السبت، 20 مايو 2023

التحذير من الفوضى التي تشهدها بعض مساجد طرابلس وفقه حديث "من أمَّ قوما وهم له كارهون"

[التحذير من الفوضى التي تشهدها بعض مساجد طرابلس 

وفقه حديث "من أمَّ قوما وهم له كارهون"]


الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده

أما بعد, فإن الله جعل في الأرض بيوتا أذن فيها بذكره, وجعلها موطنا يجتمع فيها المسلمون لأداء صلواتهم ويتحقق بها مقصد الائتلاف والمحبة...

وقد صان الله المساجد من أن تكون محلا للغط واللغو وكل ما لا يليق بها من الأقوال والأفعال, ومنع من كل طريق يعكر رسالة المسجد ويذهب بمقصد صلاة الجماعة فيها.

ولذا كان من فقه أئمة السلف أنه إذا تعذرت إقامة الجماعة إلا بمن فيه بدعة كان تحصيل الجماعة أولى وأعظم؛ فمصلحة إقامة الجماعة في المسجد أعظم من مصلحة النظر في عدالة الإمام...

وهذا فقه استقرائي لعموم الشريعة وأصول أبوابها وما استقرت عليه...

ومن مقتضى الفقه الاستقرائي الذي ننادي به؛ لرفع الفوضى والإبقاء على هيبة الشعائر في القلوب وتحقيقا لمقصد الشارع منها, وحتى لا تتعطل الصلاة في المساجد  يجب الرجوع إلى الجهة المسؤولة عن المساجد ومخاطبتها إذا عينت من يكرهه الناس؛ إذ لو ترك الناس على أهوائهم لفسدت شعائر الناس, ولما استقرت لهم إمامة ولا خطابة...

وأما تهييج العامة على أئمة مساجدهم والدعوة إلى الفوضوية في بيوت الله؛ حتى تصبح المساجد ساحات حرب ولغط, وتصفية حسابات, فهذا مناف لمقصود الشارع من وضع بيوت الله, 

ويبوء بإثم ذلك كل من دعا إلى الفوضوية في المساجد وحرض عليها.


وأما حديث: من أم قوما وهم له كارهون

فهذا الحديث قد ورد من حديث أبي أمامة بلفظ:" ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم, وذكر منهم: وإمام قوم وهم له كارهون" أخرجه الترمذي وفيه اختلف فيه, وليس ضعفه شديدا وقد حسن الحديث الترمذي  بقوله حسن غريب

ورواه أيضا من الصحابة: ابن عباس  وعبد الله بن عمرو وأنس كلهم بألفاظ مقاربة للفظ أبي أمامة, وجاء أيضا مرسلا بنحو لفظ أبي أمامة.

فالحديث لا ينزل عن رتبة الحسن....


وأما فقهه:

فعند الكلام عن فقه هذا الحديث ينبغي أن  يُنظر إليه نظرا قريبا من جهة العلة,  وأن ينظر إليه نظرا بعيدا من جهة الحكمة والمقصود؛ لتكتمل الدلالة ويحسن الفهم.

أما النظر إليه من جهة العلة؛ فعلة المنع من إمامة رجل قوما وهم له كارهون: الكراهة الشرعية, 

بمعنى أن يكون سبب الكراهة أمرا ذمه الشرع؛ لأن الحكم حكم شرعي فيجب أن تكون علته علة شرعية..

فتكون الكراهة التي تمنع من أن يؤم قوما وهم له كارهون هي الكراهة الشرعية, بمعنى: أن يكون الإمام قد تلبس بأمر نهى عنه الشرع وذمه, كالظلم والفسق والبدعة أو الإخلال بواجب في الصلاة أو شرط لها, أو تعاطي ما حرم الله ونحو ذلك...

وينتفي الحكم بانتفاء العلة, فإذا انتفى السبب الشرعي للكراهة لم يترتب عليها الإثم أو الوعيد بعدم قبول الصلاة, كالكراهة بسبب الدنيا, أو بغير حق, أو كراهة المبتدعة للسني؛ فهذه الكراهة لا تمنع الإمامة ولا يترتب عليها الوعيد.

وأما النظر إلى الحديث من جهة الحكمة والمقصود وما عليه الأصول الشرعية فنقول: إن المقصود من الاجتماع للصلاة هو تحقيق الألفة والمحبة, وهذا المقصد أمر كلي حرصت عليه الشريعة وأكدته, وقدمته في بعض المواطن على المحافظة على هيئة الصلاة كما في صلاة الخوف, وقد استقرت الشريعة عليه...

وهذا النظر يقتضي أنه إذا كان بين الإمام والمأموم خلاف عقدي أو معاداة من جنس معاداة أهل الأهواء فينبغي ألا يؤم القوم من هو مخالف لهم إذا كانوا يكرهونه؛ تحقيقا لمقصد الاجتماع وعدم اختلاف القلوب في الصلاة, فتكون مراعاة عدم إمامة من يخالفونه في معتقده ونحوه لأجل المحافظة على مقصود الصلاة جماعة هو الأولى والمقدم, فمصلحة تحقيق مقصود الجماعة أعظم من مصلحة مخالفة الإمام لهم في معتقدهم بقيد إذا كرهوا أن يصلي بهم.

قال ابن تيمية: (ولو كان بين الإمام والمأمومين معاداة من جنس معاداة أهل الأهواء والمذاهب لم يسغ له أن يؤمهم، لأن في ذلك منافاة لمقصود الصلاة جماعة). المستدرك على مجموع الفتاوى (4/ 136)

والعبرة في القوم بأكثر المصلين لا الواحد والاثنين والجماعة القليلة وإذا استوى الطرفان فينبغي ألا يؤمهم.


كتب

د. أحمد محمد الصادق النجار



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق