلمة أمام الأعداء..

وفي مقابل أولئك من يلغي اعتبار سلامة القلوب ظانا أن هذا تمييع للدين؛ فيفتح على الأمة باب الغلو ويضعفها أمام أعدائها.

فنحن في الواقع بين غلويين: غلو في جانب السلامة حتى عومل الخلاف في الأصول معاملة الخلاف في الفروع
وغلو في جانب الاتهام والإسقاط حتى ألغي النظر المقاصدي الذي يحفظ به الدين، وحفظ الأمة من حفظ الدين...
فيجب أن نتعامل على أننا أمة واحدة في مقابل أعدائها؛ وذلك يتطلب ترشيد الخلاف بين الأمة لا إسقاطه
وهذا الترشيد سبب لمنع تسلط الأعداء على الأمة وحفظ لها، وبحفظ الأمة يحفظ الدين.

فهذه إشارة مختصرة في فقه الاجتماع وأولويته.

كتبه د أحمد محمد الصادق النجار 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق